لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي حيوي لإمدادات الطاقة العالمية، فقد تحولإلى ساحة اختبار قاسية للقوى المتصارعة في المنطقة وبالتحديد بين الولايات المتحدة وطهران، حيث وضعت الهجمات التي استهدفت ثلاث سفن تجارية، بينها ناقلة غاز قطرية، المنطقة على أعتاب مرحلة بالغة الخطورة من التصعيد العسكري والسياسي.
إن الرد الأمريكي، الذي جاء في شكل غارات جوية واسعة النطاق استهدفت مواقع استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية، وما أعقبه من إلغاء للإعفاءات النفطية، يمثل عملياً إعلاناً بـ" تجميد" اتفاق التفاهم المؤقت الذي كان يعقد عليه العالم آمالا لإنهاء حالة الحرب المندلعة منذ أواخر فيفري الماضي.
وبتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة التي وصف فيها الموقف بـ" المنتهي"، نجد أنفسنا أمام انهيار كامل لقنوات التهدئة التي استضافت الدوحة بعض جولاتها مؤخراً.
خلف هذا التصعيد، تطرح الحقائق الميدانية تساؤلات وجودية حول أمن الملاحة اذ لم تعد الهجمات تستهدف ناقلات النفط التقليدية فحسب، بل امتدت لتشمل ناقلات الغاز المسال، وهو تطور نوعي يضرب" شريان الحياة" للطاقة في أوروبا وآسيا، مما يفسر حالة الذعر التي أصابت أسواق الطاقة وقفزة الأسعار الفورية.
وتصر طهران على فرض قواعد اشتباك جديدة في المضيق، معتبرة أن أي تحركات ملاحية خارج تنسيقها تعد" محاولة عبثية"، بينما ترفض واشنطن هذه" السيادة الأحادية"، مما يجعل السفن التجارية في وضع لا تُحسد عليه، عالقة بين مطرقة العقوبات وسندان الهجمات.
وتأتي هذه الأزمة في وقت تعيش فيه إيران حالة من الحزن الرسمي والاضطراب الداخلي تزامنا مع مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل، وهو ما يزيد من تعقيد القراءات الاستراتيجية.
فهل هو تصعيد متعمد لفرض واقع تفاوضي جديد، أم هو" انفلات" ميداني يجر المنطقة نحو مواجهة لم تكن محسوبة في هذا التوقيت تحديدا؟ اليوم، تبدو الدبلوماسية في أضعف حالاتها منذ اندلاع الحرب.
فالناتو الذي يجتمع في أنقرة يواجه تحديا لا يقل خطورة عن الصراعات البرية، وهو ضمان تدفق الطاقة العالمي في ظل بحر هائج.
وفي المحصلة فان الرسالة التي يرسلها الميدان اليوم واضحة ومقلقة: فالعودة إلى مربع" اللا اتفاق" تعني أن الخيار العسكري لم يعد مجرد تلويح، بل أصبح واقعا يوميا يهدد باقتصاد عالمي هش.
والمسؤولية الآن تقع على عاتق القوى الإقليمية والدولية، فإما التوافق على" مسارات آمنة" حقيقية، أو الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لن يخرج منها أحد منتصرا، وأول ضحاياها هو استقرار المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك