في لحظة سياسية تتقاطع فيها تعقيدات المشهد اليمني مع تحولات إقليمية متسارعة، جاءت دعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي للأحزاب والمكونات السياسية للقيام بدور يتجاوز حدود الممارسة السياسية التقليدية، نحو الانخراط في معركة أوسع عنوانها حماية الدولة وصناعة الوعي الوطني.
فالدعوة لا تبدو مجرد لقاء سياسي أو رسالة مجاملة للقوى الحزبية، بل تحمل دلالات تتصل بطبيعة المرحلة التي تمر بها اليمن، حيث لم يعد الصراع محصوراً في الجبهات العسكرية، وإنما انتقل إلى ساحات أكثر تعقيداً تشمل الوعي الشعبي، والشرعية السياسية، والقدرة على بناء نموذج دولة قادر على الصمود أمام مشاريع التفكيك والانقسام.
وما يلفت في خطاب العليمي أنه أعاد وضع الأحزاب أمام سؤال جوهري يتعلق بوظيفتها التاريخية: هل تكون مجرد أطراف تتنافس داخل معادلة السلطة، أم تتحول إلى أدوات وطنية تقود المجتمع في لحظة مصيرية تتطلب إعادة تعريف الأولويات؟فالرهان الذي تطرحه الرئاسة يقوم على أن استعادة الدولة لا يمكن أن تكون مهمة عسكرية فقط، بل تحتاج إلى جبهة سياسية ومجتمعية متماسكة، قادرة على إنتاج خطاب وطني جامع، واستعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات، ومواجهة حالة التشظي التي أثرت خلال السنوات الماضية على قدرة القوى المناهضة للانقلاب على العمل ضمن رؤية مشتركة.
الأحزاب أمام اختبار الدور الوطني.
هل تتجاوز حسابات النفوذ؟منذ اندلاع الحرب، بقيت الأحزاب اليمنية لاعباً أساسياً في المشهد السياسي، لكنها في الوقت ذاته واجهت انتقادات مرتبطة بضعف حضورها الوطني وانشغال بعضها بصراعات النفوذ والحسابات التنظيمية الضيقة، في وقت كانت فيه الدولة تواجه تحديات وجودية.
ومن هنا تأتي أهمية دعوة العليمي باعتبارها اختباراً حقيقياً للأحزاب فهل ستتعامل مع المرحلة بمنطق الشراكة الوطنية، أم ستبقى أسيرة التنافس على المواقع والمكاسب؟وصف الرئيس للأحزاب بأنها “رافعة سياسية للدولة” يحمل رسالة واضحة بأن العمل الحزبي المطلوب اليوم لا يقتصر على إصدار البيانات أو تسجيل المواقف، وإنما يتطلب دوراً في تشكيل الوعي العام، والدفاع عن فكرة الدولة، وبناء خطاب سياسي قادر على مواجهة محاولات فرض واقع جديد خارج المؤسسات الشرعية.
فالمعارك الكبرى لا تُحسم فقط في ساحات القتال، وإنما أيضاً في قدرة المجتمعات على التمييز بين مشاريع الدولة ومشاريع الجماعات المسلحة، وبين التعددية السياسية التي تحكمها المؤسسات، والمشاريع التي تستند إلى القوة خارج إطار الدولة.
لكن قيام الأحزاب بهذا الدور يتطلب منها مراجعة عميقة لأدائها، والانتقال من منطق تقاسم النفوذ إلى منطق بناء الدولة.
فالدولة ليست مساحة لتوزيع المصالح بين القوى السياسية، وإنما الإطار الذي يحمي الجميع ويمنح السياسة معناها الحقيقي.
من مواجهة الحوثيين إلى بناء جبهة وطنية موحدةركزت دعوة العليمي على التحديات المرتبطة بالمشروع الحوثي والدعم الإيراني للجماعة، في ظل تطورات إقليمية متسارعة جعلت الملف اليمني جزءاً من صراع أوسع يتجاوز الحدود الوطنية، خصوصاً مع ارتباطه بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.
وهنا تكمن أهمية الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء استراتيجية وطنية طويلة المدى.
فالتجربة خلال السنوات الماضية أثبتت أن الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين شكلت ثغرة سياسية استفاد منها الخصوم، وأن غياب الخطاب الموحد أضعف القدرة على تقديم رؤية واضحة للمجتمع اليمني وللمجتمع الدولي.
ولهذا فإن دعوة الرئيس للأحزاب يمكن قراءتها باعتبارها محاولة لإعادة تنظيم المشهد السياسي حول أولويات مشتركة، تتمثل في حماية النظام الجمهوري، وتعزيز مؤسسات الدولة، واستعادة القرار الوطني.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول شكل الدولة التي ستخرج من الحرب.
ولذلك فإن أي تسوية سياسية لا تعالج قضية السلاح خارج مؤسسات الدولة، ولا تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية، ستظل معرضة لإنتاج أزمات جديدة.
إن بناء السلام المستدام لا يبدأ من طاولة المفاوضات فقط، بل يبدأ من وجود مشروع وطني قادر على الصمود، ومن قوى سياسية تؤمن بأن الدولة هي المرجعية الوحيدة لإدارة الخلافات.
الاقتصاد.
الجبهة التي تحدد قدرة الدولة على البقاءلم يكن حديث الرئيس العليمي عن الإصلاحات الاقتصادية والمالية جانباً منفصلاً عن دعوته للأحزاب، بل يمثل جزءاً أساسياً من معركة استعادة الدولة.
فالحرب الاقتصادية لا تقل خطورة عن المواجهة العسكرية، واستهداف الموارد والمنشآت الحيوية كان محاولة لإضعاف قدرة الحكومة على القيام بوظائفها الأساسية.
وفي هذا السياق، فإن تحسين الإيرادات، وتعزيز الرقابة، وإصلاح المؤسسات المالية والإدارية، تمثل محاولات لبناء دولة أكثر قدرة على الاعتماد على ذاتها، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وتراجع الموارد.
لكن نجاح هذه الإصلاحات يحتاج إلى بيئة سياسية داعمة، وإلى أحزاب قادرة على شرح التحديات للمجتمع، ومساندة الإجراءات التي تهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة، بدلاً من تحويل كل ملف اقتصادي إلى ساحة للمناكفات السياسية.
فالشرعية السياسية لا تُبنى فقط عبر الاعتراف الدولي، وإنما عبر قدرة الدولة على تحسين حياة المواطنين، وتقديم نموذج أكثر كفاءة في الإدارة، وإقناع المجتمع بأن مشروع الدولة قادر على تحقيق الاستقرار والتنمية.
في المحصلة، فإن ما وراء دعوة الرئيس العليمي للأحزاب هو محاولة لإعادة تعريف دور السياسة في اليمن خلال مرحلة فاصلة.
فالمطلوب ليس مجرد اصطفاف مؤقت خلف مؤسسة أو حكومة، بل بناء شراكة وطنية تجعل الأحزاب جزءاً من مشروع استعادة الدولة لا جزءاً من صراعاتها.
فالمرحلة المقبلة ستكشف قدرة القوى السياسية على تجاوز إرث الخلافات والانقسامات، والانتقال نحو مشروع وطني جامع يدرك أن حماية الجمهورية وبناء المؤسسات ليست مسؤولية طرف واحد، بل مسؤولية وطنية تبدأ من الوعي وتنتهي بترسيخ دولة قادرة على البقاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك