CNN بالعربية - دراسة: "إنسان الهوبيت" ربما اقتات على بقايا فرائس تنانين كومودو العربية نت - 6 علامات تستدعي إطفاء هاتفك فورًا القدس العربي - مجلس التعاون الخليجي يرحب بإعلان أمريكا بدء إجراءات إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب وكالة الأناضول - وصفها بالناجحة.. البيت الأبيض ينشر فيديو لقمة الناتو بأنقرة الجزيرة نت - الاتحاد النرويجي في ورطة.. طوابير بطول 600 متر في أوسلو قبل مواجهة إنجلترا سكاي نيوز عربية - تصريحات بونو عن ميسي والأرجنتين تثير الجدل وكالة سبوتنيك - بحر غزة متنفس وحيد للسكان رغم تلوث مياهه. وكالة الأناضول - دوران: أذان "آيا صوفيا" سيظل يتردد في سماء تركيا إلى الأبد DW عربية - حرب إيران .. كيف تتلاعب روبوتات آلية بالرأي العام الأوروبي؟ وكالة شينخوا الصينية - شي: الصين على استعداد لتعزيز التعاون في مجال التعدين مع الدول الإفريقية
عامة

سهير حلمي تكتب: سر الحكاية صفر.. تاريخ ما أغفله الرواة

بوابة الأهرام
بوابة الأهرام منذ 1 ساعة
1

حين يكتب التاريخ بأقلام العلماء والأكاديميين يكتسب ألقا فريدا ويتوفر له من عوامل الجذب والموضوعية وصفاء الذهن والرؤية الثاقبة، ما يجعله زادا لا غنى عنه لأى قارئ يسعى لقراءة التاريخ، بحثا عن رؤية جديدة...

حين يكتب التاريخ بأقلام العلماء والأكاديميين يكتسب ألقا فريدا ويتوفر له من عوامل الجذب والموضوعية وصفاء الذهن والرؤية الثاقبة، ما يجعله زادا لا غنى عنه لأى قارئ يسعى لقراءة التاريخ، بحثا عن رؤية جديدة أكثر رحابة وأعمق تحليلا وتمردا على السرديات التقليدية التى استقرت عبر القرون.

يكتب د.

خالد الغمرى أستاذ اللغويات الحاسوبية والذكاء الاصطناعى فى جامعة إنديانا الأمريكية، التاريخ ـ في كتابه الحكاية صفر.

وجوه أخرى للتاريخ ـ متوسلا بكل الأساليب التى ترصد أبسط التأثيرات، كأثر الفراشة ورفرفة جناحيها وكيف تتسبب فى موجات من التغيير، بل يكتب التاريخ بالإيماءة، بلا استهانة أو تهويل من رد الفعل.

من خلال ستة عشرة حكاية ممتعة، تتشعب فيها المعانى المستخلصة.

يحدثنا فى هذا الكتاب الممتع عن النتائج غير المقصودة فى التاريخ من خلال نسق أدبى يتسم بالحس التاريخى.

مستندا لملكة لغوية راسخة وتكثيف للحدث وحدة الرؤية التى تشبه ومضة القصة القصيرة.

‎يرى كاتبنا: " أن التاريخ لم يتحرك دائما كما أراده أصحابه فالعالم ينزلق أحيانا إلى نتائج غير مقصودة.

من خلال أثر الشرارة، حين وقع زلزال لشبونة وهز يقين أوروبا، وأثر الارتداد حين ينفجر القرار فى وجه صاحب، مثلما حدث مع الكونغو، عندما رفعت أوروبا شعارا باطلا" عبء الرجل الأبيض" فتحول إلى آلة استعمارية فضحت نياتها.

ويتطرق لأثر التراكم، أشياء صغيرة تتكاثر وتخلق عالما جديدا، مثلما حدث فى انتقال مزارع القطن من الجنوب الأمريكى إلى قرى الدلتا فى مصر، نتيجة للحرب الأهلية فى أمريكا، محتفيا بظلال التاريخ الشعبى فى مصر.

راصدا للأبعاد الاجتماعية التى تكشف هذه التغييرات وكيف تسبب محصول القطن فى عمالة الأطفال فى مصر.

‎مسارات عديدة متشابكة وآثار متنوعة لكل حكاية، و كان القرار فى أولوية الاختيار لكل ما يمس المجال العربى والإسلامى والإفريقى فى بعض الأحيان.

من هذه الدوائر نقرأ العالم كما يرى كاتبنا ونرصد فيها آثار الأحداث التى لم يتوقعها أحد.

هذه قصة الحكاية صفر أو قانون العواقب غير المقصودة.

الكاهن يوحنا.

الخديعة الكبرىفشلت الحملات الصليبية التى دارت رحالها فى الشرق وبيت المقدس، رغم ما أعد لها من حشود جماهيرية واستثارة دينية ووعد بالغفران من قبل بابا روما.

هنا تفتق ذهن ولاة الأمر على اجتراح" رسالة الكاهن يوحنا" إلى الإمبراطور البيزنطى.

والتى يخبره فيها بوجود ملك مسيحى أؤتى ملكا شاسعا وثروة عظيمة سيتولى الدفاع عن مسيحى أوروبا ضد اضطهاد المسلمين.

وكانت حيلة ماكرة لرفع معنويات الشعوب الأوروبية جراء الهزائم المتوالية للحروب الصليبية، لكنها تحولت إلى حافز جغرافى دفع بالمستكشفين البرتغاليين للبحث عن هذه المملكة فى الحبشة.

ولكن الحقائق كانت أكثر تشابكا وتعقيدا.

فبسبب الحروب الصليبية كان يتم تهديد حكام مصر الأيوبيين للتدخل لوقف اضطهاد الحجاج المسيحيين واستخدام النيل كورقة ضغط.

لذلك اعتاد السلاطين إيفاد البطريك القبطى إلى أثيوبيا لتلطيف الأجواء.

‎كان الصراع ممتدا بين حكام مصر والبرتغاليين وبلغ ذروته حين اقترح مستكشف برتغالى تحويل النيل شرقا باتجاه البحر الأحمر، رحلت الأسطورة لنكتشف أن البحث عن منابع النيل كان دافعه الوصول إلى الملك الشرقى المزعوم وفقا لرسالة الكاهن يوحنا واستخدام النيل كسلاح للجوع والعطش.

سقطت غرناطة وسلم ملكها أبى عبد الله الصغير مفتاح المدينة للملكة إيزابيلا وزوجها فرديناند عام 1492م وهو تاريخ قيل عنه: أنه العام الذى بدأ فيه العالم وتزامن فى نفس العام اكتشاف كولومبوس لأمريكا.

ومن خلال الاستبصارات الذكية يمضى بنا د.

الغمرى لفك شفرة هذه الحكاية التى لم ترو بهذا السياق من قبل راصدا آثارها باستبصارات ذكية ملهمة تدفع القارئ لاستدعاء نفس أدوات الكاتب فى القياس والمقاربة.

فالخيط الأساسى للحكايات يربطها بقانون العواقب غير المقصودة.

أو قانون انسداد الأفق.

لكن حين قرأت عن اكتشاف أمريكا.

استدعيت على الفور الصياغة الفرضية الشهيرة: " ماذا لو لم يحدث لك! " التى يتم استدعاؤها أحيانا للمقارنة بين وضعين، عدم قيام الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال.

الكتاب فى مجمله يستدعى هذه الصياغة بصورة مبتكرة: " ماذا لو لم تحدث هذه العواقب غير المقصودة؟ الإجابة فى هذه الحكاية سيكون جوابها: ربما لم تكتشف أمريكا إلا بعد عقود عديدة أو قرن من الزمان! وفقا للسرد المشوق للحكاية فسقوط غرناطة وتوافر الذهب والأموال التى أمكن الاستيلاء عليها من قصور غرناطة كان بمثابة بنك التمويل لرحلات كولومبس فقد قوبل طلبه بالسفر لاستكشاف أمريكا بالرفض مرارا وتكرارا من قبل الملكة إيزابيلا لكن سقوط غرناطة وفر الأجواء اللازمة لموافقتها.

وانتقل المقاتلين الذين كانوا يحاربون فى الأندلس للسفر مع كولومبس إلى أمريكا حيث نقلوا حروبهم الوحشية وأبادوا حضارة الإنكا والإزتيك فى أمريكا اللاتينية.

ترتب على ذلك استقدام السلطان العثمانى بايزيد الثانى مئات الآلات من الأندلسيين فى الدولة العثمانية للاستفادة من علمهم ومعارفهم وخبراتهم التى تمثل خلاصة ثمانية قرون من أسرار العلم والطب والفلسفة.

‎أما أوروبا فقد استفادت من المخطوطات العربية فى الأندلس ومن مركز الترجمة والتأليف الأكبر فى العالم.

من هذا الركام المعرفى.

ولدت بذور الثورة العلمية فى الغرب.

وتم إعادة تشكيل حركة الملاحة العالمية وميلاد أمريكا كقوى عظمى بمواردها البشرية والمادية.

ميلاد الرأسمالية من الموت الأسود" الطاعون"هاجم الطاعون قارة آسيا فى منتصف القرن الرابع عشر وانتشر حتى وصل إلى أوروبا والإسكندرية وقضى بالموت على ثلث سكان أوروبا خلال أربع سنوات.

ويرسم د.

الغمرى لوحة تشكيلية للمشهد، تمور بالمأساة الإنسانية وتجسد قانون العواقب غير المقصودة، تفيض بالحس الدرامى والتاريخى، بريشة العالم الجليل الذى اعتاد على المنهج العلمى، فى فهم طبائع الأشياء وتفسير الظواهر، فهو يستجلب بسلاسة بالغة، كل الأسباب التى أفضت إلى النتائج، بأسلوب أدبى رفيع فى الشذرات التالية:‎" خلت الطرق من الحركة والمارة وأصبحت الإقطاعيات بلا فلاحين مات العمال وبقيت الأراضى، أصبحت ندرة العمال معضلة كبرى وكان هذا التحول من الخدمة القسرية إلى التعاقد المالى هو البذرة الأولى للنظام الرأسمالى الحديث، تفكك النظام الإقطاعى من الداخل، ليس بثورة ولا بتمرد، بل بانهيار البنية البشرية التى كان يعتمد عليها.

ولأول مرة فى التاريخ الأوروبى يحدث حراك طبقى، صدامات عنيفة شكلت وجه التاريخ السياسى وفتح الطريق أمام المفاهيم الحديثة عن الحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية.

نتج عن الطاعون فشل منظومة الطب التقليدى بعد أن عجزت عن تفسير أسباب الموت الأسود، وكان ذلك إيذانا بميلاد المنهج العلمى الذى سيقود لثورة علمية فى القرن السادس عشر.

مما أفضى إلى ميلاد موجة جديدة من الابتكارات والبحث عن وسائل لتقليل الاعتماد على البشر".

‎ويصحبنا كاتبنا إلى فضائه العلمى وتخصصه فى مجال اللغويات والذكاء الاصطناعى -وهو من أبرز علماء هذا المجال فى العالم العربى - وصراع الإنسان التاريخى مع الآلة الذى نشهد أوج شططه فى محاولات إقصاء البشر حاليا قائلاً عن مأساة الطاعون: " البشر يموتون ولابد من إيجاد شئ يحل محلهم، من خلال اختراعات أكبر وأكثر جرأة.

من صدمة واحدة ولد عالمان: الأول وجد طريقه للمستقبل، بينما ظل الشرق عالقاً فى ماضيه".

وهكذا يستنبط القارئ الكثير من الاستلهامات وأدوات القياس التى أمده بها الكتاب، مستمتعا بإعادة قراءة وتفسير وتحليل أحداث التاريخ بأفق أكثر رحابة ومعان متعددة.

‎يستحضر الكتاب عبق الماضى وشذاه – ما كان – متماهيا مع وطأة الحاضر وهمومه – ما هو كائن – مستشعرا وهج الغد وآماله – ما سيكون – تاريخ يحفل بثوابت القوى الاستعمارية على مدار الزمان ويؤكد حرصها الدائم، على تحريك الحدود وإعادة رسم الخرائط واستغلال الموارد والتحكم فى طرق التجارة العالمية وإنهاك اقتصادات الدول.

وهو فى كل ما تقدم لا يتبع السيل الجارف والتفسيرات الخاملة التى لا تأتى بجديد.

هكذا تتوالى ستة عشرة حكاية على هذا المنوال يستمتع بها قارئه كأنه يرتاد البساط السحرى الذى يسمح بالارتحال ورؤية العالم من أعلى بصورة أكثر وضوحاً وجمالاً وشمولاً، وتظل تلك الغلالة الإنسانية من أجمل ما يميز هذا الكتاب، وبارقة الأمل المتمثلة بعودة شعب البؤشمن فى إفريقيا إلى أرضه مرة أخرى.

وأخيرا فالأفراد شأن الأمم قد يتعثرون ويمرضون.

وتأتى الرياح بما لا تشتهى السفن فتعصف بطموحاتهم.

لذلك كان المأثور الشعبى فى مصر يردد دائماً هذا الدعاء مصحوبا بالرجاء: " ربنا يكفينا شر المستخبى" أو النتائج غير المقصودة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك