(CNN) -- في أحد الأزقة الضيقة بمدينة لكناو القديمة، يصل طبق من كباب غالاوتي الشهير إلى طاولة الزبائن في مطعم" Tunday Kababi" العريق.
يتناول الضيوف الكباب الطري مع خبز البراتا، بينما يواصل الطهاة إعداد دفعات جديدة من هذا الطبق الذي أصبح رمزًا للمطبخ المحلي.
يتكرّر هذا المشهد يوميًا منذ أجيال، في مدينة تعد من أهم العواصم الغذائية في الهند.
ورغم شهرة لكناو داخل الهند، فهي ظلت لسنوات بعيدة عن الأضواء العالمية مقارنة بمدن مثل دلهي ومومباي، رغم كونها الموطن التاريخي للمطبخ" الأودهي".
إلا أن هذا الوضع بدأ يتغير بعدما أعلنت اليونسكو في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2025، اختيار لوكناو، عاصمة ولاية أوتار براديش، ضمن شبكة المدن المبدعة في فنون الطهي، لتصبح ثاني مدينة هندية تحصل على هذا اللقب بعد حيدر آباد.
ونشأ المطبخ" الأودهي" في مطابخ حكام المنطقة المعروفين بـ" النواب" خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عندما أصبحت لوكناو مركزًا للحكم بعد انتقال العاصمة إليها.
وقد تأثر هذا المطبخ بفن الطبخ المغولي ذي الجذور الفارسية، لكنه اكتسب شخصية مستقلة بفضل استخدام المكونات المحلية وأساليب الطهي المتقنة، فجمع بين الفخامة الملكية والنكهات الإقليمية.
ويؤكد الطهاة والمؤرخون أن الاعتقاد الشائع بأن المطبخ" الأودهي" ثقيل ودسم ليس دقيقًا، إذ يعتمد في جوهره على التوازن والدقة والصبر أكثر من اعتماده على كثرة التوابل أو الدهون.
فالهدف هو خلق تناغم بين المكونات، مع استخدام مدروس للتوابل والروائح العطرية مثل الزعفران، وماء الورد، وخلاصة زهرة الكيوارا، بحيث تعزز النكهة من دون أن تطغى عليها.
ومن أبرز ما يميز هذا المطبخ تقنية" دم بوخت" في الطهي البطيئ داخل أوانٍ محكمة الإغلاق، حيث تُطهى اللحوم والأرز والخضار على نار هادئة، فيحتبس البخار داخل القدر ويمنح الطعام نكهة غنية وقوامًا طريًا.
وترتبط هذه الطريقة بحاكم لوكناو آصف الدولة، الذي يُقال إنه استخدمها خلال فترة مجاعة لإعداد كميات كبيرة من الطعام للعمال، قبل أن تنتقل إلى المطابخ الملكية وتصبح علامة مميزة للمطبخ" الأودهي".
ويتميز الطهاة أيضًا بأسلوب متقن في استخدام التوابل، إذ تُضاف تدريجيًا أثناء الطهي لبناء طبقات من النكهة، كما تُستخدم أكياس قماش صغيرة تحتوي على التوابل الكاملة لمنح الطعام رائحة مميزة من دون أن تؤثر على قوامه.
ويعد كباب" غالاوتي" أشهر أطباق لكناو، إذ يحضر من لحم مفروم ناعم جدًا مع خليط معقد من التوابل والبابايا الخضراء التي تساعد على تطرية اللحم، حتى يصبح يذوب في الفم.
وتروي الحكايات الشعبية أنه صمم خصيصًا لحاكم مسن فقد قدرته على مضغ اللحم القاسي.
ولا يزال مطعم" Tunday Kababi"، الذي يزيد تاريخ تأسيسه على 120 عامًا، يقدم هذا الطبق وفق وصفة سرية تضم عشرات التوابل.
ومن الأطباق الشهيرة أيضًا كباب" كاكوري" المشوي على الأسياخ، إضافة إلى كباب" الشامي" و" البوتي".
أما في أطباق الأرز، فيبرز برياني" لوكناو" الذي يختلف عن برياني" حيدر آباد" بأنه أخف وأكثر عطرية، إذ يُطهى اللحم أولًا ثم يُضاف إلى الأرز ويُستكمل الطهي بطريقة" دم بوخت"، ما يمنح كل حبة أرز نكهة متوازنة.
وتُقدّم هذه الأطباق مع أنواع خبز تقليدية مثل" شيرمال" المحلى بالزعفران والحليب و" رومالي روتي" الرقيق.
ولا تقتصر هوية لوكناو الغذائية على اللحوم، فالمطبخ النباتي يحتل مكانة مهمة فيه أيضًا.
وتشتهر المدينة بأطباق مثل" الكتشوري المحشو بالعدس، وحلوى الجزر الأسود، و" مالاي مخان" المصنوعة من قشدة الحليب، و" مالاي جيلوري" المحشوة بالفاكهة المجففة.
كما تعد أطعمة الشارع مثل" ألو تيكي"، و" باني بوري"، و" داهي بهالا" جزءًا أساسيًا من الثقافة المحلية، لما تتميز به من توازن بين الحلاوة والحموضة والبهارات.
ولا يزال كثير من مطاعم وأسواق أحياء" تشوك" و" أمين آباد" يعتمد على الطرق التقليدية، مثل طحن التوابل يدويًا والطهي على الفحم، إلى جانب وصفات توارثتها العائلات عبر الأجيال.
كما لعبت المطابخ المنزلية، خصوصًا النساء، دورًا محوريًا في حفظ هذا التراث ونقله، من خلال تطوير الوصفات والمحافظة عليها.
ورغم هذا الإرث، يخشى المختصون اندثار بعض الأطباق التقليدية مثل" خيشدا" و" زردة" و" خميري روتي"، ما يدفعهم إلى المطالبة بإقامة مهرجانات ومبادرات مجتمعية لإحيائها.
ويرى الخبراء أن اعتراف اليونسكو يمثل فرصة للحفاظ على تقنيات الطهي الأصلية وتوثيقها وتدريب الأجيال الجديدة عليها، وليس مجرد الترويج للأطباق الأكثر شهرة.
كما أدى هذا الاعتراف إلى زيادة اهتمام السياح بتجارب الطعام المحلية، بما في ذلك الزيارات المنزلية والجولات التي تشرح تاريخ الأطباق ومعانيها الثقافية.
ومع تزايد الاهتمام العالمي بالمطابخ الإقليمية، يعتقد الطهاة أن المطبخ الأودهـي يمتلك مقومات الانتشار بفضل نكهاته المتوازنة وتقنياته الراقية.
ويؤكدون أن الحفاظ على أصالته مع تطوير أساليب تقديمه هو السبيل لضمان استمراره عالميًا، ليظل تراثًا حيًا يجمع بين التاريخ والمهارة والابتكار، الأمر الذي جعل لوكناو تستحق مكانتها كإحدى أهم مدن فنون الطهي في العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك