لا تحتاج الديمقراطيات وحرية الأوطان إلى مواطنين يرددون الرأي نفسه، بل إلى مواطنين يختلفون دون أن يشكك أحد في انتمائهم.
أما حين تتحول الوطنية إلى مقياس لفرز الناس بين" وطني" و" خائن"، فإنها تفقد معناها الجامع، وتصبح أداة لإخراس الأصوات المختلفة وتمهيد الطريق لاستبداد جديد.
يثير هذا التحول القلق في أجزاء من العالم العربي، ويظهر أيضاً في سورية الجديدة بعد سقوط نظام الأسد.
فقد كان الأمل أن يفتح انهيار الاستبداد الطريق أمام ثقافة سياسية أكثر تعددية، لكن يبدو أن سقوط النظام لا يعني بالضرورة زوال أدواته.
فلا تزال لغة التخوين، ورفض الرأي المخالف، والدعوة إلى الطاعة غير المشروطة تُروَّج أحياناً، حتى من بعض المقيمين بصفة لاجئين في الديمقراطيات الأوروبية، تحت شعار الدفاع عن الوطن، وسط تسامح سلطوي ونخبوي، مع خطاب شعبوي ووطنية إقصائية.
هذه ليست الشعبوية المعروفة في الديمقراطيات الغربية، رغم الانتقادات الموجهة إليها.
فهناك، تحمي المؤسسات والقوانين حق المعارضة وحرية التعبير، ولا تجعل انتقاد الحكومة مرادفاً للخيانة.
أما في كثير من السياقات العربية، فتتحول الوطنية إلى هوية مغلقة، يُحتكر تعريفها، فيصبح الاختلاف في الرأي مدخلاً للتشكيك في الولاء والانتماء، وإنتاج لغة تخوين وتقسيمات تتجاوز حتى حدود الوطن نفسه.
والأخطر أن هذه الثقافة لا تحتاج إلى سلطة قوية كي تنتشر.
فهي تنتقل بسهولة إلى المجتمع نفسه، حيث يتولى أفراد وجماعات على منصات التواصل الاجتماعي مهمة مراقبة الآخرين، وإطلاق أحكام التخوين، ومصادرة حقهم في التعبير.
وهكذا، يصبح الضغط الاجتماعي أحياناً أكثر قسوة من الرقابة الرسمية.
التاريخ يعلّمنا أن الاستبداد لا يبدأ دائماً بالدبابات أو السجون، بل يبدأ عندما يقتنع الناس بأن إسكات المختلف أمر مشروع، وأن النقد يُضعف الوطن، وأن الولاء يعني التوقف عن طرح الأسئلة.
وعندما تستقر هذه القناعة، يصبح أي نظام قادراً على توظيفها لإغلاق المجال العام، مهما كان اسمه أو شعاراته.
الأوطان ليست ملكاً لسلطة أو حزب أو جماعة، بل فضاء يتساوى فيه المواطنون في الحقوق والكرامة.
والوطنية الحقيقية لا تُقاس بعلو الشعارات، بل بحماية حق المختلف في التفكير والتعبير، لأن المجتمع الذي يخشى النقد، لا يبني دولة قوية، بل يعيد إنتاج الخوف بثوب جديد.
ربما يكون التحدي الأكبر أمام المجتمعات العربية ليس التخلص من الاستبداد فحسب، بل منع تسلّله إلى الوعي الجمعي في صورة وطنية متشددة.
فالأوطان لا تضعف بالنقد، وإنما عندما يتحول حبّها إلى ذريعة لإسكات الناس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك