لم تكن لعبة كرة القدم منذ أن أدمنتها شعوب الأرض، لعبة عادلة؛ ربما لو كانت كذلك لفقدت سحرها المولود في كل مغامرة.
فهي، ككل مغامرة، لا تعِد أحدا بالانصاف، بل تتيح لعشاقها فرصة للعيش في حلم صاخب ومثير.
«فما هي كرة القدم هذه؟ ما هذا السحر الجماعي الذي لم يحل لغزه أحد؟ »، هكذا تساءل مرة محمود درويش عندما كتب أحد نصوصه الجميلة مفتونا ببطل وساحر ذلك الزمن الأرجنتيني دييغو ماردونا.
فلاسفة كثار انشغلوا بكرة القدم، وتحدثوا عنها بشغف.
قد يكون أبرزهم البير كامو، الذي لعب كحارس مرمى في فريق جامعة الجزائر، وتحدث كثيرا عن تأثير هذه اللعبة على حياته وبلورة العديد من آرائه في الحياة، وأن « كل ما أعرفه عن الأخلاق والالتزام أدين به لكرة الدم».
أمّا عن لسان الفيلسوف جان بول سارتر نقل قوله، إن لعبة كرة القدم هي «مجاز للحياة».
وهو ما أوحى لي قبل سنوات أن أكتب في ذاك «المجاز الكروي».
كان ذلك في مقالة كتبت فيها عن حادثة كان «بطلها» لاعب منتخب إسرائيل عباس صوان ابن مدينة سخنين العربية.
لقد لعب عباس مع المنتخب الإسرائيلي ضد منتخب أيرلندا في تصفيات مونديال عام 2006، وكانت إسرائيل مهددة بالإقصاء، لولا هدف أحرزه عباس في دقائق اللعبة الأخيرة.
كان شرطيان يتابعان مجريات اللعبة من راديو سيارتهما عندما سمعا صوت المعلق يعلن عن إحراز هدف لصالح إسرائيل.
قام الشرطي بابلاغ زميله الشرطي المرابط في سيارة شرطة ثانية بالخبر، فسأله هذا عن صانع الهدف.
ومن دون أن يحترس الشرطي من وجود شريكه العربي جالسا جانبه على المقعد، أجاب بعفوية تلقائية: «إنه المخرب».
المخرب يعني اللاعب العربي عباس صوان، الذي كان وقتها يتحدث متأثرا أمام العدسات ومؤمنا بأن هدفه سيعزز أواصر التعايش السلمي في إسرائيل.
فرحة الإسرائيليين بهدف صوان لم تصمد طويلا وتلاشت بعد أن هدأت شباك مرمى أيرلندا، وعادت إسرائيل إلى طبيعتها العنصرية.
لقد كانت نجومية عباس مجرد نزوة عابرة أجازها ذلك المجاز الكروي على ملعب يجتمع على عشبه ومدرجاته السحر والوهم وعدل كان شكله ولم يزل شكل شبه المنحرف.
لقد شعر الكثيرون بعد انتهاء لعبة مصر والأرجنتين بالقهر، وأحسوا بأن اللعبة كانت أكثر ظلمّا من الحياة نفسها، وأنهم عاشوا تسعين دقيقة من الوهم الجميل بأن العدالة، التي يفتقدونها في معاركهم اليومية، ستكون إلى جانبهم في هذه المعركة، ثم تبدى وهمهم مع سماع صافرة الحكم وهي تعلن نهاية المباراة.
الخسارات في جميع المنافسات احتمال وارد وطبيعي، لكن خسارة مصر، بالنسبة لمشجعيها، لم تكن مجرد خسارة في مباراة كان من المفروض أن يتوقعوها ويتقبلوها كخيار توأم لربحها، بل كانت نتيجة لجريمة اقترفتها بحقهم المؤسسة القيّمة على تجسيد قيم التنافس الشريف والنزاهة والحكم بالعدل وبالمساواة بين الفريقين.
وفي الوقت نفسه كانت ظلمّا حرم الارجنتين ومشجعيها من فرحة الإجماع على استحقاقهم بالنصر كفريق كبير يعرف كيف يصمد في المعارك الحاسمة وينتصر.
لم يتوقع من تمنوا فوز المنتخب المصري أن يكون منتخبهم هو الأقوى على الملعب، وصاحب الحظ الأوفر بالفوز في هذه المباراة، لكن صافرة الحكم سلبتهم تلك الثقة بنزاهة الملاعب، وجعلت نهاية أحلامهم فواجعخيبة البسطاء والفقراء لا تثير بالعادة خلال حياتهم اليومية ضجة ولا منازعات، لكن لعبة كرة القدم تتيح لهم فرصة للاستثمار، غير العادي، في صناديق تعدهم بأفراح صغيرة حيث تصبح الانتصارات الرياضية رأسمالا رمزيا، يمنح الناس شعورا ضروريا لاستمرار العيش برضا، وبقناعة بأن الهزائم ليست قدرّهم وأنهم شعوب ليست محكومة دوما بالسيئ المتوقع.
لم يتوقع من تمنوا فوز المنتخب المصري أن يكون منتخبهم هو الأقوى على الملعب، وصاحب الحظ الأوفر بالفوز في هذه المباراة، بيد أن معظمهم كانوا ببساطة يبحثون عن لحظة قدر خاطفة، ينتصر فيها «المجاز الكروي» لهم ويمنحهم جرعة من سراب جميل؛ لكن صافرة الحكم سلبتهم تلك الثقة بنزاهة الملاعب، وجعلت نهاية أحلامهم فواجع.
لقد رأوا، كما رأى العالم كله، فريقهم يقاتل غير صاغر بندية غير ملتبسة، وبتحد الكفوء للشبيه وللمتساوي.
فمنذ بداية المباراة كان المصري في الملعب كذاك البطل المتحدر من سحر الأساطير.
خمس عشرة دقيقة كانت كافية ليهز اللاعب ياسر إبراهيم شباك فريق الارجنتين بهدفه الجميل، ثم جاءت، في الدقيقة الحادية والعشرين، صدة حارس المرمى المصري المتألق مصطفى شوبير لركلة جزاء نفذها ساحر الكرة «ومعبود الجماهير» ليونيل ميسي.
وتوالت الأحداث في مباراة مشحونة جسدت كل المجازات والجوازات، لكنها بدت متوازنة ومتكافئة، واستمر المصري مدفوعّا بعزيمة الواثقين وبالأمل، يقاتل ويلعب بشجاعة وإدراك أنهم يحيكون، هناك بعيدا على أرض أمريكا، أحلام شعوب مقهورة من أمريكا ومن حلفاء أمريكا، شعوب تتوق لنصر «أسود على إرث أبيض بغيض».
لقد توالت الدقائق بطيئة وثقيلة حتى تنمر العدل وجاء قضاء الحكم الفرنسي بإلغاء هدف المهاجم المصري مصطفى زيكو في الدقيقة الثامنة والخمسين بذريعة واهية لم يقتنع فيها كبار المعقبين والمحللين.
كاتت خيبة المصريين كبيرة ومنهكة ليس لأجسادهم وحسب، بل لأرواحهم ولآمالهم، فقاتلوا حتى آخر التعب.
لقد خرجت مصر في ليلة الثلاثاء الماضية من حدود الجغرافيا لتصبح، ولو مجازا، ملكا لملايين الحالمين في العالم؛ فكيف يُطالب هؤلاء أن يتعالوا على قبح المشهد، وأن يلفوا أرواحهم «بأكفان رياضية»، ويقبلوا بالخسارة لأن فريقهم أظهر ضعفا في دقائق المباراة الأخيرة، وكأن كل ما حصل قبل تلك النهايات السيزيفية لم يكن سوى خربشات على عدم.
أتفهم رغبة وفرح مشجعي البطل ميسي وفريقه من الصادقين الأبرياء والسذج المتحمسين، لكن الحقيقة أن وراء ذاك الموقف يقف منطق المتآمرين والمستفيدين الأقوياء، أو كما يسميه الذين يشاهدون الرياضة بعيون التاريخ والسياسة «منطق البيض» في صراعهم مع «عبيد الشرق» أو «هنود العالم الحمر».
ما حدث مع مصر كان أمرا مستفزا ومحزنا ومؤسفا، وهو شهادة على ما أصاب هذه اللعبة البريئة الجميلة من عطب وانحراف.
فهل ستحتفظ بعد الآن بقدرتها على إنتاج المعاني القديمة التي تتجاوز واقعها المرئي؟ وهل ستبقى قادرة على وضع الإنسان أمام السؤال نفسه: لماذا يواصل تمسكه بالإيمان بقدرته على الانتصار وهو يعرف أنه يعيش في عالم لا يحترف الإنصاف ولا توزيع الفرص بالتساوي وللجديرين؟ قد يكون الجواب كما شرحه البير كامو، الذي صرح بما تعلمه عن الأخلاق في ملعب كرة القدم، لا لأن اللعبة كانت تنتج الفضيلة دائما، بل لأنها كانت تكشف هشاشتها، فهي تعلم اللاعب أن العدالة لا تتحقق نهائيا، وأن احترام القواعد لا يضمن النتيجة، لكن المحاولة والمثابرة هما جوهر الحياة.
وقد تكون الإجابة في سحر هذه اللعبة، الذي تساءل حوله محمود درويش وهو يرى الناس يتهافتون على الملاعب ليجدوا فرص التمني وراء واقع مرير، حتى عندما كانت تغيب عنهم الفرص أو تتأخر كانوا يتخيلونها واثقين بقدومها لأنها كروية وتدور.
لقد كتب محمود درويش بعد انتهاء ألعاب ذلك المونديال متغزلا ببطله الأرجنتيني ماردونا متسائلا: «مع من سنسهر بعدما اعتدنا أن نعلق طمأنينة القلب وخوفه، على قدميه المعجزتين؟ لمن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود وأجج فينا عطش الحاجة إلى بطل نصفق له ندعو له بالنصر، ونعلق له تميمة ونخاف عليه وعلى أملنا من الانكسار».
مع من؟ ما أعجب المفارقة وما أمرها، فقد مرت السنون وعدنا إلى الأرجنتين ويد «الإله السحرية»، لكن شتان بين تلك اليد التي ثأرت من بريطانيا، إمبراطورية الشر، وصافرة ظالمة.
فما هو هذا السحر الجماعي الذي لم يحل لغزه الشائع أحد؟ لنفتش عن الإجابة في ترف المجاز وبين هشاشات الفضيلة، وفي قلوب أعيتها الهزائم.
قد يكون السحر في ذاك المجاز الذي يعد «الغلابا» بأفراح صغيرة وبانتصارات يتوقعونها في حروب، سماها الدرويش «أشرف الحروب».
لقد كانت أشرف الحروب، فهل ستبقى؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك