لم تعد المجمعات السكنية مجرد مشاريع عقارية لحل أزمة السكن في العراق، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نمط حياة جديد يعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية، ويفرض حالة من الطبقية، إذ تتزايد هذه المجمعات بسرعة كبيرة مدفوعة برغبة آلاف العائلات في البحث عن الخدمات المستقرة والابتعاد عن الزحام والفوضى.
انتقل أحمد (32 سنة) قبل عامين إلى أحد المجمعات الجديدة في بغداد، ويقول لـ" العربي الجديد"، إن" القرار لم يكن سببه الرفاهية فقط، بل الشعور بالأمان، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات.
يلعب أطفالي داخل المجمع بحرية لا يمكن توفيرها في الحي الذي كنت أسكنه سابقاً".
بدورها، تقول آمال التي تسكن في مجمع مشابه: " هذا أحد أفضل قرارات حياتي، فزوجي يتركنا لثلاثة أيام في الأسبوع بسبب طبيعة عمله، والمجمع مؤمن بالكامل، ولا يمكن لأحد أن يدخله إلا بموافقة مسبقة".
وتوضح لـ" العربي الجديد"، أن" هذه المجمعات نظمت حياة الكثير من العراقيين، ففيها الأمان، واحترام الخصوصية، فضلاً عن النظافة، وكلها أمور كنت أفتقر إليها عندما كنت أسكن في منزلي السابق".
لكن هذا التحول لا يخلو من آثار اجتماعية، إذ يرى مختصون أن المجمعات المغلقة تنتج شكلاً جديداً من العيش المعزول، مع تبدل واضح في طبيعة العلاقات بين السكان.
يقول الباحث الاجتماعي، علي التميمي، لـ" العربي الجديد": " خلقت المجمعات السكنية بيئة مختلفة عن بيئة الأحياء الشعبية العراقية، والتي كانت تقوم على مبدأ الترابط الاجتماعي الناتج من علاقات يومية مفتوحة.
العلاقات داخل تلك المجمعات أكثر تنظيماً، لكنها أقل دفئاً.
هذه التغييرات تظهر في تفاصيل الحياة اليومية، من أنظمة الحراسة، وكاميرات المراقبة، إلى تطبيقات إدارة المجمع، ورسوم الصيانة والخدمات، فضلاً عن وجود مدارس وأسواق ومتنزهات داخل بعض المشاريع، ما يجعل السكان أقل احتكاكاً بالمحيط الخارجي".
وتتبنى الحكومة العراقية التوسع بالمشاريع السكنية بوصفها ضرورة لمعالجة أزمة السكن المتفاقمة في البلاد، وتؤكد وزارة الإعمار والإسكان والبلديات أنها تعمل على إنشاء عشرات المجمعات السكنية في مختلف المحافظات، كون المجمعات الموجودة حالياً لم تعد كافية لتغطية الطلب المتزايد على السكن، مع التوجه نحو إنشاء مدن سكنية كبرى.
في حين يرى مراقبون أن إقبال العراقيين على المجمعات السكنية يعكس تراجع الثقة بالخدمات العامة، إذ يفضّل كثيرون دفع مبالغ زائدة مقابل ضمان توفر الكهرباء والنظافة والأمان.
وتشير مواقع عراقية مختصة بالعقارات إلى اتساع ظاهرة المجمعات السكنية، مع وجود عشرات المشاريع في بغداد والبصرة والنجف وكربلاء وغيرها من المدن، والتي يتحول بعضها أحياناً إلى مدن صغيرة متكاملة الخدمات، في حين يرى خبراء أن المجمعات السكنية تحمل جانبين متناقضين، فهي تسهم من جهة في تحريك قطاع البناء وتوفير السكن، لكنها من جهة أخرى تتحول إلى عبء اقتصادي طويل الأمد على المواطنين، خصوصاً مع ضعف الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويؤكد الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي لـ" العربي الجديد" أن" هذه المجمعات خلقت فرص عمل وحركة مالية واسعة في قطاعات الإسمنت والحديد والأثاث والطاقة بوصفها سوقاً ضخمة مرتبطة بالمصارف والاستثمار وشركات البناء والخدمات، لكن أغلبها تستهدف الطبقة المتوسطة العليا، بينما يبقى غالبية العراقيين عاجزين عن شراء تلك الوحدات السكنية حتى في ظل نظام التقسيط".
ويضيف المرسومي: " المشكلة لا تتعلق فقط بسعر الشقة، بل بالكلفة المستمرة للحياة داخل المجمع، ومنها كلفة الصيانة الشهرية، واشتراكات الخدمات، إضافة إلى ارتفاع أسعار المحال الكائنة في داخل المجمعات، والالتزامات الاجتماعية المرتبطة بهذا النمط الجديد من الحياة، وهذه كلها التزامات مالية ممتدة، ما يستهلك قدراً كبيراً من دخل الأسرة، ويؤثر على قدرتها على الادخار".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك