لم تكن المسدسات التي وزعها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ختام قمة أنقرة مجرد هدايا بروتوكولية، بل بدت كرسالة سياسية وعسكرية تتجاوز الأعراف الدبلوماسية التقليدية.
فاختيار المسدسات التركية الصنع، التي نُقش عليها أسماء أصحابها، ومعها ذخيرة حية ووثائق تصدير رسمية تتيح لهم نقلها إلى بلدانهم، حمل دلالات تتصل بمكانة الصناعات الدفاعية التركية، كما عكس رغبة تركيا في تقديم نفسها شريكا عسكريا وصناعيا مؤثرا داخل الحلف.
أما في الداخل التركي، فتبدو الصورة منسجمة مع سردية القائد القوي، التي تقوم على إبراز أنقرة كقوة مستقلة تمتلك قرارها السياسي وقدراتها التصنيعية والعسكرية، في وقت تتزايد فيه أهمية الصناعات الدفاعية التركية التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز أدوات النفوذ خارجيا.
وكشف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن أردوغان أهدى قادة الدول المشاركين في القمة الـ36 للناتو، التي استضافتها أنقرة يومي الثلاثاء والأربعاء، مسدسات شخصية منقوشا على كل منها اسم الزعيم الذي تسلمها، إلى جانب صناديق ذخيرة حية.
وقال ستارمر، خلال حديثه للصحفيين على متن الطائرة أثناء عودته إلى المملكة المتحدة، إن الرئيس التركي أرفق الهدية برسالة شخصية ووثائق رسمية تعفي السلاح من قيود التصدير التركية، في محاولة لتسهيل نقله إلى دول القادة المشاركين.
إلا أن رئيس الوزراء البريطاني أوضح أنه لم يتمكن من إدخال المسدس -الذي تضمن عدة تنظيف و500 طلقة ذخيرة- إلى بلاده بسبب القوانين البريطانية الصارمة المتعلقة بحيازة واستيراد الأسلحة النارية.
وبحسب صحيفة الغارديان، بقي المسدس داخل السفارة البريطانية في أنقرة بانتظار استكمال الإجراءات القانونية الخاصة بإخراجه من الخدمة، بما يتوافق مع التشريعات البريطانية.
ويرتبط موقف رئيس الوزراء البريطاني بقانون الأسلحة النارية الذي شددت لندن بموجبه القيود على حيازة المسدسات منذ مجزرة دانبلين عام 1996، التي أسفرت عن مقتل 16 طفلا ومعلمتهم، وأدت إلى فرض أحد أكثر التشريعات صرامة في أوروبا بشأن الأسلحة الفردية.
كيف تعامل بقية الزعماء مع الهدية؟ولم يكن ستارمر الوحيد الذي واجه إشكالية التعامل مع الهدية التركية، فقد أفادت وكالة رويترز بأن رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر فوجئ بوجود مسدس وذخيرة داخل أمتعته، قبل أن يسلمه إلى شرطة مطار بروكسل لحفظه في مكان آمن.
أما رئيس الوزراء الكندي مارك كارني فقد أخذ مسدسه معه، لكنه ترك الذخيرة في تركيا، وفقا لما ذكره مسؤولون كنديون، من دون توضيح الأسباب، في حين أبقى المستشار الألماني فريدريش ميرتس الهدية في العاصمة التركية.
وفي بولندا، بقي المسدس المخصص للرئيس كارول ناوروتسكي بانتظار استكمال إجراءات التخليص الجمركي، فيما أكد مساعده أنه سيحفظ في مكان مناسب يضمن سلامته ويحفظ قيمته كهدية، مبيّنا أن" لا أحد سيستخدمه لإطلاق النار".
أما عن هولندا والسويد، فقد نُقلت المسدسات إلى سفارتي البلدين في أنقرة، وتقرر تعطيل المسدس الهولندي بشكل دائم، بينما ينتظر المسدس السويدي استكمال إجراءات الاستيراد.
وفي بروكسل، أكد مسؤولان أوروبيان لموقع بوليتيكو أن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا تلقيا الهدية نفسها، والتي شملت مسدسا شخصيا وذخيرة ومجموعة تنظيف.
وأفاد متحدث باسم فون دير لاين بأن رئيسة المفوضية الأوروبية فوجئت بالهدية، و" شكرت الرئيس أردوغان على هذه اللفتة"، مبيّنا أنها تعتزم التبرع بالمسدس بعد تعطيله إلى متحف عسكري، بينما أوضح مسؤول في المجلس الأوروبي أن السلاح سيخضع للإجراءات الأمنية والقانونية المعمول بها في بلجيكا.
كما أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني إيداع المسدس ضمن مقتنيات الهدايا الرسمية في مقر الحكومة الإيطالية، في حين يعتزم رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس التبرع به إلى متحف الحرب في أثينا.
وأظهرت صور نشرها مكتب الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا أن الهدية عبارة عن مسدس دوار من طراز" غوموشاي 357 ماغنوم"، وهو سلاح نادر أنتجته شركة الصناعات العسكرية التركية" إم كيه إي" خلال تسعينيات القرن الماضي.
ووُضع المسدس داخل صندوق خشبي يحمل العلم التركي وشعار حلف الناتو، إلى جانب لوحة تعريفية كتب عليها باللغتين التركية والإنجليزية: " غوموشاي.
أول مسدس دوار يُنتج في بلادنا".
وقال المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إن جميع القادة تلقوا نفس الطراز، محفورا عليه أسماؤهم.
ويحمل اختيار هذا الطراز دلالة رمزية تتجاوز قيمته المادية، إذ أرادت أنقرة تقديم نموذج يمثل تاريخ صناعتها العسكرية الوطنية، في وقت باتت فيه الصناعات الدفاعية إحدى أبرز أدوات النفوذ التركي في الخارج.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت الصناعات الدفاعية إلى ركيزة أساسية في السياسة الخارجية التركية، مدفوعة بنجاح الطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية في اختراق أسواق جديدة في أوروبا وآسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.
وجاءت الهدية التركية على هامش قمة ناقشت ملفات ترتبط مباشرة بالأمن والدفاع، من بينها تعزيز الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء، ومستقبل الدعم الغربي لأوكرانيا، فضلا عن ملفات تتعلق بالصناعات الدفاعية ومبيعات الأسلحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك