دخلت المرحلة الثانية للعقوبات الأميركية على السودان حيز التنفيذ في 26 يونيو/ حزيران الماضي، متضمنةً قيوداً على قطاع الطيران، أبرزها منع شراء قطع الغيار الخاصة بالطائرات واستيرادها، وذلك على خلفية اتهامات واشنطن للحكومة السودانية باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب الدائرة في السودان، وسط تحذيرات من تداعياتها الاقتصادية والمالية.
ويأتي ذلك في وقت يؤكد فيه خبراء أن التأثير الأكبر لن يطاول قطاع الطيران مباشرةً، بقدر ما سيطاول قدرة الحكومة السودانية على الحصول على التمويل الدولي وإدارة تعاملاتها المالية والتجارية.
وحسب الإجراءات الأميركية، تشمل العقوبات فرض قيود على قطع الغيار والمستلزمات المرتبطة بقطاع الطيران، بجانب حظر تشغيل شركات الطيران المملوكة للحكومة السودانية داخل الولايات المتحدة، وفي مقدمتها شركة الخطوط الجوية السودانية (سودانير).
ويقول مختصون لـ" العربي الجديد" إن العقوبات الأميركية الجديدة تمثل ضغطاً إضافياً على الاقتصاد السوداني في مرحلة بالغة الحساسية، خصوصاً في ظل استمرار الصراع الداخلي وتراجع الإنتاج والاستثمار، الأمر الذي قد يزيد من صعوبة الوصول إلى مصادر التمويل الخارجية ويؤثر بخطط التعافي الاقتصادي.
وبينما تبدو التأثيرات المباشرة في حركة الطيران محدودة، فإن القيود المالية المصاحبة للعقوبات قد تفرض تحديات أكبر على المؤسسات الحكومية والشركات الوطنية، وفي مقدمتها" سودانير"، التي ستواجه بيئة أكثر تعقيداً في ما يتعلق بالتمويل والتعاملات التجارية الدولية، لتظل التداعيات الاقتصادية هي العنوان الأبرز لهذه الجولة الجديدة من العقوبات الأميركية على السودان.
وأوضح المدير الأسبق لسلطة الطيران المدني، إبراهيم عدلان، أن العقوبات التي دخلت مرحلتها الثانية تأتي استناداً إلى قانون حظر الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، وذلك على خلفية اتهامات وجهتها الولايات المتحدة للحكومة السودانية باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب الدائرة مع قوات الدعم السريع.
ويرى عدلان في حديثه لـ" العربي الجديد" أن العقوبات تتمثل بفرض قيود مالية واسعة، تشمل منع المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى جانب الصناديق الإقليمية، من تقديم أي غطاء أو دعم مالي للعمليات التي تنفذها الحكومة السودانية.
وأكد أن هذه الإجراءات تمثل التحدي الأكبر أمام الاقتصاد السوداني، نظراً لاعتماد العديد من المشروعات والبرامج الحكومية على التمويل الخارجي، موضحاً أنّ الجهات المانحة والمؤسسات الدولية تلعب دوراً محورياً في توفير التمويل، وأن صدور عقوبات أميركية بهذا الحجم يحد بشكل كبير من قدرة السودان على جذب القروض والمنح والاستثمارات.
وفي ما يتعلق بقطاع الطيران، يوضح عدلان أن العقوبات تتضمن حظر تشغيل شركات الطيران المملوكة للحكومة السودانية داخل الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن هذا البند يخص شركة الخطوط الجوية السودانية" سودانير"، باعتبارها الناقل الوطني المملوك للدولة، إلا أنه قلل من التأثير العملي لهذا القرار، واصفاً إياه بأنه" إجراء اسمي"؛ لعدم وجود رحلات مباشرة أو تشغيل مشترك بين" سودانير" والولايات المتحدة منذ سنوات، وهو ما يجعل انعكاساته التشغيلية محدودة للغاية.
ورأى أن التأثير الحقيقي للعقوبات على قطاع الطيران يكمن في الجوانب المالية والتجارية، وليس التشغيلية، إذ ستواجه الشركة الوطنية صعوبات أكبر في الحصول على التسهيلات الائتمانية والتمويل اللازم لإبرام بعض التعاقدات أو تنفيذ العمليات التجارية المرتبطة بالنقل الجوي، وهو ما قد ينعكس على خطط التطوير والتوسع مستقبلاً.
ويرى المدير الأسبق لسلطة الطيران المدني في السودان أن العقوبات تضمنت استثناءات مهمة تتعلق بسلامة الطيران المدني، حيث لم تشمل حظر تصدير أو توفير المعدات والخدمات الفنية اللازمة لضمان التشغيل الآمن للطائرات.
وقال إن الاستثناءات تسمح باستمرار استيراد قطع الغيار الخاصة بالطائرات، إضافة إلى المعدات التقنية المرتبطة بأنظمة الملاحة الجوية والرادارات وغيرها من التجهيزات الضرورية، بما يضمن استمرار الالتزام بمعايير السلامة الجوية الدولية وعدم تعريض حركة الطيران المدني لأي مخاطر فنية.
من جانبه، يقول مدير إدارة الشحن الجوي بشركة الخطوط الجوية السودانية، مرتضى حسن جمعة محمد، إن أي عقوبات تُفرض على شركة طيران وطنية لا يقتصر أثرها على نشاط نقل الركاب، بل يمتد لقطاع الشحن الجوي مباشرة، باعتباره أحد أهم روافد التجارة الخارجية وسلاسل الإمداد الإنسانية والتجارية.
ويؤكد أن العقوبات تعمق صعوبة الحصول على خدمات التأمين، وقطع الغيار، والصيانة، والتمويل، مع إحجام بعض البنوك وشركات الشحن العالمية ووكلاء المناولة عن التعامل، خشية التعرض للعقوبات الثانوية أو للمخاطر القانونية والمالية، بجانب تأثيرها بقدرة الناقل الوطني في إبرام اتفاقيات مع شركات الطيران الأخرى والاستفادة من شبكات النقل العالمية، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التشغيل وانخفاض القدرة التنافسية.
بالإضافة إلى تأثيرها على الشحن الجوي، المتمثل بتأخير حركة الصادرات والواردات، وارتفاع تكلفة النقل، وإضعاف تدفق السلع، بخاصة البضائع ذات الطبيعة العاجلة كالأدوية والمعدات الطبية وقطع الغيار والمواد سريعة التلف، حسب محمد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك