في مشهد يتكرر بقسوة كل صيف، تعيش أوروبا هذه الأيام واحدة من أكثر فترات الحرائق تدميراً في تاريخها، بعد أن حولت موجات الحر" غير المسبوقة" القارة إلى" مستودع بارود" يشتعل في أي لحظة.
فمن البرتغال إلى اليونان، ومن إسبانيا إلى فرنسا، تلتهم النيران آلاف الهكتارات من الغابات، وتجبر الآلاف على النزوح، وتصل تداعياتها حتى إلى قلب الأحداث الرياضية الكبرى، في وقت تشهد فيه إيطاليا نشاطًا بركانيًا متزامنًا يزيد من هول المشهد.
كشفت بيانات برنامج كوبرنيكوس الأوروبي، أن إسبانيا سجلت وحدها 50.
384 هكتارًا من الأراضي المحروقة خلال النصف الأول من عام 2026، ما يمثل 39.
8% من إجمالي المساحة التي التهمتها النيران في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعادل أكثر من ضعف المعدل المعتاد لهذه الفترة من العام.
وتأتي هذه الأرقام قبل دخول الموسم الأكثر خطورة في يوليو وأغسطس وسبتمبر، حيث تتركز عادةً الحرائق الكبرى.
حرائق متزامنة في دول الجنوبفي البرتغال، أعلن رئيس الوزراء لويس نيفيس أن الغابات تحولت إلى" مستودع بارود"، حيث التهم حريق هائل في بلدية فوزيلا (وسط شمال البلاد) نحو 15 ألف هكتار من المساحات الخضراء، وتمكنت فرق الإطفاء من السيطرة على 80% من الحريق بعد أيام من المعارك الشرسة مع النيران.
وكان عمود الدخان المنبعث من النباتات المحترقة مرئيًا من الفضاء عبر الأقمار الاصطناعية، وامتد لأكثر من 600 كيلومتر فوق المحيط الأطلسي.
أما في فرنسا، فلم تكن الصورة أفضل، حيث أعلن رئيس الوزراء سيباستيان ليكورني أن ما يقرب من 145 كيلومترًا مربعًا من الأراضي قد احترقت هذا العام، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المساحة المحروقة في الفترة نفسها من عام 2025.
وفي منطقة البرانس الشرقية، اندلع حريق ضخم منذ السبت الماضي امتد على مساحة تجاوزت 46 كيلومترًا مربعًا، مما أدى إلى إجلاء الآلاف من السكان والسياح واضطراب حركة القطارات.
وفي لفتة تعكس حجم الكارثة، اضطر منظمو سباق Tour de France إلى منع الجماهير من الاقتراب من مسار المرحلة الثالثة، وهو إجراء لم يحدث من قبل إلا خلال جائحة كوفيد-19، كما توقفت القافلة الإعلانية المصاحبة للسباق في مشهد غير مسبوق.
وفي تصريح يعكس وعيًا متزايدًا بالخطر، قال إريك بلجيوانو، المسؤول عن فرق الإطفاء في منطقة البرانس الشرقية: " تغير المناخ هنا، ونحن نعيش عواقبه، ونحن فقط في بداية يوليو".
وأضاف محذرًا: " موسم الحرائق هذا سيكون طويلاً، ونحن بحاجة إلى مساعدتكم".
أما في اليونان، فاجتاحت النيران منطقة في مدينة سالونيك، ووصلت إلى مصنعين، مما أجبر السلطات على إخلاء ثلاثة أحياء سكنية، وحظر التجول في مناطق أخرى بسبب الدخان السام.
كما اندلع حريق آخر في منطقة مندرا قرب أثينا، مما زاد من معاناة البلاد التي تواجه موجة حر قياسية.
الجفاف.
العامل الخفي وراء الكارثةيكشف التحقيق عن مفارقة مناخية مقلقة: فبينما تشتعل الغابات في جنوب أوروبا، كانت مناطق واسعة من القارة تعاني قبل أشهر من فيضانات عارمة.
ويحذر العلماء من أن هذه التقلبات الحادة بين الطقس المتطرف أصبحت السمة الجديدة لتغير المناخ في أوروبا.
وتشير بيانات كوبرنيكوس إلى أن شبه الجزيرة الأيبيرية شهدت ربيعًا مطيرًا بشكل غير معتاد، مما أدى إلى نمو كثيف للغطاء النباتي.
لكن موجات الحر التي ضربت المنطقة في مايو ويونيو تسببت في جفاف هذه النباتات وتحولها إلى وقود قابل للاشتعال بسهولة.
وتقول جوليا ميلر، عالمة المناخ في معهد أبحاث الثلوج والانهيارات الجليدية WSL، " إذا تبع فترة النمو المطري جفاف وحرارة شديدة، تتعرض النباتات للإجهاد وتتحول إلى وقود سريع الاشتعال للحرائق".
وتضيف: " في معظم أنحاء أوروبا، هناك ما يكفي من النباتات القابلة للاحتراق.
والسؤال ليس ما إذا كان هناك وقود للحرائق، بل متى يصبح جافًا بما يكفي ليلتهب".
ويشير تقرير صادر عن المجلس الاستشاري الأكاديميات الوطنية الأوروبي (EASAC) إلى أن سياسات الاتحاد الأوروبي تركز بشكل مفرط على إطفاء الحرائق بعد اندلاعها، مع إهمال ملحوظ لجانب الوقاية.
ويقول فرناندو بوليدو دياز، خبير الوقاية من الحرائق في جامعة إكستريمادورا: " المناخ وحده لا يمكن أن يتسبب في نشوب حريق دون وجود وقود نباتي.
إن كمية الغطاء النباتي الناتجة عن إهمال إدارة الأراضي هي العامل الرئيسي في حرائق الغابات الكارثية".
إيطاليا بين النار والبراكينفي الوقت الذي تشتعل فيه غابات جنوب أوروبا، تشهد إيطاليا نشاطًا بركانيًا متزامنًا، حيث يواصل بركان إتنا في صقلية ثورانه المذهل الذي التقطت له طائرات بدون طيار مشاهد نادرة للحمم وهي تعود إلى فوهة البركان وكأنه يبتلعها.
ورغم أن النشاط البركاني ظاهرة طبيعية لا ترتبط مباشرة بموجات الحر، إلا أن تزامنه مع كارثة الحرائق يزيد من هول المشهد ويضاعف الضغط على فرق الطوارئ والبنية التحتية في البلاد.
الأزمة تمتد إلى قطاع الطاقةلا تقتصر تداعيات موجة الحر على الغابات والممتلكات، بل تمتد لتشمل قطاع الطاقة الحيوي.
فقد حذرت شركة الكهرباء الفرنسية (EDF) من أن انخفاض منسوب مياه نهر ميوز قد يجبرها على تقليص إنتاج محطة شوز النووية بسبب نقص مياه التبريد.
كما أن ارتفاع درجة حرارة نهري غارون ورون يهدد بخفض الإنتاج في محطات أخرى.
وتتوقع وكالة تحليل الطاقة Kpler أن تشهد أسعار الكهرباء قفزة كبيرة، حيث قد يتجاوز سعر الميجاواط/ساعة في ألمانيا 200 يورو خلال ساعات الذروة، مقابل 150 يورو فقط في بداية الأسبوع.
استجابة أوروبية غير مسبوقةأمام حجم الكارثة، سارعت فرنسا والبرتغال إلى طلب المساعدة من الاتحاد الأوروبي، الذي استجاب بتعبئة" عدد قياسي" من رجال الإطفاء و22 طائرة إطفاء لمكافحة الحرائق في مختلف أنحاء القارة.
كما وافق البرلمان الأوروبي على مساعدات طارئة بقيمة 120 مليون يورو لإسبانيا و23.
5 مليون يورو لرومانيا وقبرص.
ويحذر المستشارون العلميون للاتحاد الأوروبي من أن إجراءات التكيف مع تغير المناخ لا تزال غير كافية وتنفذ في كثير من الأحيان بعد فوات الأوان.
ويدعون الدول الأعضاء إلى الاستعداد لسيناريو ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار 3 درجات مئوية، مع مواصلة الجهود لتحقيق هدف اتفاقية باريس البالغ 1.
5 درجة.
أوروبا تشتعل، وتجف، وتحترق في آن واحد.
فبعد شتاء وربيع غزيرين بالأمطار، حل صيف قاتل تحولت فيه المساحات الخضراء إلى وقود جاهز للالتهام.
ومع تحذيرات الخبراء من أن ما نشهده ليس سوى البداية، يبقى السؤال الأكبر: هل تتوفر للإجراءات الأوروبية الوقت الكافي لمواكبة تسارع وتيرة التغير المناخي، أم أن القارة العجوز تسير نحو واقع مناخي جديد لا هوادة فيه؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك