أثارت صانعة محتوى جدلًا دينيًا وأخلاقيًا من خلال الترويج لما يُعرف بـ" فوائد تعدد الزوجات والأزواج"، والتحريض على اتباعه، ما لقي هجومًا كبيرًا عليها من قِبل رواد التواصل الاجتماعي، وقد ألقت الشرطة القبض عليها واعترفت بارتكابها الواقعة لزيادة نسب المشاهدات.
وتفاعل عدد كبير من رواد التواصل الاجتماعي مع مقطع الفيديو المتداول، مبدين اعتراضهم على الترويج للفكرة المنافية للفطرة، ما أثار تساؤلات عدة، من بينها أصل تلك الفكرة، وما يقوله الدين عن الترويج لها، فضلًا عن العقوبة القانونية المنتظرة للفتاة.
الزواج الجماعي معروف في علم الاجتماعقالت أستاذ علم الاجتماع المساعد بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، الدكتورة ابتسام مرسي محمد، إن فكرة الزواج الجماعي معروفة في علم الاجتماع العائلي والأنثروبولوجيا، لكنها تُدرس بوصفها أحد أنماط الزواج التي وُجدت تاريخيًا لدى بعض المجتمعات والقبائل البدائية، في إطار دراسة تطور نظم الأسرة والزواج، وليس باعتبارها نموذجًا اجتماعيًا مقبولًا أو قابلًا للتطبيق في المجتمعات الحديثة، لا دينيًا ولا ثقافيًا ولا حتى بالفطرة السليمة.
الترويج له تحت مسمى “الزواج الجماعي” يهدد الاستقرار الأسريوأضافت مرسي لـ" تليجراف مصر"، أن يتم الترويج له عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت مسمى" الزواج الجماعي" أو تبادل الأزواج بهدف كسر الملل، فهو طرح مختلف تمامًا عن المفهوم العلمي الذي تتناوله الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية، لافتة إلى أن هذا الطرح يتعارض مع الأسس التي تقوم عليها الأسرة في المجتمعات المعاصرة، ويهدد الاستقرار الأسري والنسق القيمي، ويؤدي إلى اضطراب الأنساب والأدوار الأسرية، فضلًا عن آثاره النفسية والاجتماعية والأخلاقية.
ما خطورة الترويج لمثل هذه الأفكار على المراهقين؟تكمن الخطورة حسبما أوضحت أستاذ علم الاجتماع في المراهقين، لأنهم الأكثر تأثرًا بالمحتوى الرقمي، لأنهم لا يزالون في مرحلة بناء منظومتهم الفكرية والقيمية، وعندما تُطرح أفكار شديدة الشذوذ أو الرفض المجتمعي في إطار ساخر أو ترفيهي، فإن تكرار التعرض لها قد يؤدي إلى انخفاض درجة الاستغراب منها، حتى وإن لم يتحول ذلك إلى قبول فعلي لها.
وأشارت الدكتورة ابتسام إلى أهمية تنمية التفكير النقدي لدى الشباب، حتى يتعاملوا مع ما يشاهدونه باعتباره محتوى يحتاج إلى تقييم وتحليل، لا مجرد مادة للترفيه أو نموذج يمكن الاقتداء به؛ فالمشكلة ليست في وجود الفكرة وحدها، وإنما في طريقة تقديمها بوصفها أمرًا عاديًا أو قابلًا للنقاش دون إبراز ما تحمله من آثار اجتماعية خطيرة على الأسرة واستقرارها.
إثارة الجدل هي الأسرع للانتشاروبحسب الدكتورة ابتسام، أصبحت الشهرة الرقمية لدى بعض الأشخاص هدفًا في حد ذاتها، بصرف النظر عن الوسيلة التي تحققها، وفي ظل اقتصاد المشاهدات، يعتقد البعض أن إثارة الجدل هي الطريق الأسرع إلى الانتشار، فيتم تجاوز الحدود الأخلاقية والاجتماعية بحثًا عن التفاعل.
وتابعت الدكتورة ابتسام قائلة: " ما يغيب عن كثيرين أن الشهرة الرقمية غالبًا ما تكون مؤقتة، بينما السمعة الاجتماعية أكثر رسوخًا وأطول أثرًا؛ فالصورة الذهنية التي تتكون عن الإنسان داخل أسرته ومحيطه المهني والمجتمعي قد تتأثر لسنوات بسبب محتوى لا تتجاوز مدة نشره دقائق معدودة، ولذلك فإن السعي وراء التريند قد يحقق انتشارًا لحظيًا، لكنه قد يترك آثارًا اجتماعية وشخصية يصعب تجاوزها".
واختتمت أستاذ علم الاجتماع، أن التصدي لمثل هذه الظواهر لا يتحقق فقط بالإدانة أو الهجوم، وإنما ببناء الوعي، ويبدأ ذلك من الأسرة، مرورًا بالمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية، بحيث تتكامل جميعها في ترسيخ منظومة القيم، وتعزيز الثقافة الرقمية، وتنمية التفكير النقدي لدى الشباب.
بالإضافة إلى عدم تحويل مثل هذه الطروحات إلى مادة دعائية مجانية من خلال المبالغة في إعادة تداولها، بل ينبغي التركيز على تقديم نماذج إيجابية ومحتوى هادف، مع توضيح المخاطر الاجتماعية المترتبة على مثل هذه الأفكار؛ فالمجتمعات لا تحافظ على تماسكها بالمنع وحده، وإنما أيضًا بقدرتها على إنتاج وعي مجتمعي يجعل الأفكار الشاذة معزولة وغير مؤثرة، وفقًا لأستاذ علم الاجتماع.
ما العقوبة التي تنتظر مروجة “الزواج الجماعي”؟من الناحية القانونية، يرى المحامي أشرف ناجي، أن “الترند” لا يحمي من العقاب، موضحًا أن هناك جرائم وعقوبات تواجه مروجة" فكرة الزواج الجماعي" تصل إلى الحبس مدة لا تقل عن سنة؛ فالقانون لا يعفي البحث عن الشهرة من المسؤولية الجنائية.
وأضاف ناجي لـ" تليجراف مصر"، أنه في القانون الجنائي يوجد فرق جوهري بين الباعث والقصد الجنائي، موضحًا أن الباعث قد يكون الشهرة أو المال أو زيادة المتابعين، أما القصد الجنائي فهو تعمد ارتكاب الفعل ونشره بإرادة حرة، وبناءً عليه فإن القول إن الهدف كان" الترند" لا ينفي المسؤولية الجنائية إذا انتهت المحكمة إلى أن المحتوى يحقق أركان جريمة يعاقب عليها القانون، وهو ما يمثل ارتكاب عدة جرائم منصوص عليها في القوانين المصرية.
وأشار المحامي إلى القوانين التي خالفتها ناشرة الفيديو، على النحو التالي:1- مخالفة أحكام قانون مكافحة الدعارةيعد القانون رقم 10 لسنة 1961 بشأن مكافحة الدعارة أول القوانين التي خالفتها ناشرة الفيديو، وقد نصت الفقرة الأولى من المادة الأولى على: " معاقبة كل من حرض شخصًا ذكرًا أو أنثى على ارتكاب الفجور أو الدعارة أو ساعده على ذلك أو سهله له، وكذلك كل من استخدمه أو استدرجه أو أغواه بقصد ارتكاب الفجور أو الدعارة".
والعقوبة المقررة هنا حسبما ذكر ناجي هي الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين وفق النص القانوني الساري، مشيرًا إلى أن قضاء محكمة النقض استقر على أن الجريمة لا تقوم إلا إذا كان التحريض أو التسهيل منصبًا على ممارسة الفجور أو الدعارة مع الغير وفق المفهوم الذي حدده القانون بدون تمييز، وهو ما تطالب به هذه الفتاة.
2- مخالفة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلوماتوذكر ناجي أن البنت خالفت نص المادة (25) من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والتي تنص على:“معاقبة كل من يعتدي على المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري باستخدام الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات، ويعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين”.
بالإضافة إلى جريمة إنشاء حساب بقصد ارتكاب جريمة، وجريمة التحريض على ارتكاب فعل يعد ارتكابه جريمة في القانون المصري، وهو دعوى السيدات للجمع بين الأزواج، ودعوى الرجال لارتكاب جريمة الزنا بأخريات، والتحريض على إنكار نسب الأولاد وإنجاب جيل بلا نسب أو هوية، وكلها جرائم عقوبتها الحبس لمدة أكثر من سنة، وهنا يطبق العقوبة الأشد لوجود ارتباط لا يقبل التجزئة بين كل هذه الجرائم، وفقًا لناجي.
هل الاعتراف بأن الهدف هو" الترند" وزيادة المشاهدات يفيد المتهمة؟لفت المحامي إلى أن في الغالب هذا لا يعد سببًا للإعفاء من المسؤولية، بل قد يكون سببًا لتشديد العقوبة ضدها بهذا الاعتراف، فالقول: " نشرت الفيديو من أجل زيادة المشاهدات" قد يفسر الباعث على النشر، لكنه لا ينفي بالضرورة تعمد النشر إذا ثبت أن المحتوى يندرج تحت وصف قانوني مجرم.
وتابع قائلًا: " حتى وإن تمسك دفاع الفتاة بأن المحتوى لم يكن دعوة جادة، وإنما كان يهدف إلى إثارة الجدل أو تحقيق الانتشار، فكل هذا يخضع لتقدير المحكمة بعد فحص الفيديو بالكامل"، موضحًا أن لحرية الرأي قيمة دستورية لا خلاف عليها، لكنها لا تمنح حصانة لأي محتوى إذا تجاوز حدود الرأي إلى دائرة الفعل المجرم بنص القانون.
الغضب الشعبي يؤكد توافر أركان المسؤولية الجنائيةوبحسب ناجي، فإن الغضب الشعبي والمجتمعي من نشر مثل هذا المحتوى يؤكد توافر أركان المسؤولية الجنائية؛ لأن القانون لا يعاقب على الأفكار في ذاتها، وإنما على الأفعال التي استوفى المشرع أركان تجريمها، ومن ثم فإن توافر الفيديو ونشره بما جاء به من محتوى تضمن أفكارًا ومقترحات شاذة على المجتمع المصري والعربي بصفة عامة، فهذا يضع هذه الفتاة تحت طائلة القانون وتقدم لمحاكمة عادلة منصفة، وذلك طبقًا للمبدأ الدستوري الذي يحكم كل دعوى جنائية: " لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ولا إدانة إلا بحكم قضائي".
نوع من أنواع الفساد في الأرض.
ماذا يقول الدين عن “الزواج الجماعي”؟من جانبه، أوضح الشيخ أشرف عبد الجواد من علماء وزارة الأوقاف، أن الدعوة إلى مثل هذه الأمور الشاذة التي تهدم ثوابت المجتمع وتصطدم بالثوابت الشرعية، لا شك أنها نوع من أنواع الفساد والإفساد في الأرض، مستشهدًا بقول الله تعالى: " وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ".
كما استشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: " مَن سَنَّ سُنَّةً حَسنةً فعمِلَ بِها، كانَ لَهُ أجرُها وَمِثْلُ أجرِ مَن عملَ بِها، لا يَنقُصُ مِن أجورِهِم شيئًا، ومن سنَّ سنَّةً سيِّئةً فعملَ بِها، كانَ عليهِ وزرُها وَوِزْرُ مَن عملَ بِها من بعده، لا ينقصُ من أوزارِهِم شيئًا".
وتابع الشيخ عبد الجواد لـ" تليجراف مصر" قائلًا: " هذا لا شك يعد من قبيل سنِّ السنة السيئة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فأي إنسان يدعو أو يحرض إلى فكر يصطدم بالثوابت الشرعية والثوابت الدينية الاجتماعية التي لا تخالف شرع الله عز وجل، لا شك أن هذا حرام وجرأة على الله عز وجل وشرعه، ولا شك أن الإنسان يأثم على ذلك، وأيضًا يأتي في عنقه كل شخص اعتنق فكره أو اتبع منهجه".
وأشار عالم الأوقاف إلى أن ما دعت إليه هذه الفتاة يعد من قبيل الزنا، لأنه من المفترض أن المرأة في الإسلام لا تعيش إلا في ظلال رجل واحد فقط، فيحرم على المرأة أن تكون في عصمة رجلين أو أكثر، وكذلك عندما وصف الله عز وجل الحياة بين الزوجين، ووصف الله عز وجل خصوصية العلاقة بين الزوجين، وصفها بوصف بليغ دقيق، قال: " هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ".
وأوضح قائلًا: " اللباس هو موضع الستر بالنسبة للإنسان، إذ كرمها الله عز وجل وفضلها، وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بتكريمها وتفضيلها والإحسان إليها وعدم ظلمها والجور عليها، وكذلك بحسن عشرتها في قوله: (وعاشروهن بالمعروف)، فضلًا عن وصاية النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (استوصوا بالنساء خيرًا)"، متابعًا أنه لا يليق بها أن تكون في ذمة أكثر من رجل، فإن هذا يعد من قبيل الزنا ولا علاقة له بالتعددية، فهذه جريمة وهذا أمر محرم قطعًا وقولًا واحدًا.
وأكد الشيخ عبد الجواد أن الزواج رباط مقدس وصفه الله عز وجل بقوله: " وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا"، وكذلك قوله تعالى: " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظمة وشرف هذه الرابطة.
وأوضح الشيخ عبد الجواد أن الإسلام حرم الزنا، فنهى الله عز وجل عنه فقال: " وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا"، موضحًا أن المتأمل في الآية يجد أن الله عز وجل قال: ولا تقربوا الزنا، ولم يقل: ولا تزنوا، والفرق بينهما أن" ولا تقربوا الزنا" أي سبيل أو أي فعل أو أي طريق أو أي قول يوصل إلى الزنا، فوجب أن يبتعد الإنسان عنه.
واختتم أن النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من الوقوع في هذه الجريمة، ففي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " أيُّ الذنبِ أعظمُ قال: أن تجعلَ للهِ نِدًّا وهو خلقكَ وأن تُزَانيَ بحليلةِ جارِكَ"، وكذلك في حديثه صلى الله عليه وسلم: " كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ مالُهُ وعِرْضُهُ ودَمُهُ".
القبض على مروجة الزواج الجماعيذكرت الداخلية في بيان لها، أن الإدارة العامة لحماية الآداب بقطاع الشرطة المتخصصة رصدت قيام صانعة محتوى بنشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن قيامها بالترويج لما أسمته بفوائد تعدد الأزواج والزوجات والإنجاب غير المُنسب بصورة تحريضية تتنافى مع الآداب العامة والقيم المجتمعية.
وبحسب بيان الداخلية، عقب تقنين الإجراءات تم ضبط المذكورة (مقيمة بدائرة قسم شرطة المطرية بالقاهرة)، وضبط بحوزتها (هاتف محمول" بفحصه تبين احتواؤه على دلائل تؤكد نشاطها الإجرامي" )، وبمواجهتها اعترفت بارتكابها الواقعة على النحو المشار إليه، ونشرها مقاطع الفيديو عبر صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات وتحقيق أرباح مالية، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية.
حين يصبح الزواج جريمة.
هل نعاقب الرجل لأنه مارس حقًا أباحه الشرع؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك