ينضم كتاب «عودة المرأة إلى حضن القداسة»، الصادر حديثاً عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمّان، إلى سلسلة الكتب التي تتناول واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر المعاصر، وهي طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، وحدود تأثير الحداثة والتحولات الاجتماعية في بنية الأسرة.
وتقدم مؤلفته، الباحثة في علم الاجتماع نور الدلالعة، رؤية تنطلق من مرجعية دينية وتاريخية، وتدافع عن فكرة مفادها أن الأزمة الراهنة ليست أزمة مساواة بين الجنسين بقدر ما هي أزمة فلسفية وأخلاقية نتجت عن هيمنة الرؤية المادية للإنسان.
لا يكتفي الكتاب بتشخيص الأزمة، بل يقترح إعادة بناء العلاقة بين الجنسين على أساس التكامل لا الصراع، معتبراً أن الأسرة تبقى الإطار الطبيعي لاستقرار المجتمع، وأن كثيراً من التحولات الفكرية الحديثة دفعت بالعلاقة بين الرجل والمرأة إلى فضاء المنافسة والخصومة، بدلاً من الشراكة.
هذه الأطروحة ليست جديدة في الفكر المحافظ، لكنها تكتسب خصوصيتها من محاولة المؤلفة إسنادها بمراجع تاريخية واجتماعية وأنثروبولوجية، في محاولة لتقديم تفسير متكامل لتحولات صورة المرأة عبر العصور، وربطها بالتحولات الاقتصادية والثقافية التي عرفها العالم.
ترى المؤلفة أن اتساع الهوة بين الرجل والمرأة هو نتاج مباشر للحداثة الغربية وما ارتبط بها من صعود الفردانية والنزعة الاستهلاكية.
وتذهب إلى أن الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، تحول داخل المنظومة الرأسمالية إلى سلعة، وأصبح يبحث عن هويته في الخارج أكثر من بحثه عنها في ذاته.
ومن هذا المنطلق، ترفض الكاتبة اختزال العلاقة بين الجنسين في معركة لإثبات الذات، معتبرة أن التكامل، لا التنافس، هو الأصل الذي قامت عليه المجتمعات الإنسانية.
قد يختلف القارئ مع هذا التشخيص أو مع بعض نتائجه، لكنه يبقى يمثل الإطار الفكري الذي تنتظم داخله بقية فصول الكتاب.
تبني المؤلفة تصورها على مجموعة من المبادئ، أبرزها أن الصراع بين الرجل والمرأة هو صراع على الأدوار الاجتماعية أكثر منه صراعاً على الصفات البيولوجية، كما تنتقد النسوية الراديكالية، وترى أنها لا تمثل جميع النساء، بل تعبر عن تيار فكري محدد.
كما تدعو إلى إعادة تعريف مفهومي الأنوثة والذكورة بعيداً عن التصورات التي أفرزتها النقاشات المعاصرة حول الجندر، وتؤكد أن المساواة بين الرجل والمرأة في الإسلام تقوم على وحدة التكليف والكرامة الإنسانية، مع الإقرار باختلاف الوظائف والأدوار.
وهنا يطرح الكتاب أفكاراً تستحق النقاش، لأنها تمس إحدى أكثر القضايا حساسية في المجتمعات العربية، وهي العلاقة بين المرجعية الدينية والخطابات الحقوقية الحديثة.
يخصص الكتاب مساحة واسعة لاستعراض صورة المرأة منذ العصر الحجري مروراً بالحضارات القديمة والعصور الوسطى والثورة الصناعية وصولاً إلى العصر الحديث.
ويحاول هذا المسار التاريخي إثبات أن مكانة المرأة لم تكن ثابتة، بل خضعت لتحولات مرتبطة بالبنية الاقتصادية وأنماط الإنتاج، قبل أن تنتقل المؤلفة إلى مقارنة هذه التحولات بما تعتبره تكريماً للمرأة في التصور الإسلامي.
ورغم أهمية هذا العرض التاريخي، فإن بعض محطاته تبدو أقرب إلى العرض الانتقائي الذي يخدم الفرضية الأساسية للكتاب، أكثر من كونها قراءة شاملة للتجربة التاريخية بكل تعقيداتها، وهو ما يفتح الباب أمام قراءات أخرى قد تصل إلى نتائج مختلفة.
يفرد الكتاب فصلاً للحديث عن المرأة في الإسلام، مستشهداً بنماذج تاريخية ونصوص دينية لإبراز مكانة المرأة وحقوقها، ويستند إلى شخصيات مثل أم عمارة وإلى الآية الكريمة من سورة الأحزاب التي تؤكد المساواة في التكليف والثواب.
ولا يكتفي بعرض هذه النماذج، بل يستخدمها أيضاً في نقد بعض القراءات التراثية التي حصرت دور المرأة في المجال المنزلي، معتبراً أن النصوص المؤسسة تمنحها مساحة أوسع للمشاركة في الشأن العام.
تكمن أهمية هذا العمل في أنه لا يكتفي بتقديم موقف فكري، بل يثير مجموعة من الأسئلة التي ما زالت مفتوحة في المجتمعات العربية: هل يمكن إعادة بناء الأسرة من دون إعادة تعريف العلاقة بين الرجل والمرأة؟ وهل تمثل الفردانية الحديثة تهديداً للأسرة، أم أنها أتاحت للمرأة والرجل معاً فضاءً أوسع لاختيار أنماط حياتهما؟ وهل يعود تفكك الأسرة إلى التحولات الفكرية وحدها، أم أن العوامل الاقتصادية والسياسية لا تقل تأثيراً عنها؟ مثل هذه الأسئلة تجعل الكتاب جزءاً من نقاش أوسع، أكثر من كونه محاولة لتقديم إجابات نهائية.
يقدم «عودة المرأة إلى حضن القداسة» أطروحة واضحة ومتماسكة تنتمي إلى المدرسة التي تدافع عن مركزية الأسرة والمرجعية الدينية في فهم العلاقة بين الرجل والمرأة.
وقد نجحت المؤلفة في بناء خطاب متماسك داخلياً، مستند إلى مراجع تاريخية واجتماعية ودينية، حتى وإن كانت بعض استنتاجاته ستظل محل نقاش لدى باحثين ينطلقون من مرجعيات فكرية مختلفة.
وبعيداً عن الاتفاق أو الاختلاف مع أطروحاته، فإن الكتاب يضيف صوتاً جديداً إلى النقاش الدائر حول الأسرة والهوية والتحولات الاجتماعية، وهو نقاش لا يبدو أنه سيفقد راهنيته في المستقبل القريب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك