يتوسّع النقاش في أوروبا حول تقليص أسبوع العمل إلى أربعة أيام، في تحوّل لا يقتصر على تنظيم الوقت، بل يعيد تعريف مفهوم الإنتاجية والوظيفة نفسها.
في إسبانيا، أطلقت الحكومة برنامجاً تجريبياً يشمل عشرات الشركات مع دعم مالي لتقليص أيام العمل من دون خفض الأجور.
وركزت التجربة على قياس أثر تقليص الزمن الأسبوعي على الإنتاجية والرفاه النفسي، وأشارت تقييمات أولية إلى تحسّن في رضا الموظفين وانخفاض مستويات الإرهاق، مع استقرار في الأداء داخل غالبية الشركات المشاركة.
بدورها، تبنت بلجيكا نموذجاً مختلفاً أعاد توزيع ساعات العمل على أربعة أيام بدلاً من خمسة من دون خفض إجمالي ساعات العمل الأسبوعية، ومنح هذا النموذج العامل يوم راحة إضافياً ووقتاً للعائلة مقابل ساعات عمل أطول، ما أثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط النقابية، خصوصاً في القطاعات الخدمية، حيث يخشى البعض زيادة الضغط اليومي بدلاً من تخفيفه.
في أيسلندا شملت التجربة بين عامي 2015 و2019 آلافاً من موظفي القطاع العام، مع تقليص أسبوع العمل إلى نحو 36 ساعة من دون خفض الرواتب.
وخلصت تقارير حكومية إلى أن الإنتاجية بقيت مستقرة أو تحسّنت في عدد من القطاعات مقابل ارتفاع واضح في مؤشرات الرضا الوظيفي وانخفاض مستويات التوتر، حتى باتت التجربة مرجعاً في النقاش الأوروبي.
لم تعتمد فنلندا رسمياً أسبوع عمل من أربعة أيام، لكنها طوّرت أحد أكثر أنظمة العمل مرونة في أوروبا عبر تقليص الساعات وتوسيع المهمات عن بعد، والسماح بتوزيع أسبوع العمل وفق احتياجات الموظف.
وأشارت بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن هذا النموذج حسّن التوازن بين الحياة والعمل من دون الحاجة إلى تغيير جذري في الإطار القانوني للأسبوع الوظيفي.
واكتسبت تجربة بريطانيا في عام 2022 أهمية خاصة، إذ شملت أكثر من 60 شركة ونحو 3 آلاف موظف.
وأظهر التقرير النهائي الذي أصدرته مؤسسة" أوتونومي" بالتعاون مع" فور داي ويك غلوبال" أن 92% من الشركات قررت الاستمرار بنظام أربعة أيام بعد انتهاء التجربة، مع تسجيل استقرار أو تحسّن في الإنتاجية، وانخفاض في معدلات الإرهاق الوظيفي بنسبة 65%.
كما أظهرت النتائج انخفاضاً في نسب الاستقالات، وتحسّناً في القدرة على استقطاب موظفين جدد.
وخارج أوروبا لم يظهر أسبوع العمل من أربعة أيام نموذجاً موحداً، بل شبكة تجارب تتحرك بسرعات مختلفة، فبعض الدول اتجهت نحو تطبيق شبه دائم وأخرى نحو تجارب محدودة، في ظل غياب تحوّل تشريعي عالمي.
ونفذت الولايات المتحدة تجربة داخل شركات التكنولوجيا والخدمات من دون إطار قانوني، أما نيوزيلندا فأجرت تجارب في مؤسسات صغيرة أسفرت عن نتائج إيجابية.
وفي الشرق الأوسط، برزت تجربة الإمارات في القطاع الحكومي نموذجاً جزئياً لإعادة تنظيم أسبوع العمل.
وأفادت بيانات" منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" بأن متوسط ساعات العمل الأسبوعية في دول مثل ألمانيا وهولندا تتراوح بين 30 و35 ساعة فعلية، مقابل نحو 38 إلى 40 ساعة في الولايات المتحدة.
ومع ذلك تبقى إنتاجية الساعة الواحدة في دول أوروبية مثل أيرلندا ولوكسمبورغ قريبة أو أعلى من مثيلتها في الولايات المتحدة، ما يعزز فرضية أن زيادة ساعات العمل لا تعني بالضرورة زيادة الإنتاج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك