نواكشوط – “القدس العربي”: في موريتانيا، لا تعود قضية الفترات الرئاسية إلى الواجهة اليوم بوصفها نقاشًا قانونيًا باردًا، بل كاختبار ساخن لذاكرة الدولة وحدود السياسة.
فكلما اقترب الحوار الوطني من لحظة ترتيب أولوياته، قفز سؤال الولاية الثالثة من خلف النصوص، لا ليطرح مادة دستورية فحسب، بل ليكشف هشاشة الثقة بين الفاعلين، وخوف جزء واسع من النخبة من عودة البلاد إلى منطق السلطة المفتوحة.
ضمن هذا السياق، جاءت ندوة فكرية عالية المستوى للمركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية حول “المأموريات الرئاسية بين التحصين الدستوري وضرورة تجريم الدعوة لخرقها”، لتضع الإصبع على إحدى أكثر القضايا حساسية في المسار التحضيري للحوار الوطني.
وقد كشفت الندوة تباينًا واضحًا بين اتجاه يرى أن حماية الفترات الرئاسية لا تكتمل إلا بنصوص جزائية رادعة، واتجاه آخر يحذر من تحويل النقاش السياسي إلى مجال للتجريم، معتبرًا أن حرية التعبير لا يجوز أن تُحاصر باسم حماية الدستور.
يذهب المدافعون عن التجريم إلى أن التحصين الدستوري وحده لا يكفي.
فالدستور، في نظرهم، يمنع الفعل لكنه لا يردع التحريض السياسي والإعلامي والمالي الذي قد يمهد لهوجوهر المسألة أن تحديد الفترات الرئاسية في موريتانيا لم يكن تفصيلًا تقنيًا، بل ثمرة لحظة سياسية فاصلة بعد عقود من حكم الرئاسة المفتوحة والانقلابات.
فقد جاءت تعديلات 2006 لتحدد الفترة بخمس سنوات، وتمنع تولي الرئيس أكثر من فترتين، وتدرج ذلك ضمن المواد المحصنة من المراجعة، مع تضمين احترامها في القَسَم الرئاسي.
من هنا، يذهب المدافعون عن التجريم إلى أن التحصين الدستوري وحده لا يكفي.
فالدستور، في نظرهم، يمنع الفعل لكنه لا يردع التحريض السياسي والإعلامي والمالي الذي قد يمهد له.
وهذا ما عبّر عنه النائب محمد بوي الشيخ محمد فاضل من خلال مقترح قانون يسعى إلى سد ما وصفه بالفراغ القانوني، عبر معاقبة من يدعون أو يمولون أو يقودون مبادرات تستهدف المواد المحصنة.
وفي هذا المنظور، لا يتعلق الأمر بتقييد السياسة، بل بمنع فتح نافذة تؤدي في النهاية إلى هدم قاعدة التداول السلمي.
أما الاتجاه المقابل، الذي مثله بقوة المحامي أحمد سالم ولد بو حبيني والمحامي يعقوب ولد السيف، فيرى أن الخطر لا يكمن فقط في الدعوة إلى تعديل المواد المحصنة، بل كذلك في تجريم الرأي السياسي.
فالمبدأ القانوني الصارم يقول: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص؛ كما أن المطالبة بتعديل الدستور، حتى لو كانت مرفوضة سياسيًا، لا تتحول تلقائيًا إلى جريمة ما لم تتحول إلى فعل غير دستوري مباشر؛ وهنا يظهر التخوف من أن يتحول قانون حماية المأموريات إلى أداة لتوسيع العقاب السياسي بدل تعزيز دولة القانون.
لكن الندوة كشفت أيضًا أن الخلاف لا يدور حول قيمة التداول، فمعظم المتدخلين اتفقوا على أن تحديد الفترات الرئاسية كان مكسبًا تاريخيًا.
ويدور الخلاف الحقيقي حول وسيلة الحماية: هل تُحمى القاعدة الدستورية بالسجن والغرامات والحرمان السياسي، أم تُحمى بكتلة سياسية ومجتمعية صلبة ترفض الالتفاف عليها؟ ويعتبر هذا السؤال هو لب الأزمة، لأنه يضع موريتانيا بين منطقين: منطق الدولة التي تخشى هشاشة مؤسساتها فتطلب الحماية من القانون الجزائي، ومنطق الديمقراطية التي تراهن على وعي المجتمع وقوة التوازنات السياسية.
ووضع رئيس المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية، الدكتور ديدي ولد السالك، النقاش في إطار أوسع يتعلق بالثوابت الدستورية والهوية الجامعة للدولة.
فالدستور، في طرحه، ليس وثيقة قابلة للتجاذب اليومي، بل سقف مشترك فوق الصراع السياسي؛ ولذلك يعتبر ولد السالك أن المساس بالمواد المحصنة يمس استقرار الدولة لا مجرد ترتيب انتخابي.
وفي المقابل، نبه الدكتور محمد المختار مليل إلى ضرورة إبقاء النقاش مفتوحًا أكاديميًا وقانونيًا، لأن التحصين نفسه يطرح سؤالًا معقدًا: إلى أي مدى يمكن تقييد الإرادة الشعبية حتى باسم حماية الديمقراطية؟ومن المنظور السياسي، تأتي حساسية الموضوع من ارتباطه المباشر بالحوار الوطني المتعثر والذي تبذل حاليًا جهود لإطلاقه: فالمعارضة ترى في فتح ملف المأموريات تهديدًا لسقف الثقة الضروري لإنجاح الحوار، بينما تعتبر أطراف أخرى أن النقاش حول الدستور لا ينبغي أن يكون محظورًا مسبقًا.
وهنا تتحول المأموريات من مادة قانونية إلى عرقلة سياسية كبرى؛ لأنها تختبر نيات الأطراف قبل أن تختبر نصوص الدستور.
تبدو الفترات الرئاسية اليوم أكبر من مجرد مادة دستورية؛ إنها خط الفصل بين ذاكرة دولة عانت من السلطة المفتوحة، وطموح جمهورية تريد أن تجعل التداول قاعدة لا استثناءلكن الأعمق من ذلك هو أن الجدل يعكس أزمة ثقة مزمنة في التجربة السياسية الموريتانية؛ فلو كانت المؤسسات قوية، والأعراف الديمقراطية راسخة، لما أثارت مجرد مبادرة أو دعوة كل هذا القلق؛ ولو كانت النخبة السياسية مطمئنة لالتزام الجميع بقواعد اللعبة، لما احتاجت إلى البحث عن تجريم جديد، لذلك فإن مطلب التجريم، مهما بدا قانونيًا، يكشف في خلفيته عن خوف سياسي من أن النصوص تقبل الالتفاف عليها.
في المحصلة، تبدو الفترات الرئاسية اليوم أكبر من مجرد مادة دستورية؛ إنها خط الفصل بين ذاكرة دولة عانت من السلطة المفتوحة، وطموح جمهورية تريد أن تجعل التداول قاعدة لا استثناء.
غير أن حماية هذه القاعدة تحتاج إلى توازن دقيق، فلا ينبغي ترك المواد المحصنة عرضة لمبادرات سياسية تهدد روح الدستور، ولا ينبغي كذلك تحويل المجال العام إلى فضاء مجرم للرأي والنقاش.
ويجب في كل الأحوال الانتباه إلى أن الحوار الوطني لن ينجح إذا دخل ملف المأموريات من باب المناورة، ولن ينجح أيضًا إذا عولج بمنطق التخوين وحده.
والمطلوب هو توافق سياسي صريح يثبت نهائية مبدأ المأموريتين، ويغلق باب الالتفاف عليه، مع نقاش هادئ حول ما إذا كانت الحماية الجزائية ضرورة دستورية أم مخاطرة حقوقية.
وبين النص والواقع، تبقى الدولة الموريتانية أمام امتحان واضح: أن تثبت أن التداول السلمي لم يعد مجرد وعد في الدستور، بل ثقافة تحكم السياسة ولا يمكن أن تتجاوزها الأنظمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك