لم أفهم يوماً ما، ذلك الهياج العالمي تجاه الفرق الرياضية عموماً وتجاه كرة القدم تحديداً، لا أعي حقيقة معنى هذا الانتماء لفرقة رياضية لا تعرف عن وجودي شيئاً، ليس لها تأثير مباشر على جودة حياتي، لا تقدم شيئاً حقيقياً للإنسانية أو البشرية، لا تربطني بها أي علاقة شخصية أو إنسانية لا من قريب ولا من بعيد.
لا أفهم الغضب والحزن والانفعال والهياج المصاحبين لهزائم الفرق الرياضية أو لضعف أداء لاعبيها المشهورين، التي هي كلها مشاعر لطالما قادت ووصلت إلى مراحل دموية خطيرة في تاريخ البشرية الرياضي.
لا أفهم، فيما نحن نمر بواحدة من أسوء الحقب الإنسانية السياسية، وفيما تتجلى في عقر دارنا واحدة من أبشع حروب الإبادة في تاريخنا البشري، كيف تتشتت الانفعالات الإنسانية، كيف يمكنها أن تنقسم على نفسها، على حزن ووجع يصعب تخطيهما، لتذهب مذهب الفرح المجنون أو الغضب الفاحش لأن كرة ما استقرت، أو لم تستقر، في شبك ما.
كل القصة الرياضية هذه قصة سيريالية، تفوح منها رائحة عفن ما، خطة خبيثة ما، لربما رائحة دخان المخدر الأخطر والأقوى في تاريخ البشرية.
أفهم بلا شك، فوائد وأهمية الألعاب الرياضية، على المستوى الفردي كما على المستوى الجماعي والعالمي.
أعرف أن الرياضة صحة جسدية وذهنية، وأتفهم أن التقسيم المؤسسي الرياضي له فوائد اقتصادية بل وسياسية كذلك، فهذه الفرق الرياضية تعلي أسماء دولها وقد تلفت الأنظار لهذه الدول سياحياً، وأحياناً تلفت الأنظار لمشاكل هذه الدول الداخلية الاقتصادية والسياسية.
أعي تماماً الدور الذي تلعبه الرياضة في العملية التعليمية، وأتفهم أن التفوق الرياضي ساعد الكثير من الطلبة الفقراء على استكمال تعليمهم بفضل قدراتهم الرياضية، وإن كانت تلك النقطة سلاحاً ذا حدين بحد ذاتها، فالتفوق الرياضي ذاته الذي يمنح الطلبة الفقراء المنح الدراسية، هو ذاته الذي يمرر الطلبة الفاشلين ويقسر معلميهم أحياناً على منحهم درجات النجاح حتى يتمكنوا من المشاركة في المنافسات الرياضية.
المقصود أنه لا يمكن بحال ما إنكار فوائد الرياضة عموماً، والرياضة المؤسسية المنظمة تحديداً، ولكن لا يمكن كذلك تفادي المعضلات الإنسانية الجسيمة الناتجة عن هذا التقسيم البشري المضاف للتقسيمات الأخرى، فبعد أن انقسم بعضنا على بعض باللون والعرق والدين والطبقة الاجتماعية، تم تقسيمنا كبشر بالانتماء الجغرافي وبالأوراق الرسمية وبالجنسية، ليضاف بعدها هذا التقسيم الرياضي الذي قلب الناس بعضهم على بعض، ليس فقط بانتمائهم لفرق دولهم الرياضية، ولكن حتى داخلياً؛ بانتمائهم وإخلاصهم العصابي للفرق الداخلية.
لا يمكن التغاضي عن الخطة السياسية الممنهجة خلف تغييب وعي الناس باسم الرياضة، فخطة التغييب الشعبي وشغل الناس باصطفافات لذيذة معبأة بهرمون الدوبامين هي خطة واضحة تماماً في هذه اللعبة العالمية، تلك التي تقسم الناس فرقاً وتباعد بينهم بولاءات متضادة غير منطقية، بل وتسكب بين أجسادهم دماء من أجل فرق رياضية يكسب أصحابها ولاعبوها ملايين الملايين على حساب هؤلاء «الموالين» عصابياً، هؤلاء الباقين تحت تأثير هذه النشوة الفارغة، فيما فرقهم ولاعبوهم يصعدون بملايينهم إلى السماء.
هي خطة سياسية مالية، لا ريب في ذلك، ولا أدل على هذه الخطة من طريقة تشكيل وإدارة مؤسسة مثل الفيفا، ومن كم الفساد المعشش في داخلها.
نسمع كلنا بقصص القرارات المشتراه والولاءات مدفوعة الثمن داخل هذه المؤسسة العجائبية، مع ذلك نستمر جميعاً في تمويلها وفي الدفع بالفِرَق التي تشكلها وتصنع عصابيتها، كل ذلك من أجل دفعة أدرينالين تُضَخ في العروق ولحظة نشوة كذابة نغطي بها خيباتنا وحسراتنا.
إن تاريخ الفرق الرياضية المؤسسية مليء بحكايات فساد إداري ومالي وبالتداخل الفاسد للسياسة في عمل وتسيير أمور مجالس الإدارات، لكن التصعيد من هذا الفساد الداخلي إلى تغييب خارجي شعبوي وشحن شبيه بأسوأ صور الشحن العنصري لم يسبق أن تحقق كما فعل بين فرق كرة القدم ومشجعيهم.
وهل يمكن نسيان كيف استخدمت البرازيل وإيطاليا والصين كرة القدم في منتصف القرن العشرين، ليس فقط لترغيب الناس، ولكن لترهيبهم أيضاً؟ هل يمكن نسيان الشعار الذي رفعه موسيليني لشعبه وللاعبي المنتخب الإيطالي، الذي يقول «ارفعوا كؤوسكم أو نعوشكم»، في تهديد جسدي مباشر إذا ما خسر الفريق الإيطالي المباريات؟ هل يمكن نسيان الكوارث الدموية التي حدثت إبان أو بعد الكثير من مباريات كرة القدم، النيبال سنة 1988، بريطانيا سنة 1989، مصر والجزائر سنة 2009 وإندونيسيا سنة 2022 على سبيل الأمثلة القليلة وليس الحصر مطلقاً، والتي قضى فيها الناس تدافعاً أو دهساً تحت الأقدام أو تقاتلاً مع مشجعي الفريق الآخر؟ لطالما تسبب الولاء الأعمى المطلق للفرق الرياضية عموماً، وفرق كرة القدم تحديداً، ليس فقط بتغييب الوعي عن الحاضر والمُلِح من القضايا المجتمعية والسياسية الخطرة، ولكن أيضاً في تفرقة الناس وبث ضغينة لا سبب حقيقي لها ولا دافع منطقي يمكن أن يسندها بينهم، ليستمروا بضخ الأموال في تلك الفرق الرياضية وفي رواتب أعضائها ولاعبيها، وليبقوا ضعفاء منقسمين على بعض، ليس للمواقف الإنسانية المستحقة منهم تجاه القضايا الحقيقية الحارقة والماثلة أمام أعينهم فرصة أمام انقسامهم وضغينتهم المضغوطة كلها بداخل تلك الكرة.
هو منظور سوداوي، أقر بذلك، لأداة ترفيهية لا يجب أن تحتمل كل هذا السواد، لكنها احتملت وتمادت لتصبح أفيون الشعوب الحالي.
ورغم كل ما قلت، ما زلت أرى جمال الفكرة الرياضية ومنافع الروح التنافسية فيها، بل وما زلت قادرة على أن أميز جانباً معاكساً لذلك التفريقي التقسيمي للناس.
فصعود الفريق المصري صهر القلوب العربية حباً وفخراً، جمعها على فرحة ما استشعرتها هذه القلوب منذ زمن.
لكنني أصر أن تلك حالة استثنائية، فالاجتماع حباً في فريق والتلاقي حماسة من أجل مباراة تعلي ثقافة ما وتؤلف بين القلوب يحدث مرة، فيما الانقسام والضغينة والتصعيد العنيف والتغييب السياسي والمجتمعي كلها تحدث كل مرة.
نحن مغيبون إلى أن تأتي صحوة مباراة جميلة تذكرنا بقيم ومبادئ أبعد من تلك المربوطة بكرة أو شبك، مباراة مثل تلك التي خاضتها مصر أمام الأرجنتين، والتي نجحت في أن تجمع قلوب العرب لسويعات قليلة ما استطاع التاريخ والعوامل المشتركة وكل الشعارات المصاحبة لهما أن تجمع قلوبهم عليها.
نَدين للرياضة بلحظات مثل هذه ونُدينها على ملايين غيرها فرقت وغيبت وأسالت الدماء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك