Independent عربية - أوكرانيا تقر بعدم وجود تحول ميداني كبير رغم بطء تقدم الروس التلفزيون العربي - تخضع لاختبارات وتحصل على شهادات.. مدرسة طلابها من الروبوتات في الصين وكالة سبوتنيك - الخارجية الروسية: الغرب يزود نظام كييف بطائرات مسيرة للاغتيالات قناة التليفزيون العربي - تفجيرات دمشق.. توقيف خلية تتبع لتنظيم الدولة متورطة في الهجوم الجزيرة نت - بعد سنوات من التعليق.. سوريا تستعيد حقوقها في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الجزيرة نت - ثلاث رصاصات وضرب على مناطق حساسة.. عائلة أسير فلسطيني تدعو لإنقاذ حياته القدس العربي - أكاديمي بريطاني: الإسلاموفوبيا مشروع عنصري منطقُه يقود للإبادة وكالة سبوتنيك - تقارير تكشف عن تحرك قطري بعد التوترات الأخيرة بين إيران وأمريكا العربية نت - لعبة "Assassin's Creed Black Flag" تحطم رقمًا قياسيًا على "ستيم" قناة التليفزيون العربي - فرنسا تنهي رحلة المنتخبات العربية في كأس العالم وبلجيكا تسعى لتحقيق مفاجأة في مواجهة إسبانيا
عامة

الجبايات في السودان: حرب أخرى تقصم ظهور التجار

Independent عربية
Independent عربية منذ 59 دقيقة

لم تعد تداعيات الحرب السودانية المندلعة بين الجيش وقوات" الدعم السريع" لأكثر من 38 شهراً تقتصر على المواجهات العسكرية فحسب، بل امتدت لتطاول حياة المدنيين اليومية مع اتساع الفجوة بين مستويات الدخل في ظ...

لم تعد تداعيات الحرب السودانية المندلعة بين الجيش وقوات" الدعم السريع" لأكثر من 38 شهراً تقتصر على المواجهات العسكرية فحسب، بل امتدت لتطاول حياة المدنيين اليومية مع اتساع الفجوة بين مستويات الدخل في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع كلفة المعيشة وموجة الغلاء المتصاعدة وانهيار القدرة الشرائية، لا سيما أن الأزمة الاقتصادية في البلاد أصبحت أحد أبرز التحديات بسبب استمرار الصراع واتساع رقعته، ما أسهم في تنامي ظاهرة فوضى تعدد الجبايات سواء عبر القنوات الرسمية التي تفرضها الحكومة أو خفية خارج الأطر القانونية، وفي الحالتين حولت الحياة اليومية إلى معركة صامتة يخوضها الملايين من أجل البقاء.

ومع استمرار اعتماد السلطات على الجبايات المباشرة كمورد أساسي في ظل تعطل عجلة الإنتاج، يحذر مراقبون من هذه السياسة التي قد تؤدي إلى نتائج عكسية من بينها تشجيع الاقتصاد الموازي والتهرب الضريبي، مما يحرم الدولة من موارد منظمة، فضلاً عن تعميق حال الركود التضخمي التي تضرب البلاد.

في المقابل يرى اقتصاديون أن الضغط الضريبي المكثف يسهم في خنق النشاط التجاري، إذ يضطر التجار إلى استقطاع مبالغ طائلة من رأسمالهم التشغيلي لسداد هذه الرسوم، مما يهدد بإغلاق محالهم التجارية، وخروجها من دائرة الإنتاج أو اللجوء إلى رفع الأسعار، والذي يؤدي بدوره إلى انعكاسات ترمي بظلالها السلبية على المواطنين الذين يعانون أصلاً من تدهور تأمين أبسط المتطلبات الأساسية.

وفي بلد يرزح اقتصاده تحت أعباء متلاحقة تتصاعد شكاوى التجار وسائقي الشاحنات من الجبايات الباهظة على المحال التجارية أو الطرق القومية عبر نقاط تفتيش مجهولة لا تستند إلى جهات رسمية.

تقول المواطنة سيدة الصافي العائدة إلى السودان إن" القرارات التي أصدرها رئيس مجلس الوزراء في شأن إعفاء الأثاثات المنزلية والأجهزة الكهربائية من الرسوم الجمركية كانت بمثابة تشجيع لنا في جلب الأغراض المنزلية الشخصية، لكن تفاجأنا بأنها قرارات غير نافذة ومجرد حبر على ورق ولا أساس لتطبيقها على أرض الواقع مع الاستمرار في التحصيل، على رغم أنها قرارات مركزية".

وأضافت الصافي" السلطات الجمركية لم تلتزم عملياً بتنفيذ القرار وتفرض رسوماً مختلفة على الأثاث المنزلي المستعمل، في حين أنه لا يحمل طابعاً تجارياً، ويقتصر على مقتنيات جرى استخدامها مسبقاً، مما حدا بجميع العائدين للسودان بيع أمتعتهم بأثمان زهيدة، إذ كانوا يأملون في إحضارها إلى منازلهم التي أصبحت خالية من الممتلكات بعد نهبها وتدمير ما تبقى".

وأشارت إلى أنه" بات واضحاً وجود فجوة بين القرارات الرسمية والتطبيق العملي، إذ إن الشراء من داخل السودان أصبح أمراً شبه مستحيل نتيجة ارتفاع الأسعار، وفي النهاية المواطن يكون رهيناً للرسوم والجبايات".

في السياق، يوضح عوض حامد وهو تاجر يعمل في سوق أم درمان أن" الجبايات ظاهرة تنامت بشكل مقلق، وأصبحت هاجساً يؤرق التجار في الأسواق داخل العاصمة، وتعد أعباء إضافية يتحملها التجار والمواطنون على حدٍ سواء، وعلى وجه الخصوص المواطنين عبر زيادات في أسعار السلع الاستهلاكية، وفي تقديري أن هذه الرسوم التي ندفعها ليست مقابل خدمات نراها على أرض الواقع، وإنما لسد عجز موازنات المحليات بسبب الحرب".

وتابع عوض" نجد أن ملايين المواطنين منذ اندلاع الحرب في السودان تراجعت مصادر أرزاقهم وتدهورت قدرتهم الشرائية، وأصبح هناك ركود في الأسواق، مما أدى إلى لجوء غالبية صغار التجار إلى إغلاق محالهم التجارية وخروجهم من دائرة العمل والإنتاج بسبب عدم القدرة على سداد الفواتير الباهظة من جهات مختلفة بتنا لا نعرف مصدرها".

واستطرد" هذه السياسة التي تتبعها الحكومة عبر المحليات في التحصيل المتكرر تقود بدورها إلى خنق النشاط التجاري، وجعلت التجارة السودانية عند مفترق طرق، مما يستوجب استعادتها إلى وضعها الطبيعي أو مواجهة نزيف مالي لا يتوقف".

وأشار التاجر إلى أن" ظاهرة الجبايات التي تحولت إلى واقع يومي ليست وليدة الوضع الراهن، بل إفراز حكومات وتعاقبت عليها عهود، بيد أن الحرب أسهمت أن تكون بإشكال مختلفة معظمها خفية لا تستند إلى جهات رسمية".

بدوره، يرى صومالي عثمان، وهو أحد سائقي الشاحنات التجارية أن" الشاحنات التجارية حتى بلوغ وجهتها تحول مسارها إلى استنزاف مالي وحال من الإنفاق يصل أحياناً إلى ثلث قيمة البضاعة نفسها، ويلعب ذلك دوراً كبيراً في ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية".

وتابع عثمان، " حقيقة أصبحنا نعاني من عدم وجود سقف محدد في الرسوم، وعلى طول الطرق القومية هناك سلسلة من الجبايات والإيصالات وفي الواقع باتت ابتزازات واضحة لا تتوقف إلا عند أبواب المخازن، وحين وصولها إلى رفوف المحال التجارية تكون قد وضعت لها أسعار لا يتحملها المواطن".

ولفت إلى أن" سائقي الشاحنات يشكون من تعدد نقاط التحصيل، بخاصة عند نقل السلع من الولاية الشمالية حتى وصولها إلى العاصمة الخرطوم، فضلاً عن الإيقاف للتفتيش الدقيق بحجة نقلها لمناطق سيطرة ’الدعم السريع‘ في دارفور وكردفان، وبالتالي تكون باباً آخر للجبايات".

ومضى سائق الشاحنة قائلاً" أصبحنا في مواجهة معضلة شائكة في الحياة، إما التعطيل أو الاستسلام إلى تجاوزات تتفاقم بصورة يومية في تحصيل رسوم من الممكن أن تصل إلى ثلاثة ملايين جنيه سوداني (4995 دولاراً)، وهذه أرقام خيالية في ظل اقتصاد متقلب وتدهور حاد في سعر صرف الجنيه في السوق الموازية"، منوهاً إلى أنه" من المفترض أن تكون هناك رقابة على التحصيل خارج الأطر القانونية للحد من الجبايات العشوائية التي قصمت ظهر التجار وأصحاب الشاحنات والمواطنين".

في المنحى ذاته، قال المحلل الاقتصادي مهند محمود، " من المعلوم أنه كلما طال أمد الحرب في السودان باتت أشد قسوة على الحياة في أوجهها كافة، بخاصة في ما يتعلق بالرسوم والجبايات والضرائب، وأصبح جلياً أن أصحاب المحال التجارية يخوضون معركة مع كلفة البقاء".

وأشار إلى أن" المشكلة الحقيقية لم تعد في الدمار فقط، بل في الطريقة التي تدار بها الدولة اقتصادياً، فبدلاً من التعامل مع القطاع الخاص بأنه شريك في إعادة بناء الاقتصاد أصبح يعامل في كثير من الأحيان باعتباره هدفاً للتحصيل".

وزاد المتحدث" فمثلاً في مدينة أم درمان وحدها هناك تجار فقدوا محالهم بالكامل بعد أن تعرضت للحرق والنهب والتدمير، وظلوا طوال سنوات الحرب خارج النشاط التجاري، ومع ذلك عند عودتهم إلى أسواق الخرطوم وبحري والسجانة وغيرها كانت في انتظارهم مفارقات قاسية متمثلة في تحصيلات رسوم وجبايات طائلة على المحال التجارية والنظافة واللوحات ورسوم المهن والأنشطة المختلفة، وكأنهم لم يخسروا رؤوس أموالهم، إذ إن كثيراً منهم بالكاد يحاول استعادة الحد الأدنى من نشاطه بعد توقف وخسائر لم يراع فيها أن الحرب أفقرتهم".

وتابع، " الجبايات بعد الحرب أصبحت مصطلحاً فضفاضاً يضم عشرات الأنواع من التحصيل، فهناك ضرائب قانونية تذهب لوزارة المالية، وهناك رسوم زكاة ورسوم ولائية ومحليات وخدمات وتخليص جمركي وتفتيش وجودة، إضافة إلى أخرى تفرض على الطرق والأسواق من دون تعريف أو مقابل حقيقي، واقتصادياً هناك فرق بين الضريبة والرسوم والجباية، فالضريبة تفرض بالقانون أما الرسوم تكون مقابلاً لخدمة محددة، لكن الجباية تبدأ حين يتحول التحصيل نفسه إلى هدف، ويكون الدفع على نحو متكرر من دون اعتبار للأثر الاقتصادي، لذلك من الصعب إلغاء الجبايات التي تنامت منذ عهود وشكلت اقتصاداً يقوم على أسهل طريقة لزيادة الإيرادات، وفي تقديري أن التحدي الحقيقي ليس في إلغاء الجبايات، بل يكمن في تفكيك شبكة التحصيل المعقدة التي باتت عبئاً على الاقتصاد".

ولفت المحلل الاقتصادي إلى أن" الأخطر في الأمر أن هذه الرسوم تفرض في وقت يعاني الاقتصاد أصلاً من انهيار التمويل وارتفاع كلفة التشغيل وضعف القوة الشرائية وارتفاع سعر الدولار وتدهور البنية التحتية، أي أن الدولة تضع أعباء جديدة فوق اقتصاد يترنح تحت وطأة الحرب".

وختم حديثه بالإشارة إلى أن" الوضع الراهن في البلاد لا يحتاج للمزيد من الرسوم، وإنما إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد وإدراك أن التاجر الذي عاد يحتاج إلى دعم لا أن يطارد بالرسوم، وأن المنتج الذي يحاول الاستمرار يجب أن يخفف الأعباء، وأن بناء الاقتصاد الحقيقي لا يبدأ بكثرة التحصيل، بل بقدرة المواطنين على الإنتاج والعمل والاستمرار".

على نحو متصل، أكد الباحث الاقتصادي محمد الناير أن" الجبايات، بخاصة غير القانونية لها تأثير مباشر على الاقتصاد السوداني، ومعلوم أصبحت هناك جبايات ورسوم تفرض من الحكومة المركزية أو الولائية أو المحليات مع التركيز على الأخيرتين، على رغم التوجيهات العليا من قبل الدولة، إلا أن القرارات لم تنفذ، وبالتالي هناك استمرار في فرض الجبايات مع غياب الرقابة، الأمر الذي خلق بيئة ملائمة للتجاوزات التي تضع التجار أمام خيارات إما الدفع أو الإغلاق".

وقال الناير" هذه الجبايات وتعدد منافذها تعيق انسياب البضائع إلى الأسواق، إلى جانب العقبات التي تعترض الشاحنات التجارية المحملة بالسلع سواء أثناء طريقها إلى الاستهلاك أو التصدير للخارج أو الواردات الآتية للبلاد، إذ إنها تفاقم من ارتفاع الأسعار التي يضعها التجار لسد الفجوة التي أحدثتها التحصيلات".

وأشار إلى أنه" لا بد من التنسيق التام داخل أروقة الدولة وأن يكون هناك احترام للقرارات، وأن توفر حماية لحركة الشاحنات والمحال التجارية حتى يتمكن القطاع التجاري والاقتصادي من العودة بصورة أفضل إلى ما كان عليه قبل الحرب مع توحيد قنوات التحصيل المتعددة في نافذة واحدة لتحسين جودة القطاع التجاري في البلاد".

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك