قناة الجزيرة مباشر - قراءة عسكرية.. البند الخامس من مذكرة التفاهم يشعل الخلاف بين أمريكا وإيران الجزيرة نت - وزير بريطاني: هجمات إيران على دول الخليج انتهاك صارخ وإغلاق هرمز سينشر الجوع قناة التليفزيون العربي - وكالة الأنباء الإيرانية عن مسؤول: تعرض قاعدة عسكرية تقع على أطراف مدينة بوشهر لهجوم أميركي إسرائيلي وكالة الأناضول - الرئيس الأذربيجاني يستقبل سلجوق بيرقدار في باكو وكالة الأناضول - تركيا تصف قرار البرلمان الأوروبي ضد قواتها المسلحة بـ"المنحاز" القدس العربي - دراسة جديدة تغير النظرية السائدة عن كيفية الإصابة بالملاريا الجزيرة نت - 5 أسباب أبقت منتخب إسبانيا بلا هزيمة في كأس العالم 2026 قناة التليفزيون العربي - الرئيس الفلسطيني يقرر تنظيم الانتخابات التشريعية بعد عشرين عاما.. هل تشمل غزة والقدس؟ الجزيرة نت - تحدى الحرب بالبرمجة.. مهندس لبناني يطلق تطبيقا ذكيا تحت القصف وكالة الأناضول - الرباط.. أكثر من 70 ألفا يتابعون مباراة المغرب وفرنسا
عامة

سؤال «الزومبي»: هل نفتقر إلى أدبيات الرعب؟

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة
1

يرى كثير من النقّاد الثقافيين أن فيلم «ليلة الموتى الأحياء» 1968، للمخرج الأمريكي جورج روميرو، شكّل ما هو أكثر من نقلة نوعية في تاريخ سينما الرعب، بل ربما يكون علامة على تغيّر مخيّلتنا الثقافية بأكمله...

ملخص مرصد
يرى نقاد أن فيلم «ليلة الموتى الأحياء» (1968) للمخرج جورج روميرو شكل تحولاً في سينما الرعب، حيث تحول الزومبي من كائنات فردية إلى جموع عبثية تمثل المجتمع ذاته. الفيلم، الذي ينتهي بموت البطل على يد «صيادي زومبي»، يطرح أسئلة حول الخوف من الذات والآخر، في مقابل الرعب القوطي التقليدي الذي كان يحمل معاني اجتماعية وسياسية. يرى النقاد أن الزومبي بات رمزاً ثقافياً يعكس غياب المعايير وانهيار القيم، مما يستدعي الحاجة إلى أدبيات رعب جديدة لاستعادة الشعور بالخوف والوعي بالمخاطر الحقيقية.
  • فيلم «ليلة الموتى الأحياء» (1968) للمخرج جورج روميرو شكل تحولاً في سينما الرعب
  • الزومبي في الفيلم يمثل جموعاً عبثية تعكس المجتمع ذاته، وفق نقاد ثقافيين
  • النقاد يدعون إلى أدبيات رعب جديدة لاستعادة الشعور بالخوف والوعي بالمخاطر
من: جورج روميرو (مخرج)، نقاد ثقافيون

يرى كثير من النقّاد الثقافيين أن فيلم «ليلة الموتى الأحياء» 1968، للمخرج الأمريكي جورج روميرو، شكّل ما هو أكثر من نقلة نوعية في تاريخ سينما الرعب، بل ربما يكون علامة على تغيّر مخيّلتنا الثقافية بأكملها، في واحد من أكثر عناصرها أهميّة: ما الذي يرعبنا فعلاً؟ ولماذا؟ في الفيلم يقوم الموتى، من دون أي سبب واضح، ويهاجمون الأحياء بأعداد كبيرة، أيضاً، من دون سبب واضح، وفي النهاية يموت البطل، الذي نجح بالحفاظ على حياته، ومقاومة «الزومبي» بكفاءة طيلة الفيلم، بشكل عبثي: يقتله رجال الشرطة، والأهالي الذين صاروا «صيادي زومبي»، ضمن إطار حملة التطهير التي كانوا يجرونها، من دون أن يشغلوا بالهم كثيراً بالتأكّد من حقيقته، وإن كان إنساناً أم زومبي، ثم يحرقون جثته مع الجثث الكثيرة التي خلّفتها الليلة المرعبة، وهي جثث جمعت بين الزومبي والبشر العاديين.

كان الفيلم منطلقاً لموجة من الأفلام والمسلسلات حول ثيمة «الزومبي»، لم تنته حتى يومنا هذا، لدرجة يمكن القول معها إن الزومبي بات وحش العصر، لينتهي معه عهد هيمنة «الرعب القوطي»، الذي شكّل أساس مخيّلة الرعب في الأدب والسينما، طيلة عقود كثيرة، ويصير نوعاً كلاسيكياً، وثقافة فرعية، لها عشاقها، ولكنها ليست ما يرعبنا فعلاً.

الزومبي غالباً لا يكون فرداً، وإنما جموع، وهي لم تختر شيئاً، أو ترتكب خطأً، أو تتسم بصفات تراجيدية معيّنة، لكي تصبح زومبي، بل صارت كذلك ضمن سياق عام، غالباً تفسيره غير مهم، المهم الواقعة نفسها: أنت تجد نفسك في عالم مليء بالزومبي، وعليك أن تنجو.

وفي سياق ذلك يصعب أن تخاف من زومبي معيّن، أو تلحظ اختلافه عن غيره.

الوحش هنا هو المجتمع بأكمله، والخوف ليس دخيلاً، وليس «الآخر»، كما أنه ليس نتيجة لقاء عوالم مختلفة، إنه العالم نفسه الذي نعرفه، والذي بات يأكل بعضه بعبثيّة.

هنا قد يبرز السؤال: هل أنا لست زومبي بالفعل؟ وما الذي يميّزني عن الزومبي حقاً؟ ولماذا لا أستسلم وأصير جزءاً من هذه الجموع؟في الرعب القوطي كانت الوقائع مُثقلة بالمعنى، هنالك العلم، وعصر الاكتشافات الجغرافية والتقنية، وتطور علم التشريح والطب النفسي، ومطلع العصر الصناعي، والمسيحية، والنبالة، والبشر القادمون من كل مكان ليصبحوا طبقة عاملة، و»أخلاق حميدة» مليئة بالكبت الجنسي، وذلك كان أرضاً خصبة للرعب، فالوحش لم يعد «هناك»، روحاً شريرة تجوب الغابة أو البرية، أو تعيش في خرابة أو قلعة قديمة، بل بات «هنا»، في قلب المدينة، ويجمع في ذاته عناصر متناقضة ومأساوية، فهو ليس شراً محضاً رغم كل دمويته، بل غالباً يُقدّم بنوع من الرومانسية السوداء، لأن كل منظومة تنجب مسوخها: العلم والصناعة والوعد بالتقدّم أنتجوا مسخ فرانكنشتاين؛ والنبالة صارت، مع اقترابها من البورجوازية الصاعدة، أقرب لدراكولا، الذي يمتصّ دم الأحياء، ويتمدد بينهم؛ فيما الدين والأخلاق الفيكتورية أنتجا ما لا حصر له من المسوخ الشيطانية المتمردة، والهلاوس الإباحية والدموية، والممارسات السرية، والسفاحين الذين يستهدفون النساء الماجنات بشبق كبير؛ أما الاكتشافات الجغرافية فجلبت معها آلاف المهاجرين، الذين بدوا مريبين، واللعنات والتعاويذ القديمة.

وسط كل هذا يبرز دائماً بطل «فاوستي» ما، نسبة لفاوست، الشخصية المركزية في عدد من الأعمال الأدبية، وأشهرها مسرحية «فاوست» لغوته: إنسان يتسم بالطموح والرغبة والفضول، يغامر بروحه لسبب ما، ويدفع ثمناً غالياً لذلك، مدركاً أن كل قيمة في عالمه تنتج نقيضها، وتهديداتها، وتبدو مُتشظّية بشدة من الداخل.

أما موت الوحش في النهاية فلا يعني نهاية التهديد، إذ يبقى القلق مستمراً، والأرواح المتمرّدة لا تهدأ، والمسرح معدّاً لبروز وحش جديد.

الوحوش القوطية كانت لها هيبتها، وسماتها الفرديّة الواضحة، وموهبتها، وتاريخها المحمّل بالمعاني والأحداث، وموقعها على التخوم بين عالمين، غالباً الموت والحياة، والرغبة والجريمة، والخير والخطيئة.

يمكنك بسهولة أن تتعاطف مع وحش قوطي، بل ربما تقع في عشقه، وهو أصلاً يبدو موضوعاً شبقياً، فهو الغريب المألوف، الذي يخيفك بسبب شبهه بك، أكثر من اختلافه عنك؛ وكذلك لوجوده في مكان ما في أعماق نفسك وذاكرتك.

إنه ما يمكن أن تكونه إذا خضت التجربة نفسها، وتجرّأت على اتباع الرغبة ذاتها.

أما تشوّهه فمثير غالباً، مرتبط بالجسد، وأعضائه، وسوائله، وغريزته المنفلتة، وقوّته المتحررة من القيود.

ولكنك لن تحب زومبي، أو تشتهيه، فباستثناء عدد من الأعمال التي حاولت تقديمه بشكل مختلف، يبقى موضوعاً للاشمئزاز المحض، والاستهانة، والسخرية، يوحي بالغباء، وغياب الفردانية، والقطيعية، وانعدام الوعي، وعدم تراكم التجربة.

الزومبي لا تاريخ له، ورغبته خارجة عن أي إطار رمزي أو خيالي، مجرد التهام وتمزيق بلا معنى.

قتله سهل، ولكن تبقى جموعه، ولا شيء مجيد أو مأساوي أو خلاصي في قتل زومبي، فهو أشبه ببروز «الواقعي»: الشيء الذي لا مكان له في نظامنا الرمزي، ولا حتى في تناقضاته، ولا يتفق مع شيء من خيالاتنا واستيهاماتنا وتصوراتنا، ليس غريباً مألوفاً، ولكنه «الواقع» الذي لم يعد يشبه شيئاً، وبروزه يأتي دائماً ضمن مشهد قيامي، وكأنه نهاية العالم، ولكن من دون دينونة، أو ثواب وعقاب، أو عدالة إلهية.

ربما كانت قيم وأحلام ومنظومات التنوير هي المنتج الأساسي للرعب القوطي، فالمجتمع لم يكن مكبوتاً ببساطة كما في الصورة التقليدية عن العصر الفيكتوري وما سبقه، بل كان يتحدّث كثيراً عن كل شيء، ويصنّف، ويعيد الترتيب، وينتج المعارف، ويبني عوالم سريّة، ويضاعف خطاباته عن كل المسائل، ويحوّل خيالاته غير المُصرّح بها إلى مسوخ وشياطين.

في ذلك الجو بالذات ازدهر نوع أدبي كامل عُرف باسم «Penny Dreadful» في بريطانيا، و»Groschenheft» في ألمانيا، أي سلاسل روايات الرعب والإثارة، الرخيصة بالمعنى الحرفي، فهي كانت تباع بـ»بيني» أو «غروش» واحد، أي أقل وحدة نقدية آنذاك، على ورق رديء، ويُقبل عليها العمال والطلاب وأبناء الطبقات الشعبية.

لم يكن هذا «أدباً هابطاً» وإنما مخيّلة عصر، وقد ساهم في تطور الأدب والفكر الأوروبي بشكل كبير، فحتى ماركس تحدث عن «شبح يجوب أوروبا» (الشيوعية) ومصاص الدماء الذي يعتاش على الأحياء (الرأسمالية) وغيرها من الوحوش القوطية، التي غيّرت وستغيّر العالم.

أما الزومبي فيبدو نتيجة اضمحلال المعايير، وغياب ما يمكن لـ»الروح» أن تكرّس له نفسها، متحمّلةً مخاطره.

يتطابق الزومبي مع نفسه تماماً، ولا يمكنه اتخاذ مسافة تأمليّة منها، تنتج الوعي، والتناقض، ورعبهما، هو يعيش (أو لا يعيش) على الاجترار، يلتهم ويعيد الالتهام، من دون أن يعي ما يفعل.

ليس حيواناً، فالحيوان مرتبط بالطبيعة وقواها، ولكنه فقد ما يُعرّف إنسانيته؛ ليس صاحب روح ملعونة، كالشيطان، بل منعدم الروح تماماً.

هل يعبّر عن مجتمعات الاستهلاك وانهيار السرديات الكبرى والتقوقع على الذات الفردية؟ ربما يكون هذا تأويلاً مبسّطاً، يُسخِّف من رعب الزومبي، فهو المشهد القيامي غير المفهوم، والخالي من المعايير، الذي يتخلل واقعنا المعاصر.

مع ذلك: هل يخاف الناس اليوم فعلاً من هذا المشهد؟ وهل يشعر من يشاهدون مسلسلات وأفلام الزومبي عبر منصات البث بهيبة الرعب، كما كان يشعر قرّاء الأدب القوطي؟ ربما هنالك نوع من التطبيع مع رعب الزومبي، لدرجة أنه لم يعد رعباً، بل مهزلة، وهذه بحد ذاتها حالة «زومبية» إذا صح التعبير.

رغم ذلك، فإن شعبية أفلام ومسلسلات الزومبي، وإنتاجها الواسع، يشيران إلى أن مجتمعاتها ما تزال قادرة على اتخاذ نوع من المسافة من نفسها، لترى ذاتها في مرآة «الزومبي أبوكاليبس».

ولكن، فلنتخيّل سيناريو لفيلم من ذلك النوع، يتحوّل فيه الناس إلى زومبي، دون أن ينتبه أي أحد لذلك، وتمضي الأمور وكأن كل ما يحدث هو «الطبيعي».

هذا السيناريو، الذي ربما لم يتخيّله أحد، ولا دافع فنياً أصلاً لتخيّله، لأننا لن نشاهد فيه أي حبكة درامية، هو الحالة «الزومبية» التامة، التي لن تكون مرعبة، لأن الرعب يحتاج إلى ذات تتأمل كل هذا، من مسافة معيّنة.

هنا بالضبط قد نكون اقتربنا من بلداننا جداً، حيث تظهر حالة من التطبيع مع الأبوكاليبس، من دون أن يشعر الناس بحاجة إلى إنتاج أفلام وأدبيات محليّة عن الزومبي.

قد يكون السؤال هنا: لماذا لا نشعر بالرعب فعلاً أمام ما نراه ونعايشه؟ وكيف ولماذا طبّعنا معه؟ وهل يمكن أن تفيدنا بعض أدبيات الرعب؟طُرح سؤال ضعف أدب الرعب العربي كثيراً، فرغم اتساع التراث الذي قد يكون ملهما لهذا الأدب (السحر، قصص الجن، السير الشعبية، الغيلان الكثيرة في الفلكلور الشفوي المحلي، إلخ)، والتأثر بأعمال أدب الرعب القوطي الكلاسيكي الأوروبي، إلا أن أدب الرعب ظل ضعيفاً، مقتصراً على بعض المحاولات الفردية، والسلاسل «الشبابية»، التي تبدو أقرب لخليط من روايات وأفلام أجنبية.

يزداد الأمر غرابةً إذا تذكرنا مدى الرعب الذي عايشته البلدان الناطقة بالعربية خلال القرنين الماضيين: مجازر جماعية، حروب، دول وحكّام ضارين، جماعات إرهابية، تعذيب، إلخ.

بل حتى تسجيلات تنظيم «داعش»، التي يصل فيها الهول إلى درجة غير مسبوقة، لم تحرّك مزاج الرعب كثيراً.

توجد إجابة متكررة: من يعيش الرعب لا يملك ترف تخيّله، وكتابة الأدب عنه.

إلا أنها إجابة غير مقنعة على الإطلاق، فأدب الرعب الأوروبي ازدهر في ظروف مرعبة حقاً، شملت الحروب القارية والعالمية، والمجاعات، والإبادات الكبرى، والقمع الطبقي والجنسي العنيف.

بعض العاملات اللواتي كن يشترين روايات الرعب بـ»بيني» واحد، ليتخيلن الشياطين ومصاصي الدماء والمسوخ، كن يعملن أكثر من اثنتي عشرة ساعة، في معامل لا تتوفر فيها أدنى الشروط الإنسانية، ومن دون وصول للطبابة، ومع احتمال كبير للتعرّض للانتهاك الجنسي من أرباب العمل.

ربما تكون الإجابة الأخرى هي التعوّد، أو الملل، فعندما تتكاثر الأحداث المرعبة، يجد البشر أساليب للتأقلم معها، وربما السخرية منها، إلا أن هذا أيضاً عاجز عن التفسير، إذ توجد كثير من الأعمال العربية عن مسائل شديدة النمطية والتكرار، وتجد دوماً جمهورها، فضلاً عن مئات الأدبيات عن الفقر، والديكتاتورية، والسجون، والكبت.

الموضوع ليس تعوّداً، والتعوّد نفسه لا يفسّر غياب مخيّلة كاملة.

ربما كانت الظروف المأساوية والدموية لا تُعايش بوصفها رعباً، فالرعب يحوي الدهشة، والصدمة، والقلق.

كما أنه يتعلق بسؤال أهم من الوحش نفسه: لماذا يوجد الوحش أصلاً؟ ومن أين أتى؟ السعي وراء الإجابة، يتطلب مغامرة في أكثر المناطق ظلاماً في النفس البشرية، والمجتمع، والدين، والتاريخ.

وحتى في قصص الزومبي، فغياب الإجابة عن سبب حضور الوحوش، هو بحد ذاته سؤال من نوع خاص: ما معنى غياب السبب؟تلك المناطق المظلمة تبدو غير مفضّلة على الإطلاق في الثقافة العربية المعاصرة، إذ غالباً ما يبدو العدو والشر واضحاً، متجسداً في «آخر» ما، أما «الغريب المألوف»، الذي يثير قلقنا لأنه لا يمكن أن يكون «الآخر»، بل هو من داخل الذات وخارجها في الوقت نفسه، فهو ليس من الأسئلة التأسيسية في الثقافة العربية الحديثة.

ربما ثقافتنا المعاصرة لا تخاف، بل تكره، ولا ترغب، بل تتلذذ، والفرق بين المفهومين الأخيرين كبير، فالتلذذ هو ملء لفراغ محدد مسبقاً، مثل الأكل بعد جوع؛ أما الرغبة فهي بناء تركيبات وعوالم جديدة، لم تكن موجودة، ووجدت بفضل إطلاق القدرة الحيوية، والذهنية، والنفسية للبشر، حاملةً معها آلامها ورعبها.

التعوّد إذن لا يأتي من فرط التكرار، بل من التطابق مع الذات، التي تعرف آخرها تماماً، سواء سمّته «الاستبداد» أو «الاستعمار» أو «التخلّف»؛ وكذلك من تعطيل القدرات، وتوجيه الطاقة نحو فراغ محدد، بملئه تصل الأمة بأكملها إلى غايتها، وهذا لا يترك مجالاً لكثير من الأسئلة، إلا الأسئلة من النوع الأداتي والعملي جداً: كيف ننتصر على العدو؟ لماذا تقدّم الآخرون وتخلّفنا نحن؟ كيف نقيم دولنا القوية؟ كم نحن مظلومون؟ بالطبع هذه الأسئلة ليست تأسيسية فقط في الثقافة العربية المعاصرة، ولكن الاقتصار عليها، لحقب زمنية طويلة، قد يكون من خواص نمطنا الخاص من التحديث، الذي تأخّرنا طويلاً في طرح الأسئلة الأصعب عليه.

ولكن إذا كانت الثقافة السائدة لا تشعر بالخوف ولا ترغب، فالبشر في بلداننا يخافون ويرغبون، مثل بقية البشر، حتى لو لم يجدوا اللغة المناسبة للتعبير عن ذلك، وهذا يفتح المجال لإعادة السؤال عن أدبيات الرعب.

يُصنّف أدب الرعب القوطي غالباً بوصفه «عالماً سفلياً» للتنوير، والتنوير المضاد، وخاصة الحركة الرومانسية؛ أما أعمال الزومبي فتُنسب في كثير من الأحيان إلى ما يُعرف بـ»ما بعد الحداثة»، وهي بدورها دفع لحدود التنوير إلى آفاق غير مسبوقة، وكأنها جزء من مغامرته المليئة بالرعب من الذات.

وقد انبنى هذا «العالم السفلي»، بمغامراته السوداوية، على الغوص أساساً في الظلام، بوصفه أحد الشروط المبدئية للتنوير، بل إن «الظلامية» نفسها افتراض تنويري، قائم على أسئلة عن حدود الذات الفردية والجماعية: لماذا أنا/نحن مستعبدون، ومتألمون، وخائفون، وجاهلون؟ وهل يمكن تجاوز هذا الحال؟ وما أثمان هذا التجاوز؟ أدت هذه الأسئلة لأنماط متعددة من «العمل الثقافي» على المادة الخام الثقافية والأيديولوجية والطبيعية، لم يقم بها فلاسفة وأدباء وعلماء مكرّسون فحسب، بل كثير ممن يعتبرون اليوم كُتّاباً هابطين، وعلماءً زائفين، ومغامرين أفّاقين، وكهنة متمردين، وغيرهم من الفئات التي وصمت بالإباحية أو البذاءة أو العدميّة أو الجنون.

ربما نحتاج لافتراضات تنويرية كهذه، أي افتراض «الظلامية»، والعمل على «المادة الخام»، ليس بمعنى إنتاج علماء زائفين، ومتحدثين سوقيين، فلدينا منهم الكثير، ولا داعي لإعادة اختراع العجلة، وإنما بمعنى المغامرة في الغوص في الأعماق الأكثر إظلاماً لثقافتنا ومجتمعاتنا، والتعبير عنها بلغة متناسبة مع ظلاميتها، وعندها ستكون لدينا مادة شديدة الضخامة من «التنوير المرعب».

ربما تكون نقطة البدء هي استعادة الشعور بالصدمة والدهشة والقلق، فلدينا مشاهد ووقائع من المستغرب أن لا تثير كل هذا.

كل هذه الوحوش لم تأت من الخارج، بل هي من «أعماقنا»، وعلينا أن نقلق ونخاف فعلاً، خاصة أنها تتكاثر وتستمر، ولم تكن يوماً الاستثناء.

مجتمع لا يوجد فيه من يخاف من الزومبي هو مجتمع قد دخل تماماً في حالة «الزومبية»، ولا بد من كسر هذه الحالة عبر إيقاظ البشر، ومحاولة تفعيل قدرتهم على الشعور بالخوف، وبالتالي تحفيزهم على طرح الأسئلة الضرورية للفهم والنجاة.

ولذلك فقد نحتاج إلى كثير من أدبيات الرعب، ليس فقط على مستوى الأدب والفن، بل على كل المستويات، بما في ذلك الفكر النظري والسياسي.

لا ندري بالضبط ما نوع الوحوش التي سنتحدث عنها، إذا استعدنا قدرتنا على الشعور بالخوف، ولكنها بالتأكيد لن تكون الآخر، الذي يظلمنا أو يستعمرنا أو يستبدّ بنا، وغالباً ستكون جانباً من الإطار الذي ينتج رغباتنا وهلاوسنا الحالية، وبالتالي ستكون وحوشاً تشبهنا.

أو على الأقل يمكننا أن نطرح السؤال الأكثر صعوبة: هل نحن لم نصب بالعدوى التي أنتجت كل هذا الزومبي؟ وماذا لو وصلنا إلى حالة، لم يعد التمييز فيها مهماً أو ممكناً بيننا وبينهم؟ وكيف ننجو وسط كل هذه المخاطر؟ لن يزول مصدر الرعب أو أسبابه لدى طرح هذه الأسئلة، ولكنها تسمح باتخاذ المسافة، التي تجنّب التطابق التام مع الذات، وتتيح مجالاً لنمط مختلف من الفعل الفردي والجماعي.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك