تتأرجح الأزمة السودانية بين جمر المعارك الميدانية المشتعلة على جبهات الحدود، وجمود مسارات التسوية السياسية المأزومة بتعدد المبادرات.
وفي وقت تفرض فيه لغة السلاح نفسها كحد فاصل، تُعيد استعادة الجيش السوداني لمدينة الكرمك الإستراتيجية رسم توازنات القوى ميدانيا وسياسيا، بيد أنها تعكس في الجوهر تكريسا لـ" معادلة الاستنزاف الصفري" وفق محللين.
يمثل ممر الكرمك الحدودي بولاية النيل الأزرق نقطة تحول جيوإستراتيجي، إذ يرى الباحث المختص في الدراسات الإستراتيجية، الرشيد المعتصم، أن السيطرة على المدينة المنفتحة مباشرة على مدينة أصوصا الإثيوبية تحرم قوات الدعم السريع والمجموعات المتحالفة معها من معسكرات الاحتضان وخطوط الإمداد والتجارة الحدودية.
ويوضح المعتصم – خلال حديثه لبرنامج" ما وراء الخبر" – أن الهجوم على هذه الجبهة كان يستهدف تشتيت قدرات الجيش الذي بدأ ينفتح بثبات وقوة نحو معركته الأساسية في الحدود الغربية بدارفور والجنينة، مدعوما بمئات الآلاف من المتطوعين.
بدوره، يصف الباحث في الشؤون الأفريقية، كوفي كواكو، السيطرة على الكرمك بأنها تتعدى الانتصار التكتيكي المؤقت إلى مكسب جيوإستراتيجي يمنح الجيش زمام المبادرة على الخطوط الأمامية ويحد من تحركات الدعم السريع جنوب شرق البلاد.
ومع ذلك، يؤكد كواكو أن هذا التقدم لا يحسم الحرب بأكملها، بل يبقيها في إطار" حرب استنزاف مطولة" نظرا لتمتع الدعم السريع بالخبرة في دارفور ومناطق أخرى.
في المقابل، يرفض الكاتب والمحلل السياسي مصطفى محمد إبراهيم، الرواية الرسمية للجيش، معربا عن اقتناعه بأن قوات الدعم السريع لا تزال تقاتل بفاعلية داخل إقليم النيل الأزرق وتتحرك نحو الدمازين وقيسان.
وينفي إبراهيم وجود أي خطوط إمداد مع إثيوبيا، واصفا ذلك بـ" الأكاذيب" لتغطية الفشل، مشيرا إلى أن الدعم السريع يركز حاليا على تدمير مقدرات الجيش ومخازن سلاحه في أم درمان، والخرطوم، والأبيض، وكوستي.
هذا الانقسام الميداني يوازيه صراع حاد في السرديات، فبينما يتهم المعتصم الدعم السريع بارتكاب مجازر وحشية ونهب قوت المواطنين وضرب المنشآت المدنية والمستشفيات بالمسيّرات، يلقي إبراهيم باللائمة على الجيش، متهما إياه باستهداف الأسواق والمدارس بالطيران الحربي والمسيَّر.
وسط هذا الانسداد، تبدو آفاق الحل السلمي بعيدة المنال، إذ يوضح كواكو أن عملية السلام باتت" ميتة" جراء إصرار الطرفين على الحل العسكري، وتفاقم المأساة الإنسانية بوتيرة أسرع من الدبلوماسية، رغم تقارير الأمم المتحدة وبعثات تقصي الحقائق التي تحذر من الفظائع ومؤشرات الإبادة الجماعية في الفاشر.
ويكمن الخلل الأساسي – وفق كواكو – في غياب إستراتيجية موحدة للتنسيق بين المسارات الدولية والإقليمية، حيث يعمل مسار (واشنطن-الرياض) الأقوى نفوذا، بالتوازي والتنافس مع مساري الاتحاد الأفريقي ومنظمة" إيغاد" الإقليميين بدلا من التكامل، مما يحول دون الوصول إلى وقف إطلاق نار مستدام، ويترك الكلمة الفصل مرتهنة للميدان.
وتتفاقم الأزمة الإنسانية في السودان جراء الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023 بسبب خلاف بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، والتي خلفت عشرات آلاف القتلى ونحو 13 مليون نازح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك