أجهزة متفجرة ذاتية الاحتواء تزرع أو تثبت في المياه، سواء في قاع البحر أو بالقرب من سطحه، أو بينهما، بهدف تدمير السفن السطحية والغواصات أو إلحاق أضرار بها.
وتُفعَّل عند ملامسة الهدف أو اقترابه أو عبر مؤثرات مثل المجال المغناطيسي أو الضغط أو الصوت.
وهي من أكثر الأسلحة البحرية فاعلية، نظرا لانخفاض تكلفة تصنيعها ونشرها مقارنة بالسفن الحربية، وقدرتها على إعاقة الملاحة وفرض حصار بحري وتهديد خطوط التجارة والممرات المائية الاستراتيجية.
تمثل إزالة الألغام البحرية تحديا عملياتيا معقدا، إذ تتطلب عمليات كشفها وتحييدها معدات متخصصة وتقنيات متقدمة، فضلا عن استغراقها وقتا طويلا قد يمتد من أسابيع إلى أشهر، بما يسمح للألغام بالاحتفاظ بتأثيرها العسكري والاقتصادي حتى بعد انتهاء العمليات القتالية المباشرة.
تاريخ استخدام الألغام البحريةبدأ استخدام الألغام البحرية في النزاعات المسلحة منذ أواخر القرن الثامن عشر، وتطورت عبر العقود من وسائل بدائية تعتمد على البارود إلى أسلحة بحرية متقدمة لعبت دورا مؤثرا في الحروب وحماية الممرات المائية أو تعطيلها.
ويعود أول استخدام معروف للألغام البحرية إلى عام 1777 أثناء الثورة الأمريكية، عندما صمم ديفيد بوشنيل، وهو طالب في جامعة ييل، جهازا يعتمد على تفجير البارود تحت الماء، في محاولة لاستهداف جزء من الأسطول البريطاني في نهر ديلاوير بتفويض من الجنرال جورج واشنطن.
ورغم عدم نجاح العملية في إغراق السفن البريطانية إلا أنها شكلت بداية لفكرة استخدام المتفجرات تحت الماء في العمليات العسكرية.
وأثناء الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)، شهدت الألغام البحرية أول استخدام واسع وفعال لها، إذ اعتمدت عليها القوات الكونفدرالية لإعاقة تحركات سفن الاتحاد، وتمكنت من إغراق عدد منها، مما رسخ مكانتها كأحد أسلحة الحرب البحرية.
وفي الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، استخدمت الألغام البحرية على نطاق أكبر لتقييد حركات الغواصات الألمانية ومنعها من الوصول إلى بحر الشمال، قبل أن تبلغ ذروة استخدامها أثناء الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، عندما زرعت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 12 ألف لغم في الموانئ وطرق الشحن اليابانية، في إطار حملة استهدفت تعطيل الملاحة التجارية وإضعاف الاقتصاد الياباني، وأسفرت عن غرق مئات السفن.
استمر الاعتماد على الألغام البحرية في العقود اللاحقة، إذ برزت مجددا أثناء حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الـ20، عندما زرع كل من العراق وإيران ألغاما تسببت في إصابة سفن أمريكية ودولية وأدت إلى تعطيل الملاحة لأسابيع قبل إعادة فتح الممرات المائية.
وفي عام 2026 برزت الألغام البحرية كأحد أبرز عناصر استراتيجية إيران البحرية، بالتزامن مع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدها في فبراير/شباط من العام ذاته، فقد تمكنت إيران من تعطيل مرور نحو خُمس تجارة النفط العالمية، بما يشمل قرابة نصف واردات الصين النفطية، الأمر الذي أدى إلى تعطل آلاف السفن داخل الخليج العربي، وأحدث اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية.
تصنف الألغام البحرية وفق 3 معايير رئيسية هي موقعها في الماء وآلية تفجيرها ووسيلة نشرها، ويحدد كل تصنيف طبيعة استخدامها والمهام العسكرية التي تؤديها.
وفق الموقع في الماء تنقسم الألغام البحرية إلى 3 أنواع رئيسية، الأول هو اللغم العائم أو المنجرف، الذي يتحرك بحرية مع التيارات والأمواج.
والنوع الثاني اللغم المثبت أو المربوط الذي يطفو تحت سطح الماء لكنه يُثبت في مكانه بواسطة كابل متصل بثقل يستقر في قاع البحر.
أما الثالث فهو اللغم القاعي الذي يستقر مباشرة في قاع البحر، ويستخدم في المياه الضحلة ضد السفن السطحية أو في الأعماق لاستهداف الغواصات.
ووفق آلية التفعيل، تشمل ألغام التماس وهي أقدم الأنواع وأكثرها بساطة، إذ تنفجر بمجرد اصطدام السفينة بها.
كما تضم ألغام التأثير، التي لا تتطلب ملامسة مباشرة للهدف، وإنما تعتمد على مستشعرات تكشف البصمة المغناطيسية أو الصوتية أو تغيرات ضغط المياه الناتجة عن مرور السفن، فيما تجمع بعض النماذج الحديثة بين أكثر من مستشعر لزيادة دقة الاستهداف.
ويضاف إلى ذلك الألغام المحكومة التي تُفجَّر يدويا بواسطة مشغل من محطة ساحلية، وتستخدم غالبا في حماية الموانئ أو أثناء العمليات العسكرية المخطط لها.
أما من حيث وسيلة النشر فيمكن زرع الألغام البحرية بواسطة سفن السطح، أو الغواصات التي تطلقها عبر أنابيب الطوربيد، أو الطائرات التي تلقيها جوا، وغالبا ما تكون مزودة بمظلات لتمكينها من الانتشار السريع في الممرات البحرية ومناطق الشحن.
وتضم الترسانات البحرية الحديثة نماذج متطورة، من أبرزها عائلة كويك سترايك (Quickstrike) الأمريكية التي تُلقى من الطائرات وتستخدم في المياه الضحلة ضد الأهداف السطحية وتحت السطحية، إضافة إلى اللغم المحمول المنطلق من الغواصات" إس إل إم إم مارك 67" (SLMM Mark 67)، المصمم للعمل في المناطق التي يصعب الوصول إليها والمزود بأنظمة لكشف الأهداف.
تعد الألغام البحرية من أكثر الأسلحة البحرية فاعلية، لقدرتها على تحقيق تأثيرات عسكرية واستراتيجية واسعة بتكلفة منخفضة نسبيا مقارنة بالمنظومات القتالية الأخرى، كما تجمع بين سهولة النشر وصعوبة الاكتشاف وإطالة أمد تأثيرها في ساحات العمليات.
وتتمثل إحدى أبرز قدراتها في منع الوصول وحرمان الخصم من استخدام المناطق البحرية، إذ تستخدم لحماية السواحل والموانئ والمنشآت الحيوية، وإعاقة عمليات الإنزال البحري، كما يمكنها تعطيل الملاحة في الممرات الاستراتيجية.
تعتمد الألغام البحرية الحديثة على أنظمة استشعار متطورة، إذ لا يشترط انفجارها حدوث تماس مباشر مع الهدف، بل يمكن تفعيلها عبر رصد البصمة المغناطيسية للسفن، أو الضوضاء الصادرة عن محركاتها، أو التغييرات في ضغط المياه الناتج عن مرورها، كما يمكن برمجة بعض النماذج لاستهداف سفن محددة ذات قيمة عسكرية أو اقتصادية، مع تجاهل القوارب الصغيرة.
ويمكن زرع الألغام بواسطة الطائرات أو الغواصات أو السفن الحربية، بل وحتى عبر زوارق صغيرة أو سفن تجارية معدلة، الأمر الذي يجعل استخدامها متاحا في العمليات الدفاعية والهجومية على حد سواء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك