في خطوة تعكس توازناً بين حماية الصناعة الأميركية وتجنّب إرباك قطاع الطيران، قررت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الامتناع عن فرض رسوم جمركية جديدة على الطائرات التجارية ومحركاتها وقطع غيارها، رغم أنّ تحقيقاً حكومياً خلُص إلى وجود مخاطر على الأمن القومي بسبب الاعتماد الكبير على سلاسل التوريد الأجنبية.
وجاء القرار في إعلان وقّعه ترامب، أمس الخميس، بعد انتهاء تحقيق أجرته وزارة التجارة الأميركية بموجب المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962، وهي المادة نفسها التي استخدمت سابقاً لفرض رسوم على واردات الصلب والألمنيوم والسيارات.
وخلُص التحقيق إلى أن الواردات الأجنبية وممارسات بعض الدول تؤثر سلباً في القدرة التنافسية لصناعة الطائرات الأميركية، إلا أن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أوصى بعدم فرض رسوم فورية، مفضّلاً منح فرصة للمفاوضات مع الشركاء التجاريين.
ولم يسم التقرير دولاً بعينها، لكن المقصود عملياً يشمل كبار موردي الطائرات والمحركات والمكونات إلى السوق الأميركية، وفي مقدمتهم دول الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان، إضافة إلى موردين من إيطاليا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، فضلاً عن شركات آسيوية تزود المصانع الأميركية بآلاف القطع والمكونات.
كما تعتمد شركة بوينغ الأميركية نفسها على أجزاء مستوردة من اليابان وإيطاليا، بينما تنتج شركة إيرباص طائرات داخل ولاية ألاباما باستخدام مكونات تأتي من أوروبا.
ورأى التحقيق أن المشكلة لا تقتصر على حجم الواردات، وإنما تمتد إلى الاعتماد المتزايد على سلاسل توريد أجنبية في مكونات حساسة، وهو ما قد يهدد الإنتاج الأميركي في حال وقوع أزمات جيوسياسية أو انقطاعات في الإمدادات.
كما أشار إلى مخاطر تتعلق بضبط الجودة وإمكانية تسرب قطع مقلدة إلى السوق، إضافة إلى الضغوط التي تفرضها المنافسة الخارجية منخفضة التكلفة على الأجور والتوظيف داخل قطاع تصنيع الطائرات في الولايات المتحدة.
ورغم هذه المخاوف، واجهت فكرة فرض رسوم جمركية معارضة قوية من شركات الطيران والمصنعين الأميركيين.
وحذرت شركات مثل" دلتا إيرلاينز"، إلى جانب رابطة صناعات الطيران والفضاء، من أن الرسوم سترفع تكلفة شراء الطائرات وقطع الغيار، وقد تنعكس على أسعار التذاكر وسلامة سلاسل الإمداد، بينما أكدت شركة" إيرباص أميركاز" أن الرسوم قد تضر أيضاً بعمليات التصنيع داخل الولايات المتحدة نفسها.
وكانت" بوينغ" قد تعرّضت، في إبريل/ نيسان 2025، لضغوط مباشرة من التصعيد التجاري بين واشنطن وبكين، بعدما رفعت الولايات المتحدة رسومها على سلع صينية إلى 145% وردّت الصين برسوم بلغت 125% على السلع الأميركية، بما فيها الطائرات وقطع الغيار.
وأدت تلك الرسوم إلى تعليق تسليم طائرات بوينغ لشركات صينية وإعادة بعض الطائرات إلى الولايات المتحدة، قبل أن تتراجع حدتها لاحقاً ضمن هدنة تجارية بين البلدين.
ويتمتع قطاع الطيران التجاري منذ عام 1979 بإعفاءات جمركية واسعة بموجب اتفاقية الطائرات المدنية، وهو نظام ساهم في تحقيق فائض تجاري أميركي سنوي يناهز 75 مليار دولار في هذا القطاع، ما جعل كثيرين داخل الصناعة يدافعون عن الإبقاء على هذا الإطار التجاري المفتوح.
ورغم الامتناع عن فرض رسوم حالياً، فإن القرار لا يغلق الملف نهائياً، إذ وجه ترامب فريقه للتفاوض مع الشركاء التجاريين لمعالجة المخاوف التي كشفتها وزارة التجارة، مع احتفاظ الإدارة بحق اتخاذ إجراءات، بما فيها فرض رسوم جمركية، إذا لم تحقق المفاوضات نتائج خلال الأشهر الستة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك