أثارت تصريحات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية حول بعض مستشاري الملك محمد السادس جدلا واسعا حول الخلفيات والرسائل المقصودة، وزاد من درجة غموض الموقف أن الأسلوب الذي جاءت به هذه التصريحات تجاوز حدود اللياقة، مما اضطر معه عبد الإله بن كيران نفسه إلى الاعتذار عن كلمة استخدمها، رأى أنها غير لائقة، مع تأكيد تشبثه بما قاله بخصوص علاقة السلطة بالثروة، وكيف يبني المقربون من المحيط الملكي سلطة وثروة كبيرة، ويؤسسون الشرعية لـ: »التحكم» في شقه السياسي والاقتصادي والقيمي والثقافي من هذا القرب.
ابن كيران اختار مدينة الصويرة، التي يمتلك فيها مستشار الملك أندري أزولاي نفوذا كبيرا، ليبعث برسائله السياسية للملك، وينبهه إلى مخاطر تغول واستقواء رجال في محيطه، ذكر منهما اثنان فقط هما المستشار اليهودي أندري أزلاي والمستشار القوي فؤاد عالي الهمة.
ابن كيران استعمل لغة مزدوجة مارس فيها قدرا كبيرا من المدح للمنتخب المغربي وإنجازاته في الولايات المتحدة الأمريكية، لاسيما ما يتعلق بتشبثه برموز الهوية والانتماء، وفي الآن ذاته، وجه وفي الآن ذاته نقدا قويا لبعض رموز العلمنة الثقافية والفكرية الذين كرسوا تعابيرهم الثقافية كلها لاستهداف مصادر الهوية الإسلامية والقومية العربية (أحمد عصيد).
البعض، قرا تصريحاته على أساس أنها استئناف لسلسلة من التصريحات النقدية التي أطلقها ابن كيران واستهدف بها عددا كبيرا من المسؤولين السياسيين والنقابيين والمدنيين، واعتبر أن الأمر يندرج ضمن توسيع معجمه السياسي النقدي الذي يستعمله بدقة من أجل لفت الانتباه إلى حزبه، والعافية التي بات يتمتع بها بعد أزمة إعفائه سنة 2017، وهزيمة العدالة والتنمية الانتخابية سنة 2021والبعض الآخر اعتبر أن هذه التصريحات هي بمثابة انتحار سياسي، إذ جاءت عقب وعي ابن كيران بأن الدولة لم تظهر أي إشارة إيجابية تجاهه أو تجاه حزبه، رغم تصريحاته المتكررة التي تتغزل بالملك، وتطلب وده في شكل نصائح الأدب السلطاني الأنيق.
وأنه لذلك يمارس قدرا من الضغط باستعمال أوراق ربما هذه المرة ثقيلة حتى يحدث الفارق ونوعا من حلحلة موقف الدولة تجاه الحزب.
اتجاه ثالث، كان له رأي مختلف، يرى أن ابن كيران، لم يعد لديه ما يخسره، وأنه في ظل وجود مزاج للسلطة يرفض العدالة والتنمية، فضلا عن وجود مناخ دولي وإقليمي رافض لدور للإسلاميين في الحكومة المقبلة، فهو يحرك الملفات القوية، ويشاكس بكل كما يملك من أجل تغيير الصورة.
المغرب القادم، حسب ما تتطلبه شروط التحضير للانتقال، يقتضي تحرير الدولة، وتحرير ماليتها، من الأقوياء سلطة وثروةالبعض الآخر، يحمل رأيا رابعا أكثر اختلافا، يعتبر فيه أن ابن كيران ينقل رسالة طلب منه توجيهها إلى من يهمهم الأمر، وأنه التقطها وحاول الإفادة منها، وتوجيه خلاصاته لصالح حزبه.
قد تبدو هذه التحليلات وجيهة في بعض الحجج التي تستند إليها، لكن نسقها العام يبدو مفتقدا للتماسك، فابن كيران، كما ارتسمت شخصيته السياسية، ليس بالرجل الانتحاري ولا المغامر، فقد أثبت طوال ممارسته للسياسة أنه ينزع أكثر للبراغماتية، وأنه حتى وهو يمارس الضغط السياسي، فإن أفقه لا يبتعد عن لعبة التفاوض الضمنية، إما للدفاع عن حق حزبه، أو اكتساب بموقع متقدم له.
تركيب العناصر التي تضمنها خطابه، بما في ذلك الاعتذار الذي قدمه، تفيد بأن الرجل يتحرك وفق خلفية تكونت من رصيد المعطيات التي اكتسبها من ملاحظته للمشهد، وبخاصة، ما يدور في النخب العليا، وأنه بات يدرك، بأن الدولة اليوم، تتجه إلى القطيعة مع حكومة أخنوش والثقافة السياسية التي كرستها، وأن مرحلة قادمة سيكون عنوانها قدرا لا بأس به من «التطهير» و»تحرير المالية العامة» من نفوذ الأقوياء الذين حولوا الدولة إلى بقرة حلوب يستدرون منها مشاريعهم، فيتاجرون مع الدولة بمال الدولة، فيربحون وتخسر الدولة.
ولعل ابن كيران يدرك بأن الدولة اختارت رجلها لقيادة الحكومة(سيناريو فوزي لقجع)، لتحقيق هذه الأهداف، وأن هذا السيناريو قد يتطلب تحالفا ما مع العدالة والتنمية، بوزن محدود أو في الأقل دعما قويا منه، وأنه لذلك، جاء إطراء ابن كيران على المنتخب المغربي، وعلى أدائه، وهو الذي لم يتعود إبداء ملاحظات تفصيلية عن الرياضة أو عن كرة القدم، بما يقرأ بأنه نوع من الدعم لهذا السيناريو والثناء على أدوار فوزي لقجع، وأن العدالة والتنمية توافق عليه، وتوافق على سيناريو أن تتجه الحكومة المقبلة إلى تفكيك نفوذ الأقوياء، وأنه لهذا الغرض، حاول أن ينقل المعركة بعيدا مستحضرا صراع الماضي، وأن المشكلة لا تكمن فقط في ما يسمى اليوم بـ»الفراقشية» أي لوبيات المال والأعمال المقربين من الحكومة وأحزابها، وإنما يمتد لما هو أعمق مما له ارتباط بمحيط الملك.
المغرب يعيش وضعا سياسيا عاديا مستقرا، لكن أسلوب الدولة في إدارة الموقف، تنظر إلى المستقبل، وتعتبر أنه من الضروري التفكير في المراحل الانتقالية، والتحضير لها، وسيناريو حكومة فوزي لقجع قد تكون جزءا من هذه الاستحقاقات، وقد يكون إدخال العدالة والتنمية بشكل محدود للحكومة، أو على أقل ضمان دعمها للمرحلة القادمة جزءا مهما مما يتطلبه ما تراه الدولة ضروريا لتحضير الانتقال.
ولذلك يتساءل كثيرون لماذا لم يصدر أي بلاغ للديوان الملكي ضد تصريحات ابن كيران مع أن الديوان الملكي أصدر بلاغات قوية حتى في حيثيات أقل من هذه من حيث درجة القوة، فقد سبق لابن كيران حين كان رئيسا للحكومة أن تعرض لمستشاري الملك، وتعرض لتقريع ملكي شديد، اضطر فيه للاعتذار بعد أن اقتنع بما قاله الملك وأنه ما دام الملك لا يتناول مستشاري رئيس الحكومة، فلا يحق لرئيس الحكومة أن يمس مستشاري الملك.
الكثيرون يتساءلون ما الفرق بين الأمس واليوم، وما المستجد الذي جعل الديوان الملكي يلجأ على الأقل إلى الآن للصمت.
تقديري أن النخب العليا اكتفت بإدارة التنبيه بشكل غير معلن، حتى لا تفسد تصورها للمستقبل، فالمغرب القادم، حسب ما تتطلبه شروط التحضير للانتقال، يقتضي تحرير الدولة، وتحرير ماليتها، من الأقوياء سلطة وثروة، وأن يبقى الملك وحده مركز القوة والشرعية، فهذا ما سيجعل الانتقال سلسا، وميسرا، ويسهل بروز نخب جديدة تماما، كما فعل الحسن الثاني رحمه الله في التسعينيات، وهو يرتب الحكم لولده سنوات قبل وفاته.
من الممكن أن يكون ابن كيران التقط الإشارة، وزاد عليها ما يتصور أنه يخدم حزبه، بتركيزه على النخب التي تحمل أجندة ثقافية وقيمية تعاكس مشروع حزبه، إضافة إلى النخب المتحكمة اقتصاديا وسياسيا، والمثير في الموقف، أن زياداته لا تشمل فقط المضامين، ولكنها تمتد للأسلوب، وحين شعر أن أسلوبه جانب اللياقة إلى درجة إمكان إفساد الرسالة قام بتقديم اعتذاره عن الأسلوب لا المضامين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك