قبل ساعات من المباراة المثيرة للجدل بين الأرجنتين ومصر في كأس العالم 2026، كانت الأضواء تتجه نحو ملف آخر بعيد عن المستطيل الأخضر.
تحقيقات مالية في الولايات المتحدة، وشبهات حول مئات الملايين من الدولارات المرتبطة بعقود الرعاية والبث والتسويق الخاصة بالاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم.
وجاءت القرارات التحكيمية التي رافقت مواجهة مصر لتعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتكرر في كل بطولة كبرى: هل تبقى المصالح التجارية بعيدة تماماً عن كرة القدم؟جدل قديم حول النجوم الكبار وعائدات كأس العالمالجدلية ليست جديدة.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قرر فيفا إيقاف كريستيانو رونالدو ثلاث مباريات بعد طرده أمام إيرلندا، لكن لجنة الانضباط علّقت مباراتين من العقوبة، ليغيب النجم البرتغالي فعلياً عن مباراة واحدة فقط، على أن يكون حاضراً في أول مباريات كأس العالم.
وتحول النقاش العام إلى مثال على المرونة عندما يكون اللاعب نجماً عالمياً وقيمة تسويقية كبرى.
وفي كأس العالم الحالية، ظهر مثال آخر مع ميسي خلال مباراة الأرجنتين والجزائر.
إذ تقدمت الجزائر في 20 يونيو/حزيران الماضي بشكوى إلى فيفا بسبب ما اعتبرته ظلماً تحكيمياً وتساهلاً مع خشونة ليونيل ميسي ضد المدافع عيسى ماندي، وهي المخالفة التي اتفق كثير من خبراء التحكيم على أنها كانت تستوجب طرد النجم الأرجنتيني.
ولم تتحول الواقعة إلى عقوبة معلنة، لكنها أضيفت إلى سلسلة الحالات التي يستحضرها منتقدو فيفا عند الحديث عن اختلاف المعايير مع النجوم الكبار.
ويزداد هذا الجدل مع ضخامة اقتصاد البطولة.
ففيفا يتوقع إيرادات تصل إلى 13 مليار دولار خلال دورة 2023-2026، تأتي من حقوق البث، والتسويق، والترخيص، والضيافة، والتذاكر، وهي عناصر تجعل استمرار المنتخبات الكبرى والنجوم المؤثرين جزءاً من القيمة التجارية للبطولة.
وفي هذا السياق، تبدو الأرجنتين أكثر من مجرد منتخب.
فهي واجهة تجارية عالمية ترتبط بالإعلانات والرعاة والقمصان والمنصات الرقمية، وفي قلب هذه المنظومة، يظهر النجم العالمي ليونيل ميسي المرتبط بعقد مدى الحياة مع" أديداس"، إضافة إلى حصوله على نسبة من مبيعات المنتجات التي تحمل علامته التجارية، كما يربط" أديداس" عقد رعاية مع فيفا يمتد إلى عام 2030 بقيمة تصل إلى 100 مليون دولار لكل نسخة من المونديال، وهو ما جعل العلاقة بين التسويق وكأس العالم محل نقاش متجدد كلما أثيرت قضية تحكيمية تخص الأرجنتين.
260 مليون دولار تحت تحقيق أميركيووسط هذا الجدل، انفجر ملف مالي يخص الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم.
إذ يجري المدعون الفيدراليون وعملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي في واشنطن وميامي تحقيقاً أولياً بإشراف وزارة العدل الأميركية بشأن العمليات المالية للاتحاد، بعدما وصلت إلى الولايات المتحدة شبهات حول مسار أموال مرتبطة بعقود الرعاية والبث والتسويق التجاري.
وأفادت صحيفتا" لا ناسيون" الأرجنتينية و" ماركا" الإسبانية، أمس الأربعاء، بأن الشبهات تحوم حول تحويلات بمئات الملايين من الدولارات عبر شركات وحسابات داخل النظام المالي الأميركي.
وكانت" لا ناسيون" قد كشفت، الاثنين الماضي، أي قبل 24 ساعة فقط من مباراة الأرجنتين ومصر، أن القضية تتمحور حول شركة" تور برود إنتر" المملوكة للمنتج المسرحي وعضو برلمان بوينس آيرس السابق خافيير فاروني وزوجته إريكا جيليت.
وتأسست الشركة في ولاية فلوريدا في أغسطس/آب 2021، وبعد أربعة أشهر فقط، أصبحت الوكيل التجاري الحصري للاتحاد الأرجنتيني في الأسواق الخارجية.
ووفق ما نقلته صحيفة" بوينس آيرس هيرالد" الأرجنتينية في 29 ديسمبر/كانون الأول الماضي، فإن الشركة تعاملت خلال أربع سنوات مع إيرادات تجاوزت 260 مليون دولار تخص الاتحاد الأرجنتيني، وهو رقم يضع القضية في قلب اقتصاد الرعاية والبث والتسويق.
واستناداً إلى وثائق مصرفية اطلعت عليها" لا ناسيون"، مرت هذه الأموال عبر حسابات في سيتي بنك، وسينوفوس، وبنك أوف أميركا، وجيه بي مورغان، وبي إن سي.
كما أشارت صحيفة" ديلي ستار" البريطانية، أمس الأربعاء، إلى أن التحقيقات تشمل أيضاً تحويلات إضافية تقارب 57 مليون دولار ذهبت إلى شركات ومستفيدين لم يظهر لها مبرر اقتصادي واضح وفق الوثائق التي استندت إليها التقارير.
القضية الأميركية لم تكن البداية.
ففي 9 ديسمبر/كانون الأول الماضي، ذكرت" رويترز" أن قاضياً فيدرالياً أمر بمداهمة مقر الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم وعدد من الأندية، ضمن تحقيق في شبهات غسل أموال مرتبطة بشركة خدمات مالية.
وأوضحت أن الشرطة الفيدرالية دخلت مقر الاتحاد في بوينس آيرس، فيما شملت المداهمات أندية راسينغ وسان لورينزو وإندبندينتي.
وبحسب" بوينس آيرس هيرالد"، استندت هذه المداهمات إلى بلاغات قدمتها وكالة الضرائب الأرجنتينية في الأول من ديسمبر/كانون الأول الماضي، بعد تحقيق كشف تعاملات مالية بلغت 818 مليار بيزو أرجنتيني، (نحو 553 مليون دولار)، تعود إلى شركات وأفراد لا يملكون القدرة المالية التي تبرر حجم تلك العمليات.
مباراة مصر تعيد الملف إلى الواجهةتزامنت هذه القضية، المرتبطة بعقود الرعاية والتسويق، مع مباراة الأرجنتين ومصر أول من أمس الثلاثاء، والتي شهدت جدلاً واسعاً بسبب قرارات تحكيمية مؤثرة، بعدما كانت مصر متقدمة بفارق هدفين قبل أن تخسر بثلاثة أهداف لهدفين.
واهتمت وسائل الإعلام العالمية بتصريحات مدرب المنتخب المصري حسام حسن، الذي اعتبر أن خسارة منتخب بلاده ارتبطت بحسابات تتعلق بالمال والتسويق والرغبة في بقاء ميسي داخل البطولة.
وأعادت هذه التصريحات إلى الواجهة الجدل نفسه الذي رافق مباراة الجزائر والأرجنتين بشأن عدم طرد ميسي، لتلتقي للمرة الأولى في مونديال 2026 ثلاثة ملفات في توقيت واحد، ملف الرعاية والتسويق، والتحقيق المالي الذي يلاحق الاتحاد الأرجنتيني، والجدل التحكيمي الذي رافق مباريات المنتخب الأرجنتيني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك