ليست أخطر أزمات القوى العظمى أن يزداد خصومها قوة، بل أن يصبح العالم عاجزا عن التنبؤ بقراراتها.
فعلى مدى عقود، لم تكن الولايات المتحدة تقود النظام الدولي بقوة السلاح وحدها، بل بثقة الحلفاء واستقرار مؤسساتها وقابلية سياساتها للتوقع.
أما اليوم، فقد تحوّل البيت الأبيض نفسه إلى أحد أكبر مصادر عدم اليقين العالمي، حيث قد يعيد تصريح واحد أو قرار مرتجل رسم خرائط الحرب والسلام.
وهنا يبرز السؤال الذي لم يعد بالإمكان تجاهله: هل ما تزال الولايات المتحدة تُحكم بالمؤسسات، أم دخلت عصر الرئاسة الشخصية؟لقد أعادت ظاهرة دونالد ترامب هذا السؤال إلى الواجهة، لكنّها لم تخلقه من العدم.
فترامب ما هو إلا التعبير الأكثر وضوحا عن أزمة أعمق تعيشها الديمقراطية الأمريكية؛ أزمة تتعلّق بتراجع سلطة المؤسسات أمام صعود الشخصية السياسية، وباتساع نفوذ الإعلام الرقمي، وبالاستقطاب الداخلي الذي جعل الرئيس يخاطب قاعدته الانتخابية أكثر مما يخاطب الدولة والعالم.
فالعالم بات يترقب تغريدة أو تصريحا يصدر من البيت الأبيض، كما كان يترقّب في الماضي بيانات مجلس الأمن، أو اجتماعات حلف شمال الأطلسي.
وبين ليلة وضحاها، يمكن أن تتغير لغة التهديد إلى لغة التفاوض، أو تتحوّل العقوبات إلى صفقات، أو يصبح الحليف موضع شك، بينما يتحوّل الخصم إلى شريك محتمل.
ولم تعد المشكلة في تغير السياسات، فذلك جزء طبيعي من التداول الديمقراطي، وإنما في تراجع القدرة على التنبؤ بالقرار الأمريكي، وهي الخاصية التي كانت لعقود أحد أهم مصادر القوة الأمريكية.
لقد اعتبر هنري كيسنجر أنّ «الاستقرار يقوم على قابلية التوقع، لا على المفاجآت.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم جانب من القلق الذي يسود العواصم الكبرى اليوم.
فالقوة العظمى لا تُقاس فقط بما تملكه من حاملات طائرات أو رؤوس نووية، بل أيضا بقدرة الآخرين على فهم قواعد سلوكها.
أما عندما يصبح القرار مرتبطا بدرجة كبيرة بمزاج الرئيس، أو بأسلوبه الشخصي في إدارة الأزمات، فإنّ الردع نفسه يفقد جزءا من قيمته، لأنّ الحلفاء والخصوم يعجزون عن تقدير الخطوة التالية.
وليست هذه المرة الأولى التي يثير فيها رئيس أمريكي مخاوف تتعلّق بأسلوبه في الحكم.
ففي الأيام الأخيرة من رئاسة ريتشارد نيكسون، ومع اشتداد أزمة «ووترغيت»، انتشرت مخاوف داخل الإدارة من أن يتخذ الرئيس قرارات عسكرية متهورة، تحت ضغط الانهيار السياسي.
غير أنّ المؤسسات الأمريكية آنذاك أثبتت قدرتها على احتواء الأزمة، وانتهى الأمر باستقالة الرئيس، بينما استمرت الدولة في أداء وظائفها من دون اهتزاز جوهري.
أما اليوم، فالمشهد يبدو أكثر تعقيدا، فالرئيس الأمريكي لا يتحرّك فقط داخل أروقة البيت الأبيض، بل يقود معاركه السياسية عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويخاطب ملايين المتابعين مباشرة، متجاوزا في كثير من الأحيان المؤسسات التقليدية.
وهكذا، أصبح الرأي الشخصي للرئيس جزءا من أدوات السياسة الخارجية، وأصبح الانفعال الإعلامي قادرا على التأثير في الأسواق المالية وأسعار الطاقة وحسابات الحلفاء والخصوم في آن واحد.
الديمقراطية لا تُقاس فقط بإجراء الانتخابات، بل أيضا بقدرة المؤسسات على منع تحوّل شخصية الرئيس إلى عامل دائم لعدم اليقينوقد ظهر ذلك بوضوح في ملفات عديدة، من العلاقة مع حلف شمال الأطلسي، إلى الحرب في أوكرانيا، مرورا بالمواجهة مع إيران والحروب التجارية مع الصين.
ففي كل هذه الملفات، لم يكن الإرباك ناتجا فقط عن طبيعة القرارات، بل عن السرعة التي كانت تتغير بها المواقف، الأمر الذي دفع كثيرا من الحلفاء إلى إعادة التفكير في مدى الاعتماد على المظلة الأمريكية وحدها.
ولا يقتصر أثر هذا التحوّل على السياسة الخارجية.
ففي الداخل الأمريكي أيضا، أصبحت المؤسسات الدستورية أمام اختبار غير مسبوق، فقد أبطلت المحاكم عددا من القرارات التنفيذية، وفرض الكونغرس قيودا على بعض السياسات، وأثبت النظام الفيدرالي أنه ما يزال قادرا على مقاومة نزعات التوسّع الرئاسي.
وهذا يؤكد أن الدولة المؤسساتية لم تنهَر، لكنّها تواجه ضغوطا متزايدة لم تعرفها بهذا الحجم منذ عقود.
غير أنّ المشكلة لا تكمن في قدرة المؤسسات على إلغاء قرار أو تعديله، بل في أنها لا تستطيع محو الأثر السياسي والنفسي الذي يتركه الرئيس على صورة الولايات المتحدة.
فمجرّد تصريح متسرع قد يرفع أسعار النفط، أو يدفع المستثمرين إلى الهروب من الأسواق، أو يغير حسابات دولة تستعد للحرب، أو للسلام.
وهنا تتحوّل الشخصية السياسية إلى عنصر من عناصر القوة الدولية، سواء أرادت المؤسسات ذلك أم لم ترده.
ولعل أكثر المناطق إدراكا لخطورة هذا التحوّل هو الشرق الأوسط، حيث لا تزال كثير من الأزمات والحروب رهينة القرار الأمريكي، سواء تعلّق الأمر بغزة أو إيران أو أمن الخليج.
وعندما تصبح سياسة القوة العظمى أقل قابلية للتوقع، فإن كلفة الضبابية لا تتحملها واشنطن وحدها، بل تدفع ثمنها مناطق بأكملها تعيش أصلا على حافة الأزمات.
والأخطر أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الولايات المتحدة، فالعالم يشهد منذ سنوات صعودا لافتا لما يمكن تسميته بـ»شخصنة السياسة».
ففي روسيا يرتبط القرار الاستراتيجي بفلاديمير بوتين، وفي الصين يتماهى المشروع الوطني مع قيادة شي جين بينغ، وفي تركيا يحتلّ رجب طيب أردوغان موقعا محوريا في إعادة تعريف دور الدولة، وحتى في إسرائيل بات بنيامين نتنياهو حاضرا في كل مفصل سياسي وأمني، لكن الفرق أنّ هذه الدول لم تدّع يوما أنّ مؤسساتها هي وحدها التي تصنع القرار، بينما كانت الولايات المتحدة تُقدّم نفسها باعتبارها النموذج الأبرز لحكم المؤسسات لا الأشخاص.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلّق بترامب وحده، ولا بمن سيخلفه في البيت الأبيض، بل بقدرة النظام السياسي الأمريكي على استعادة التوازن بين قوة القيادة واستقلالية المؤسسات.
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بإجراء الانتخابات، بل أيضا بقدرة المؤسسات على منع تحوّل شخصية الرئيس إلى عامل دائم لعدم اليقين.
كتب المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، أنّ الحضارات لا تسقط لأن أعداءها أصبحوا أقوى، بل لأنها تعجز عن الاستجابة للتحديات التي تواجهها.
وربما ينطبق هذا اليوم على الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى.
فالتحدي الحقيقي الذي يواجه واشنطن ليس فقط في بكين أو موسكو أو طهران، وإنما في قدرتها على استعادة الثقة بأن مؤسساتها ما تزال أقوى من الأفراد، وأن استراتيجيتها لا تُختزل في شخصية الرئيس، أيّا كان اسمه.
ربما لا تكون الولايات المتحدة في طريقها إلى فقدان مكانتها الدولية، لكنّها تواجه تحدّيا مختلفا يتمثل في الحفاظ على النموذج الذي منحها تلك المكانة أصلا.
فالقوة التي تُربك خصومها قد تُحقق مكاسب تكتيكية، أما القوة التي تربك حلفاءها أيضا فإنها تُخاطر بتآكل نفوذها تدريجيا.
لذلك، فإن مستقبل النفوذ الأمريكي لن تحدّده نتائج الانتخابات المقبلة بقدر ما ستحدّده قدرة واشنطن على استعادة يقين العالم في مؤسساتها، فحين يصبح البيت الأبيض نفسه مصدرا لعدم اليقين، لا يكون العالم أمام أزمة رئيس، بل أمام اختبار تاريخي لمستقبل القوة الأمريكية ذاتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك