سبَّبت التطورات العسكرية المتسارعة في الأيام الماضية اهتزازات واضحة في أسواق المال والطاقة بمنطقة الخليج، إثر تعرض ناقلات نفط لهجمات جديدة قرب مضيق هرمز، عودة تبادل الضربات بين أميركا وإيران، ما قوض اتفاق وقف إطلاق النار وأعاد أجواء التوتر العسكري إلى الواجهة بشكل مفاجئ، وسلط الضوء على تأثير تكرار كهذا على اقتصادات دول الخليج.
فالتصعيد الجاري أدى إلى قفزة فورية في أسعار النفط العالمية، حيث" سجلت أسواق النفط حركتها الصعودية الأكثر حدة في الأسعار خلال شهرين تقريباً بعد سلسلة من الهجمات على ناقلات الوقود الأحفوري بالقرب من مضيق هرمز، ما دفع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى إعلان انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، بحسب ما أورد تقرير نشرته صحيفة ذا غارديان البريطانية في 8 يوليو/تموز الجاري.
وأشعل تصعيد الأيام الماضية موجة عارمة من القلق المالي في أسواق الأسهم الخليجية فور بدء التراشق الصاروخي، حيث أغلقت معظم أسواق الأسهم في منطقة الخليج منخفضة، أول من أمس الأربعاء، بعد أن صرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن مذكرة التفاهم لإنهاء الصراع مع إيران" انتهت"، مما أدى إلى تجدد المخاوف من تعطل إمدادات النفط في الشرق الأوسط.
وتراجع مؤشر دبي بنسبة 1.
5% في حين انخفض مؤشر قطر بنسبة 0.
8%، كما هبطت بورصة الكويت بنسبة 0.
8%، تلتها أسواق أبوظبي والبحرين بتراجع بلغت نسبته 0.
6% لكل منهما.
في المقابل، استقر المؤشر السعودي من دون تغيير مستفيداً من قفزة سهم أرامكو 2.
6% مع صعود النفط، بينما سجلت بورصة عُمان الارتفاع الوحيد بنسبة 0.
9%.
وتشير القراءات التحليلية إلى" الارتفاع الكبير في مستويات عدم اليقين الناجم عن التوترات الجيوسياسية وتأثيرها السلبي على معنويات المستثمرين، بحسب ما أورد تقرير سابق نشرته" ستاندرد آند بورز"، مشيراً إلى أن التوتر الإقليمي المتصاعد يسبِّب بيئةً تشغيليةً بالغة الصعوبة.
وتواصلت الاضطرابات أمس الخميس، إذ أعلنت الكويت والبحرين، التصدي لاعتداءات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
من جهته، قال رئيس البرلمان ورئيس الفريق الإيراني المفاوض، محمد باقر قاليباف، فجر أمس: " لا تتخبطوا عبثاً، لأنكم ستغرقون أكثر.
فمضيق هرمز لن يُفتح إلا وفقاً للترتيبات الإيرانية، لا عبر التهديدات الأميركية".
ظلال قاتمة على مختلف القطاعاتوإزاء ذلك، يرى خبراء دوليون أن عودة الاضطرابات العسكرية وغياب الاستقرار في الشرق الأوسط يلقيان بظلال قاتمة على مختلف القطاعات الصناعية والإنشائية والتجارية في دول الخليج، ويحذرون من أن استمرار هذه الأجواء الحربية يهدد بتقويض خطط التعافي الاقتصادي الإقليمي ويزيد من ضبابية المشهد للشركات الإقليمية بسبب ارتفاع التكاليف التشغيلية ومخاطر الملاحة واللوجستيات، بحسب ما أورد تقرير نشرته منصة ستيل أوربيس (SteelOrbis) الأوروبية، المتخصصة في مراقبة الأسواق والصناعات الثقيلة العالمية، في 8 يوليو الجاري.
وتشير التقديرات الائتمانية والنفطية إلى أن هذه التوقعات السلبية مرشحة للاستمرار لمدى زمني طويل يمتد حتى عام 2027، وذلك نتيجة الصعوبات الكبيرة في استعادة التدفقات التجارية والأمنية الكاملة.
ويؤكد محللون أن" الاختناقات التشغيلية بسبب الاضطراب المستمر لشهور، والبنية التحتية المتضررة، وقيود تأمين الشحن، والنفور المحتمل المستمر من المخاطر تعني أن الأمر سيستغرق وقتاً للعودة بشكل مستدام نحو مستويات ما قبل الحرب، ما يسبب استنزافاً للمخزونات وتضرراً لثقة شركات الشحن والتأمين العالمية التي ستحتاج إلى سنوات لترميم عملياتها اللوجستية، بحسب تقرير نشرته" ستاندرد آند بورز" في 15 يونيو الماضي.
النفط وسلاسل الإمداد في الخليجوفي هذا الإطار، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي، رائد المصري، لـ" العربي الجديد"، إلى أن عودة الاضطرابات تؤثر بشكل مباشر وكبير على اقتصادات دول الخليج وسلاسل التوريد، خاصة في قطاعي النفط والغاز، ما ينعكس سلباً على الأسعار العالمية والإنتاج النفطي، ولا سيما إذا عادت العقوبات على الصادرات الإيرانية التي تبلغ نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً وفقاً لمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران.
ويترتب على هذا الواقع، بحسب المصري، اضطراب في حركة النقل البحري وسلاسل الإمداد، ما يستلزم تكاليف باهظة للبحث عن خطوط بديلة وإمدادات احتياطية، وهو ما يضع الاقتصادات الخليجية أمام واقع صعب، إذ تتأثر الاستثمارات الخارجية وتزداد حالة اللايقين في الأسواق الدولية، ما يخلق بيئة غير مستقرة تعيق التخطيط الاقتصادي طويل الأمد.
وهنا يلفت المصري إلى أن جزءا من تقلبات أسعار النفط الحالية تعود إلى المضاربات والسمسرة التي تجري في بورصة نيويورك والأسواق المالية العالمية، والتي ترتبط بشكل وثيق بمصالح البنوك الأميركية وعوائدها المالية، واصفاً إياها بأنها" استراتيجية مدروسة من الجانب الأميركي تستغل التصريحات السياسية لخلق موجات من التذبذب في الأسعار لتحقيق مكاسب مالية معينة".
وإزاء ذلك، يرى المصري أن المنطقة تشهد مرحلة حرجة تعتمد على نجاح المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران ضمن إطار زمني محدد يبلغ 60 يوماً، حيث يمثل اختبار الثقة بين الطرفين العقبة الرئيسية نظراً إلى الشكوك المتبادلة التي تراكمت خلال الفترة الماضية، بالإضافة إلى اقتراب موعد الانتخابات النصفية الأميركية والانتخابات الإسرائيلية، ما يدفع كلا الجانبين نحو تصعيد محدود في المواقف والضربات العسكرية لخدمة الأجندات الانتخابية الداخلية.
ويشير المصري إلى أن الموقف الإيراني بات أكثر صلابة بعد تشييع المرشد الراحل، علي خامنئي، حيث أظهر النظام جرأة ودعماً شعبياً واسعاً تجلى في مشاركة أكثر من 20 مليون شخص في الساحات الإيرانية والعراقية على مدى 9 أيام، ما منح الشرعية الشعبية للنظام وزاد من تماسكه الداخلي وقدرته على الصمود في وجه الضغوط الخارجية.
ولذا، يخلص المصري إلى أن الحل الأمثل يكمن في سعي دول الخليج نحو فتح حوار شامل مع إيران والجانب الأميركي لمنع عودة التصعيد العسكري وحماية الاستقرار الاقتصادي الإقليمي.
وفي السياق، يشير الخبير المختص بالاقتصاد السياسي، زيان زوانه، لـ" العربي الجديد"، إلى أن إسرائيل، بقيادة نتنياهو، تلعب دوراً محورياً في إبقاء حالة التوتر الشديد وأجواء الحرب ماثلة أمام الجميع، بهدف إنقاذ نفسه وإنقاذ ائتلاف حكومته من الانهيار الداخلي، حيث يستفيد من تصعيد الأوضاع الإقليمية لتوحيد الصفوف الداخلية وتأجيل الأزمات السياسية الملحة.
وبحسب زوانه، فإن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ينجذب إلى هذا المسار الإسرائيلي مدفوعاً برغبته في إرضاء المعارضين لاتفاقه مع إيران، والسعي لممارسة مزيد من الضغط على طهران لإظهار القوة والحزم في سياسته الخارجية، ما يخلق ديناميكية خطيرة تزيد من حدة المواجهة وتبعد فرص الحل الدبلوماسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك