سؤال: اختلف الناس في تقييم موقف الحزب الشيوعى السودانى من ثورة ديسمبر:في جانب، قال بعض الناس ان انسحابات الحزب، و رفضه المساومات، كانت من أسباب تفتيت الجبهة المدنية.
وأسهم في تشتيت القادة المدنيين وهم يواجهون الجنرالات فى وقت تاريخي حاسم.
في الجانب الآخر، قال اخرون، خاصة لجان المقاومة الشبابية في الاحياء، ان الحزب ظل دائما يملك القدرة على بعد النظر، وذلك بسبب تاريخه الواضح في مواجهة العسكريين.
نعم، شكل الحزب الشيوعي السوداني تاريخياً الراديكالية السياسية الأكثر تنظيماً في مواجهة الأنظمة العسكرية والأيديولوجيا الإسلامية.
ومع اندلاع ثورة ديسمبر 2018 التي أطاحت بنظام عمر البشير، اتخذ الحزب مساراً تميز بالتشكك المطلق والرفض المبكر لمخرجات العملية السياسية، مما جعله في مواجهة مستمرة مع حلفاء الأمس وخصوم اليوم على حد سواء.
ومنذ اللحظات الأولى لعزل البشير، شق الشيوعيون عصا الطاعة على رفاقهم في تحالف “قوى إعلان الحرية والتغيير”:اولا: استند شك الحزب إلى عقيدة راسخة بأن المكون العسكري ليس إلا امتداداً للجنة الأمنية للنظام البائد التى تظل مصممة لحماية مصالح الدولة العميقة، وشبكاتها الإسلامية المستترة.
ثانيا: رفض رفضا قاطعا الوثيقة الدستورية التي أسست للشراكة مع العسكريين.
واعتبرها شرعنة للانقلاب، وتنازلاً عن شعارات الشارع المطالبة بسلطة مدنية كاملة.
ثالثا: عارض اتفاقية سلام جوبا.
ووصفها بأنها محاصصة بين قادة الحركات المسلحة والقوات المسلحة تهدف إلى إضعاف القوى المدنية، وتثبيت نفوذ الجنرالات في الجانيين.
من بيانات الحزب عن رفض الوثيقة الدستورية: “ما تم التوقيع عليه هو اتفاق لتقاسم السلطة مع اللجنة الأمنية لنظام البشير، وليس استجابة لمطالب الشارع.
هذه الوثيقة الدستورية تمنح العسكر حصانة وشرعية فوق الدستور، وتجهض أهداف الثورة في تصفية ركائز النظام القديم، وإقامة سلطة مدنية كاملة.
”ومن بيانات الحزب عن تحالف العسكريين والاسلاميين: “اللجنة الأمنية للمجلس العسكري تعمل بشكل ممنهج على إعاقة تفكيك تمكين النظام البائد، وتوفر الحماية لرموزه وشبكاته الاقتصادية والسياسية.
لهذا، لا يمكن تأسيس دولة ديمقراطية دون اقتلاع جذور الرأسمالية المتأسلمة داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية.
”ومن بيانات الحزب عن العودة الى الشارع: “منذ البداية، ظهرت فلسفة الهبوط الناعم التي ارتضت المساومة على دماء الشهداء وتجليس القتلة في مجلس السيادة.
إن طريق تصحيح مسار الثورة لا يمر عبر التفاوض أو الغرف المغلقة، بل عبر العودة إلى منصة التأسيس: إسقاط هذه الشراكة العرجاء بالعمل الجماهيري السلمي والعصيان المدني.
”فى النهاية، ولهذه الاسباب، أعلن الحزب انسحابه الكامل والنهائي من تحالف قوى “الحرية والتغيير”، ومؤسسات السلطة الانتقالية.
وكرر ان التحالف اختطف ارادة الثوار الذين قادوا ثورة ديسمبر.
من زاوية “الأخلاقيات الإنسانية والوفاق” التي تقوم عليها فلسفة الاصطناعى في هذه السلسلة، يمثل موقف الحزب الشيوعي نموذجاً لمعضلة النقاء الأيديولوجي في مواجهة التوافق السياسي:في جانب، أثبتت الأيام صحة مخاوفهم، وشكوكهم في النوايا العسكرية التي قادت البلاد في النهاية إلى حرب أبريل الكارثية.
لكن، في الجانب الآخر، ساهم منهجهم القائم على الرفض المطلق في تفتيت الجبهة المدنية.
لهذا اقول إن الوفاق الإنساني لا يعني قبول الظلم، لكنه يتطلب مرونة لبناء كتلة وطنية حاسمة.
اخيرا، الدرس هنا هو أن المواقف السياسية المتصلبة، حين تعجز عن الوصول الى قواسم مشتركة، تترك الساحة لقعقعة السلاح.
MohammadAliSalih@gmail.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك