عادت مياه الخليج لتغلي من جديد، متحولة إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودوليةفي مواجهة أمريكية-إيرانية مفتوحة على كافة السيناريوهات.
فبينما كان العالم يترقب صمود" مذكرة التفاهم" الهشة التي وُقعت في 18 جوان الماضي، جاءت أحداث مضيق هرمز لتعلن صراحة أن" دبلوماسية التفاهم" لم تكن سوى استراحة محارب، وأن المنطقة قد عادت لتُدار بـ" لغة الميدان والنار".
لم تعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها المنطقة خلال اليومين الماضيين مجرد مناوشات عسكرية عابرة، بل تحولت إلى صراع مفتوح لليوم الثاني على التوالي.
ففي تطور نوعي، نفذت القوات الأمريكية (سنتكوم) ضربات مكثفة استهدفت نحو 90 موقعا عسكريا إيرانيا، من رادارات وأنظمة دفاع جوي ومراكز تخزين صواريخ ومسيرات على طول الساحل الإيراني، في محاولة لإضعاف سيطرة طهران على الممر الحيوي.
وبالمقابل، اتخذ الرد الإيراني طابعا تصعيديا غير مسبوق عبر استهداف قواعد عسكرية أمريكية في الكويت (عريفجان وعلي السالم) والبحرين (الجفير والشيخ عيسى)، مستخدمة الصواريخ والطائرات المسيرة.
هذه الضربات المتبادلة تكشف أن" الاشتباك" لم يعد تكتيكيا، بل استراتيجيا، حيث تسعى واشنطن لشل القدرات اللوجستية الإيرانية، بينما ترسل طهران رسالة واضحة بأن عمق الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بات في مرمى نيرانها، وذلك بعد تداعيات الضربات العسكرية التي طالت البنية التحتية الإيرانية، مثل تعليق خط السكك الحديدية بين طهران ومشهد، وسط مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي.
إن هذا المشهد يؤكد أن التفاوض انتقل من" طاولة الحوار" إلى" ميدان الاشتباك"، لندخل حالة" تفاوض إجباري" تحت سقف النار، حيث توظف كل قوة أوراقها الأمنية في اللحظات المفصلية ما قبل التسوية النهائية لانتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية.
لقد أدى إلغاء الخزانة الأمريكية لتراخيص النفط الإيراني -والتي كانت قد مُنحت بموجب مذكرة التفاهم الأخيرة- إلى تحويل سلاح الاقتصاد إلى" أداة عقاب ميدانية".
واليوم، تقف واشنطن متمسكة بقنوات التواصل خوفا من حرب شاملة تخرج عن السيطرة، بينما تجد طهران نفسها تحت ضغط مزدوج، داخلي في مرحلة انتقالية حساسة بعد رحيل خامنئي، واقتصادي وجودي جراء وقف تصدير النفط.
ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن الجبهة اللبنانية، حيث تحاول طهران ربط الملفات في" سلة تفاوضية" واحدة، بينما تصر واشنطن وحلفاؤها على فصل المسار اللبناني.
وفي وقت تبرز فيه ترتيبات لمحادثات في روما بين السفيرين اللبناني والصهيوني، يواجه لبنان انقساما داخليا حادا حول جدوى هذا الخيار في ظل موازين قوى ميدانية معقدة.
ولا تتوقف الاستراتيجية الإيرانية عند حدود الخليج ومضيق هرمز، بل تمتد لتشمل ورقة اليمن ومضيق باب المندب، حيث تبرز هذه الجبهة كأداة ضغط استراتيجية إضافية في جعبة طهران.
فمن خلال نفوذها لدى الحوثيين، تمتلك إيران القدرة على تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وهو ما يمنحها ورقة مساومة إضافية لا تقل أهمية عن مضيق هرمز.
إن إدراج هذه الجبهة ضمن دائرة التصعيد يعني أن طهران قادرة على خنق سلاسل الإمداد العالمية من الجنوب، مما يوسع مسرح العمليات ويجعل من أي مواجهة بحرية شاملة كابوسا لوجستياً للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، ويحول البحر الأحمر إلى ساحة اشتباك موازية تفرض على واشنطن تشتيت جهودها العسكرية والدبلوماسية بين الخليج والبحر الأحمر في آن معا.
وفي خضم ما يجري اليوم في هرمز فإن المسار الإيراني-الأمريكي يبدو أمام سيناريوهين، فإما التصعيد المنضبط وذلك من خلال العودة إلى طاولة المفاوضات عبر الوسطاء في قطر وباكستان بعد" استعراض قوة" يحفظ ماء الوجه، وتجديد شروط الهدنة بضمانات أكثر صرامة.
والسيناريو الثاني يتعلق بانهيار التفاهم وخروج الأمور عن السيطرة نتيجة خروقات عسكرية جسيمة بدفع مباشر من مجرم الحرب نتنياهو الذي سبق ان اعلن صراحة انتقاده ورفضه لاتفاق الهدنة الأخير، لذلك فان المغامرة العسكرية الراهنة تهدد بتعطل الملاحة الدولية وتجر المنطقة إلى مرحلة" اللا عودة" وتوسع رقعة الاشتباكات.
وتبقى الجولة الثانية من مفاوضات الدوحة المقبلة هي المحطة المفصلية، فهي ليست مجرد وسيط، بل الميزان الذي سيحدد ما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو" تسوية شاملة" تفرضها ضرورات تجنب الحرب الكبرى، أم أن تعنت الأطراف سيحولها إلى شاهد على انهيار آخر خطوط الدبلوماسية.
وفي المحصلة، تبدو المنطقة اليوم أمام إعادة رسم قواعد الاشتباك التقليدي بين طهران وواشنطن، فكلما اقتربت الأطراف من اتفاق، عادت نيران الميدان لتفرض قواعد اشتباك جديدة.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو ما إذا كان لدى الأطراف القدرة على منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة ومفتوحة لا يملك أحد ترف دفع فاتورتها الباهظة إقليميا ودوليا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك