في مقابل 14 قمة، عادية أو استثنائية، عقدها حلف شمال الأطلسي، الناتو، في بلجيكا؛ عُقدت قمتان فقط في تركيا، سنة 2004 في اسطنبول و2026 في أنقرة.
وإذا كان هذا المعطى الأوّل لا يؤشر على مكانة الدولة الأولى جيو ـ سياسياً وعسكرياً، سواء داخل الحلف أو على صعيد أوروبي وعالمي؛ فإنه، بصدد الدولة الثانية، يحمل في آن معاً مغزى عدد أدنى من الاستضافات بالقياس إلى دول أخرى أساسية في الحلف، وإشارة إضافية على سلسلة مفارقات حكمت وجود تركيا في الناتو، منذ انضمامها إليه للمرّة الأولى سنة 1952.
في طليعة تلك المفارقات واحدة اعتاد المراقبون الغربيون التوقف عندها بصفة خاصة، وأحياناً حصرية، مفادها أنّ وجود تركيا في الحلف تحكمه ضرورات ستراتيجية عديدة، ذات صلة بموقع البلد على شطآن البحر الأسود والمتوسط ومفارق الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز وآسيا الوسطى، وكون جيشها هو الثاني الأكبر في الحلف بعد الولايات المتحدة، من جهة أولى.
وأنها، من جهة ثانية، تمتعت على الدوام باستقلالية في خدمة المصالح الوطنية تتعارض أحياناً مع سياسات الحلف في منعطفات حاسمة، كما في المثال الأبرز خلال حرب الخليج 1991 حين رفض البرلمان التركي منح السلاح الجوي الأمريكي حرية الانطلاق من قاعدة إنشرليك الأطلسية.
وفي مناسبة انعقد قمة الأطلسي الأخيرة في أنقرة، نشر الباحث الأمريكي علي مامادوف (محمدوف، أغلب الظنّ) تعليقاً معمقاً، في موقع «معهد الحرب الحديثة»، وست بوينت؛ خلاصته أنّ عامل التنويع الحاسم في علاقة الحلف بالعضوية التركية هو مقدار إدراك التهديد: إذا كان الضغط الروسي سوف يمتدّ أبعد من أوكرانيا فيبدأ في تهديد أوروبا القارية مباشرة، ويصبح البحر الأسود متعسكراً، وتتواصل أنساق انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط، ويتعاظم نفوذ الصين الكوني ويكتسب درجات أعلى من التنسيق مع روسيا، وتتجه الولايات المتحدة أكثر فأكثر نحو الانسحاب التدريجي من ضمان أمن أوروبا؛ عند هذا كله، وسواه، سوف تتضاعف دوافع الدول الأوروبية للتعاون مع تركيا، بصرف النظر عن الخلافات السياسية.
بقاء تركيا في الناتو يتجاوز ما يمكن أن يتخيله البعض من «أشواك» في خاصرة الحلف ويضخّ الكثير من المياه لتشغيل الطواحين ذاتها التي توفّرها أهمية تركيا الجيو ـ سياسية والعسكرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك