تُقاس الثورة بما تتركه من أثر بعد القضاء على النظام القديم وهدمه، فليس كل ثورة ناجحة؛ إذ إن كثيرًا من الثورات أخفق، وانتهى إلى استبداد أشد، أو إلى فوضى وانقسامات مزقت جسد الأمة الواحدة، حتى تحولت إلى جماعات متناحرة أو دول متفرقة.
فإذا فقدت الثورة العقل الذي ينظمها ويوجهها، ضلت طريقها، وآلت إلى ما هو أسوأ، وكأنها لم تقم إلا لتوطد لاستبداد أشد من سابقه.
ويبقى السؤال الأهم: من هم الذين يقومون بالثورة؟ هل هم أناس يؤمنون بالإصلاح والعدالة، أم أنهم يحملون أفكارًا بعينها، ويسعون إلى فرضها على الناس، معتقدين أنها وحدها الحق المطلق والطريق الأوحد؟ إن أمثال هؤلاء ليسوا إلا صورة أخرى من صور الاستبداد، حتى وإن وضعوا على رؤوسهم عمائم تستميل العامة باسم الدين والإيمان.
فالأمم التي تحتكر الحقيقة في فكر واحد، وترفع السلاح في وجه مخالفيها، لا يُرجى منها إصلاح، لأن فساد العقول والنفوس يحول دون إصلاح الأوطان والشعوب.
ولهذا فإن إصلاح العقول هو أوجب الواجبات قبل قيام أي ثورة.
أما إذا جاءت الثورة ثمرة لعقول مظلمة، فلن تكون إلا إعادة تدوير للاستبداد؛ استبدادًا بوسائل جديدة، وعلى نهج أكثر مواكبة للعصر، لكنه لا يختلف في جوهره عن سابقه.
ولا تنجح الثورة إلا إذا قامت على وعي واضح بأهدافها، ورؤية محددة لما ينبغي أن يكون، لا على الارتجال والانفعال والخضوع للأهواء والمستجدات.
أما إذا سقط النظام القديم دون مشروع جامع، ظهرت مئات الأهداف المتباينة، والقرارات غير المدروسة، وأصبح لكل فريق قائده، ولكل جماعة زعيمها، ولكل حزب مشروعه، فتتناحر القوى فيما بينها، وتكون النتيجة الحتمية هي إخفاق الثورة وضياعها، بينما تعلو الأصوات ولا يعرف أحد إلى أين يتجه.
وفي ظل هذا الاضطراب تُنتهك القوانين، وتصبح الثورة ذريعة للتخريب والقتل والتشريد، والاعتداء على مؤسسات الدولة، وكأنها كانت ملكًا لأصحاب النفوذ وحدهم.
فينتقم الناس من أنفسهم، وهم يظنون أنهم ينتقمون من النظام القديم، وما ذلك إلا نتيجة لغياب الوعي.
ثم تنتشر الفوضى، ويستعين كل فريق بما يملك من قوة، سواء أكانت كثرة الأتباع أم سطوة التهديد والوعيد، حتى يصبح منطق القوة هو الحاكم بدلًا من قوة المنطق.
وتسير الجماهير خلف قيادة قد تحسن إشعال الثورة، لكنها تفتقر إلى الحنكة السياسية، وإلى البصيرة التي تزن الأمور بميزان الحكمة، وتستشرف المستقبل.
لذلك فإن اندفاع الجماهير وراء قيادة تفتقد الرؤية يعجل بفشل الثورة، مهما كانت نواياها حسنة.
إن الثورة لا تستقيم إلا إذا كان القانون هو السيد، وكان على رأس كل مؤسسة من يُؤتمن على إدارتها بكفاءة ونزاهة.
فالقيادة التي تقود الجماهير إلى الثورة قد لا تكون هي الأقدر على بناء الدولة، إذ يبدأ دورها عند حد، ثم ينبغي أن يتولى زمام المرحلة التالية أصحاب الخبرة والعلم والكفاءة، القادرون على وضع الخطط، ورسم الأهداف، وإقامة مؤسسات تحقق الإصلاح الحقيقي.
ولا تكون حماية الثورة بالشعارات، وإنما بتطبيق القوانين التي تصون الحرية، وتقيم العدالة بين الناس، وتحفظ لهم أمنهم وكرامتهم، في ظل مؤسسات قوية، يقظة، لا تخضع للأهواء ولا للمصالح الضيقة.
عندئذ فقط يصبح الوطن شريكًا لجميع أبنائه، ويكون القانون هو الحكم بينهم، لا يفرق بينهم ولا يتعصب لفئة دون أخرى، وتتحول الثورة من لحظة هدم إلى مشروع حضاري, وبناء إنساني جدير, بإقامتها على خير وجه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك