قبل أسابيع قليلة، أثار إيداع تسعة تلاميذ بكالوريا السجن بتهمة الغشباستعمال سماعات دقيقة، قبل الإفراج عنهم لاحقاً، جدلاً واسعاً في تونس.
وتزامنت هذه الحادثة مع مبادرة برلمانيةلمراجعة النص القانوني المنظّم لزجر الغش، وهو نص تعود صيغته الأساسية إلى أمر علي صدر في أربعينيات القرن الماضي.
ولم تكن الواقعة معزولة، فقد سُجّلت في الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026 وحدها 955 حالة غش، وهو رقم يكشف أن الظاهرة تجاوزت حدود المخالفة الفردية لتغدو قضية تربوية واجتماعية تستحق فهماً أعمق.
ومع ذلك، انشغل جانب كبير من النقاش العمومي بسؤال العقوبة أكثر مما انشغل بالسؤال الذي يسبقه: لماذا أصبح الغش اليوم أكثر سهولة، وأكثر قابلية للتبرير، وأكثر تنظيماً مما كان عليه في السابق؟ إن اختزال الظاهرة في الذكاء الاصطناعي أو في ضعف الردع القانوني لا يفسّر إلا جزءاً من الصورة.
فما نشهده هو نتيجة تحولات تراكمت على مدى سنوات، بدأت قبل 2011، ثم أعادت التحولات الاجتماعية والإعلامية تشكيلها، قبل أن تمنحها الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي أدوات غير مسبوقة.
من هذا المنطلق، لا يناقش هذا المقال العقوبات في حد ذاتها، بقدر ما يحاول قراءة ما تكشفه ظاهرة الغش عن التحولات التي طالت معنى الاستحقاق، والنزاهة، والنجاح في المجتمع.
وعند هذا المستوى، لا يعود الغش مجرد مخالفة تستوجب الزجر، بل يصبح مؤشراً على أزمة أعمق تمس الثقافة التي تمنح الامتحان قيمته، والتعليم معناه.
أولاً: من الغش الفردي إلى الغش المعزّز بالتكنولوجيا لم يبتكر الذكاء الاصطناعي الغش، لكنه غيّر طبيعته.
فمقارنة ما يحدث اليوم بما كان سائداً قبل عقود تكشف تحولاً يتجاوز مجرد تطور الوسائل، ليمس حجم الظاهرة وطريقة تنظيمها والعوامل التي تجعل الإقدام عليها أكثر سهولة.
حتى منتصف التسعينيات، ظلّ التعليم في تونس انتقائياً بامتياز، إذ كانت امتحانات وطنية فاصلة، كالسيزيام ثم النوفيام، تؤدي دور التصفية في كل مرحلة، فلا يبلغ التعليم الثانوي إلا من اجتاز تلك المحطات.
وفي ذلك السياق، ظل الغش في معظمه سلوكاً فردياً واستثنائياً، محدوداً في أدواته: ورقة مطوية، أو همس بين متجاورين، أو تواطؤ عارض مع أحد المراقبين.
ولم تكن له شبكات تنظيمية، ولا سوق موازية، ولا درجة من القبول الاجتماعي تُخفّف من وطأة الإقدام عليه.
ومع توسّع التعليم، وإلغاء الامتحانات الفاصلة، وانتشار الهاتف المحمول، بدأت الظاهرة تخرج تدريجياً من إطارها الفردي المحدود.
غير أن النقلة الحقيقية جاءت مع الذكاء الاصطناعي.
فهو لم يضف أداة جديدة إلى وسائل الغش فحسب، بل أعاد تشكيل منطقه، بحيث بات يتخذ صورتين متكاملتين: الأولى هي الغش الفوري، فبسبب السماعات الدقيقة أو التطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، أصبح الانتقال من التفكير في الغش إلى تنفيذه ممكناً في ثوانٍ.
وما كان في الماضي قراراً استثنائياً يتطلب إعداداً مسبقاً ومخاطرة محسوبة، تحول لدى بعض التلاميذ إلى استجابة شبه فورية، بعد أن أزالت التكنولوجيا جزءاً مهماً من العوائق النفسية والعملية التي كانت تكبحه.
أما الثانية فهي الغش المنظَّم، الذي يبدأ قبل الامتحان بوقت طويل، وتتداخل فيه أدوار متعددة: أطباء يمنحون تسهيلات طبية، ومدرسون يسرّبون الامتحانات أو الحلول، وعائلات تتحمل التكاليف، ووسطاء يديرون سوقاً موازية لخدمات الغش.
وهنا لا تكتفي التكنولوجيا باختصار المسافة بين الرغبة والفعل.
إنها تصبح جزءاً من منظومة كاملة تتوزع فيها المسؤوليات والمصالح.
وبهذا يتحول الغش من خرق فردي للقاعدة إلى مشروع جماعي، تُخفى فيه المسؤوليات أكثر مما تُعلن.
وهكذا، لم يغيّر الذكاء الاصطناعي وسائل الغش فقط، وإنما غيّر أيضاً العلاقة بين الفرد والقاعدة.
فكلما انخفضت الكلفة النفسية والعملية لمخالفة القواعد، تقلّصت المسافة بين التفكير في تجاوزها والإقدام على ذلك.
ومن هنا يبدأ التحول الحقيقي، الذي يتجاوز التكنولوجيا نفسها.
لم يعد السؤال: كيف يتم الغش؟ بل: كيف تغيّرت نظرة المجتمع إلى الغش وإلى الاستحقاق معاً؟ ثانياً: من العيب المستور إلى التحايل المبرَّر إذا كانت التكنولوجيا قد سهّلت الغش، فإن التحول الأعمق يطال النظرة إليه.
فقد كان الغشاش يُخفي فعله خوفاً من العقاب أو الوصم الاجتماعي، أما اليوم فيجد في بعض الفضاءات الرقمية من يحتفي بقدرته على الالتفاف على القواعد، بل صارت وسائل التحايل تُتداول أحياناً بوصفها" مهارة" تستحق الإعجاب، لا سلوكاً يستوجب الإدانة.
ولمسنا هذا التحول مباشرة في إحدى حصص التوجيه الجامعي المخصصة للناجحين الجدد، شاركنا في تنشيطها.
فقد روى أحد الطلبة القدامى، أمام الحاضرين وبكل تلقائية ودون أدنى حرج، أنه استعمل" الكيت" في امتحان البكالوريا ولم يُكتشف أمره، وكأن الإفلات من الرقابة تفصيل عابر في قصة نجاح جديرة بأن تُروى أمام جيل جديد.
والأكثر دلالة أن استغرابنا لهذه الرواية بدا أكبر بكثير من استغراب الحاضرين أنفسهم، الذين تلقّوها بقدرمن العادية وكأنها لا تخرج عن المألوف.
لم يكن اللافت إذن فعل الغش في حد ذاته، بل غياب الشعور، لدى الراوي ومستمعيه على حد سواء، بأن الاعتراف به يستدعي شيئاً من الخجل أو التحفظ.
ولا يقتصر هذا التحول على قاعة الامتحان وحدها.
ففي الفضاء الرقمي نفسه، تتجاور تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تُحسّن صور الهوية الرقمية للأفراد أو تُعيد تشكيلها مع تلك التي تُجيب عن أسئلة الامتحان في ثوانٍ، وكلتاهما تنتميان إلى ثقافة أوسع تُطبّع الاستعانة بالأدوات الخارجية لتحسين النتيجة، أكانت صورة الجسد أم صورة المعرفة، في سياقٍ يتراجع فيه الإحساس بأن ذلك ليس سوى شكلٍ من أشكال التزييف لما هو حقيقي.
وتؤكد أحاديث متفرقة أجريناها مع تلاميذ المرحلتين الإعدادية والثانوية هذا الانزياح القيمي.
فأغلبهم لا يدافع عن الغش من حيث المبدأ، لكنه لا يتردد في اللجوء إليه إذا توفرت فرصة مضمونة لا تُعرّض صاحبها للعقوبة.
وما استوقفنا ليس قبول الغش بقدر ما هو سرعة الانتقال من رفضه نظرياً إلى تبريره عملياً متى انخفضت كلفته، ذلك أن القيم لا تُقاس بما يعلنه الأفراد في الخطاب، وإنما بما يختارونه حين تتاح لهم فرصة مخالفتها دون ثمن يُذكر.
ثالثاً: حين تُعيد البيئة تعريف النجاح غير أن هذا التحول لا تصنعه التكنولوجيا وحدها، بل يتغذى أيضاً من بيئة اجتماعية وإعلامية تعيد تعريف النجاح نفسه.
فلم تعد المدرسة والأسرة المصدرين الرئيسيين لبناء القيم، وصار جزء كبير من تصورات الشباب عن النجاح يتشكل في فضاءات رقمية يحكمها منطق التفاعل والانتشار أكثر مما يحكمها منطق المعرفة والاستحقاق.
ولعلّ أخطر تجليات هذا المنطق تظهر في الممارسة الإعلامية، لأنها لا تكتفي بنقل الوقائع، بل تسهم في تأطيرها وصناعة المعاني التي تُوجّه فهم المجتمع لها.
فقد نشرنا حواراً صحفياً حول نتائج بكالوريا 2024 بمختلف شعبها، تضمن جملةً من الملاحظات والتحليلات، من بينها الإشارة إلى توجّه عدد من التلاميذ نحو شعبة الاقتصاد والتصرف هرباً من" الشعب الأكثر ضغطاً"، واعتبرنا ذلك تعبيراً عن ثقافة" التسليك والتكتيك والنجاح السهل".
إلا أن العنوان الذي صدر به الحوار اختزل مضمونه في هذه الفكرة وحدها: " ثقافة التسليك والتكتيك والنجاح السهل.
هذا ما تميزت به باكالوريا 2024" ولا يتعلق الأمر هنا بحالة معزولة، بقدر ما يعكس تحولاً أوسع تكتسب فيه العناوين، بفعل محركات البحث ومنطق التفاعل، استقلالاً عن النصوص التي تصدر عنها.
حين تصبح قابلية المحتوى للانتشار أهم من الفكرة التي يحملها، لا يتغير عرض الأخبار وحده، بل تتغير معه المعايير التي يُقاس بها النجاح، فيصبح لفت الانتباه أثمن من جودة الفكرة.
ولا تتوقف هذه الرسائل عند حدود الفضاء العام، بل تمتد إلى المؤسسة التعليمية نفسها، حيث تتكرر شكاوى الأولياء والتلاميذ من ممارسات، لدى بعض المدرسين، مثل تحويل الحصة المدرسية إلى وسيلة لاستقطاب التلاميذ نحو الدروس الخصوصية، أو الإيحاء بأن من يدفعون يحظون بأسئلة أقرب إلى ما قد يرد في الامتحان.
وحين يجد الأولياء أنفسهم، بتعبيرهم، مضطرين إلى" الإذعان للأمر الواقع"، يصبح الحديث عن النزاهة موجهاً إلى التلميذ وحده، بينما تتراجع المساءلة في مستويات أعلى، وهو منطق يجد امتداده، بدرجات متفاوتة، في التعليم العالي، إذ تشير شهادات من داخل الجامعة التونسيةإلى أن منطق الالتفاف على الاستحقاق لا يقتصر على مسارات الترقية الأكاديمية، حيث قد تتحول الولاءات، في بعض السياقات، إلى معيار للتقدم المهني، بل ينسحب أيضاً على بعض أنماط العلاقة بين المدرسين والطلبة، بما قد يرافقها من تجاوزات تُضعف الثقة في المؤسسة الجامعية وفي قدرتها على تجسيد قيم الإنصاف والجدارة.
(لمزيد التفاصيل حول هذا الموضوع يُنظر: - الماجري، الأزهر2023" في جحيم الجامعة: الأساتذة الباحثون بين الضغط والصمت والانهيار" - الشيخ الزوالي مصطفى(2024 ): بن علي والنخبة التونسية ( خاصة الفصل المعنون: " بعض مظاهر تخريب التعليم العالي زمن حكم بن علي" ) - Mansouri, Mohamed Tahar.
Les amphis du silence.
Tunis: Irtihal, 2012.
في مثل هذه البيئة، لا يعود الغش مجرد مخالفة داخل قاعة الامتحان، بل يغدو عرضاً لأزمة أوسع تمس معنى النجاح نفسه، وتُضعف الصلة بين النتيجة والطريق الذي يقود إليها.
رابعاً: لماذا لا تكفي العقوبة وحدها؟ إذا لم يعد الغش يُنظر إليه باعتباره عيباً أخلاقياً بالقدر الذي كان عليه في السابق، فمن الطبيعي ألا يكون تشديد العقوبات وحده كافياً للحد منه.
فالقانون يستطيع أن يحمي الامتحان، لكنه لا يستطيع، بمفرده، أن يعيد بناء الثقافة التي تمنح هذا الامتحان معناه.
ويكشف الجدل الذي رافق قضية تلاميذ سليانة هذا التحول بوضوح.
فما إن انتشرت أخبار إيداعهم السجن حتى انتقل النقاش سريعاً من تقييم الفعل إلى تقييم مصير مرتكبيه، من سؤال: هل الغش مرفوض؟ إلى سؤال: هل كانت العقوبة مناسبة؟ ولا يعني ذلك التقليل من أهمية العقوبة.
فكل امتحان وطني يحتاج إلى قواعد واضحة وجزاءات رادعة تحمي تكافؤ الفرص.
غير أن الردع يفقد جزءاً كبيراً من فعاليته حين يلاحظ الناشئة، داخل المجتمع نفسه، أموراً ثلاثة: الشهرة قد تُبنى بالإثارة لا بالجدارة، والنجاح يتحقق أحياناً بالعلاقات أكثر مما يتحقق بالكفاءة، والالتفاف على القواعد يُقابَل بالإعجاب أكثر مما يُقابَل بالاستنكار.
عندئذ تصبح المدرسة مطالبة بالدفاع عن قيم لا تجد دائماً ما يسندها خارج أسوارها.
ولذلك، فإن استعادة الثقة في النزاهة لا تمر فقط عبر تحديث التشريعات أو تطوير وسائل المراقبة، وإنما تبدأ أيضاً بتقليص الفجوة بين القيم التي يعلنها المجتمع، والقيم التي يكافئها فعلياً في ممارساته اليومية.
خامساً: بناء ثقافة الاستحقاق غير أن معالجة الأزمة ثقافياً لا تعني تجاهل طريقة تصميم الامتحان نفسه.
فالفجوة بين القيم المعلنة والقيم التي يكافئها المجتمع تجد في نموذج تقييم يضيق فيه هامش الفهم لصالح الاستظهار أرضاً خصبة للنمو.
فحين يصبح النجاح رهين القدرة على استرجاع معلومة بعينها في وقت محدد، يسهل على بعض التلاميذ تبرير الغش باعتباره التفافاً على نظام لا يقيس فهمهم الحقيقي.
ومن هنا، فإن إصلاح القيم وإصلاح التقييم حلقتان متصلتان لا مساران متوازيان.
غير أن إصلاح التقييم، على أهميته، لا يكفي إذا لم يرافقه بناء ثقافة تجعل النزاهة جزءاً من هوية الفرد، لا مجرد استجابة للخوف من العقوبة.
ففي عدد من الجامعات الأمريكية، يقوم" ميثاق الشرف" على تعهد يوقّعه الطالب عند كل اختبار بعدم تلقي أو تقديم أي مساعدة غير مشروعة، وتتولى لجان مستقلة التحقيق في كل إخلال به.
ولا تقتصر آثار مخالفة هذا الميثاق على العقوبة الآنية، إذ قد تترك أثراً دائماً في المسار الأكاديمي للطالب، وتؤثر في فرص قبوله في برامج الدراسات العليا أو حصوله على بعض المنح والوظائف التي تتطلب سجلاً أكاديمياً نزيهاً.
والغاية ليست تشديد العقوبات بقدر ما هي ترسيخ فكرة أن النزاهة جزء من السمعة الشخصية والثقة التي يقوم عليها المجتمع الجامعي.
وفي اليابان وفنلندا يبدأ هذا البناء منذ سن مبكرة، حيث يُربّى الطفل على أن احترام القاعدة قيمة شخصية قبل أن يكون استجابة لرقابة خارجية.
ويجمع بين هذه التجارب أنها لا تكتفي بفرض قواعد أكثر صرامة، بل تجعل العلاقة بين الجهد والنتيجة واضحة ومقنعة.
فحين يثق الطالب بأن النجاح يُبنى على الكفاءة، وأن الإخلال بالنزاهة يهدد سمعته الأكاديمية والمهنية، يصبح احترام القواعد خياراً أخلاقياً ومصلحة شخصية في آن واحد، لا مجرد استجابة لاحتمال العقوبة.
ومع ذلك، لا تُستنسخ هذه التجارب بمجرد استيراد آلياتها، لأن نجاحها ارتبط بسياقات اجتماعية تراكمت فيها الثقة بين المؤسسة والفرد عبر عقود.
لذلك، فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا لا نفعل مثلهم؟ بل: كيف نبني الشروط التي تجعل مثل هذه الآليات ذات معنى في مجتمع لا يزال كثيرون يتساءلون فيه عمّا إذا كانت الكفاءة هي فعلاً ما يُكافأ في الدراسة والعمل والإدارة؟ ومن هنا، فإن التحدي التونسي لا يقتصر على تحديث الامتحانات أو تشديد الرقابة، بل يتمثل في إعادة بناء الثقة في أن الطريق إلى النجاح لا يقل قيمة عن النجاح نفسه.
وعندها فقط تستطيع المدرسة أن تستعيد دورها بوصفها مؤسسة تصنع الاستحقاق، لا مجرد جهة تمنح الشهادات.
سادساً: ما بعد الغش: هل ما زال الامتحان يؤدي وظيفته؟ لا ينبغي أن يتوقف النقاش عند كيفية الحد من الغش، بل يتجاوزه إلى سؤال أهم: ما الوظيفة التي ينبغي أن يؤديها الامتحان في عصر الذكاء الاصطناعي؟ فهذا الأخير قادر اليوم على اجتياز كثير من الامتحانات في ثوانٍ، وهو ما يجعل التحدي الحقيقي ليس حماية الامتحان في حد ذاته، بل إعادة النظر في وظيفته وقدرته على قياس ما يستحق أن يُقاس، في عصر صارت فيه المعرفة متاحة أكثر من أي وقت مضى.
لقد كشف الذكاء الاصطناعي أن كثيراً من الامتحانات لم تعد تقيس ما يميّز الإنسان عن الآلة، إذ لم يعد التحدي يقتصر على ضمان نزاهة الاختبار، بل بات يتعلق بتصميم مهام تقيس الحكم النقدي، وبناء الحجة، وفهم السياقات، والإبداع، واتخاذ القرار، وهي مهارات يصعب اختزالها في إجابة جاهزة أو تفويضها إلى الآلة.
ولذلك، لم يعد المطلوب منع استخدام الذكاء الاصطناعي بقدر ما أصبح المطلوب تصميم امتحانات تحتفظ بقيمتها في حضوره.
وعند هذه النقطة، ينتقل النقاش من مكافحة الغش إلى إعادة التفكير في معنى التعلم نفسه، ويغدو إصلاح التقويم جزءاً من إصلاح المدرسة، لا مجرد تحديث لوسائل المراقبة.
الخاتمة ليس الغش في الامتحانات ظاهرة جديدة، ولن يكون الذكاء الاصطناعي آخر ما يغيّر وسائلها.
لكن ما تغيّر بالفعل هو أن المسافة بين الرغبة في تجاوز القاعدة والقدرة على تجاوزها أصبحت أقصر من أي وقت مضى، في الوقت نفسه الذي أخذت فيه فكرة الاستحقاق تواجه اختبارات متزايدة داخل المدرسة وخارجها.
ولهذا، فإن حماية الامتحان الوطني لا تبدأ من قاعة الامتحان وحدها، ولا تنتهي عند تحديث القوانين أو تطوير وسائل المراقبة.
إنها تبدأ من استعادة الانسجام بين القيم التي يعلنها المجتمع والقيم التي يكافئها في ممارساته اليومية، وتمر كذلك بإعادة التفكير في فلسفة التقويم ذاتها، حتى يصبح الامتحان أداة لقياس الفهم والتحليل وإصدار الحكم والإبداع، لا مجرد استرجاع معلومات تستطيع الآلة إنتاجها في لحظات.
فحين يفقد الامتحان معناه، لا تتراجع قيمة الشهادة فحسب، بل تبدأ فكرة الاستحقاق نفسها في فقدان قدرتها على تنظيم الثقة بين الأفراد والمؤسسات.
وعندئذ، لا يعود إصلاح الامتحان مجرد قضية تربوية، وإنما يصبح جزءاً من استعادة الثقة في أن النجاح الحقيقي لا ينفصل عن الطريق الذي يقود إليه.
وفي زمن أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على الإجابة عن كثير من الأسئلة التي نطرحها في امتحاناتنا، لم يعد السؤال الأساسي: كيف نحمي الامتحان؟ بل: ما الذي يستحق أن يقيسه الامتحان أصلاً؟ والإجابة عن هذا السؤال هي، في نهاية المطاف، الإجابة عن سؤال أكبر: أي إنسان نريد أن تُخرجه المدرسة؟
بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك