اكتشفت أن الوضع المثالي لي أن أشاهد المباريات عبر قناة «الجزيرة مباشر»، التي لا تنقلها، ولكن تنقل المتفرجين من عواصم عدة، وتكتب النتيجة على الشاشة، وهذا ما يهم واحدًا مثلي!فأنا لست من المتفرجين على مباريات كرة القدم، وعليه، فلم أهتم إذا كانت باقة القنوات التلفزيونية في منزلي تشمل «بي إن سبورتس»، فما يهمني هو النتيجة، وقد كان هذا الاكتشاف لـ»الجزيرة مباشر» في مباراة فرنسا والمغرب، وبعد خروج المنتخبين المصري والمغربي، فلا يمثل لي كأس العالم أية قيمة تذكر، ويقال إن محمد أبو تريكة، اللاعب السابق والمحلل الرياضي الحالي في القناة المذكورة، قد واصل طريقه إلى قلوب الناس بانحيازه للمنتخب المصري، وهذا طبيعي، لكنه يملك من الخصال الشخصية ما يجعل وصوله سهلا، ورسالته تؤتي أكلها، وأسمع من أهل الذكر قولهم إنه تطور كثيرًا في التحليل الرياضي، لكنه يظل، مع ذلك، يملك سمة لا يملكها غيره، وهي امتلاك طبقة من الإحساس يفتقدها معلقون كبار، ربما أفضل منه.
وهذا عطاء الله يهبه لمن يشاء!وكانت مباراة مصر مع الأرجنتين فرصة لتأثر المصريين بأدائه، وهم يشعرون بظلم الحكم، وظلم الفيفا، وأن منتخبهم دفع ثمن عنصرية الآخر البغيضة، وكان مهمًا أن يجدوا من يؤوب معهم، ومن في قيمة أبو تريكة ومن قناة تنقل المباريات، مما يجعله يدخل كل بيت في الوطن العربي، بدون استئذان، فإذنه معه.
وهو دور أداه من قبل في مباريات أخرى، حيث كانت الأحوال غير الأحوال، ولم يتمكن، فيما سبق، من أن يلتقي المنتخب المصري في الدوحة، أو تجمعه صورة مع رئيس النادي الأهلي محمود الخطيب، لكن الأداء هذه المرة جاء في ظرف مختلف.
ومع النظام الحالي في مصر هناك معضلة يمثلها أبو تريكة، فالنظام الذي يمنعه من العودة الآمنة لبلاده، حتى لتشييع جثمان والده إلى مثواه الأخير، لأنه على قوائم الإرهاب، يحرض إعلامه عليه بين الحين والآخر، لكنه فشل في شيطنته، وربما كانت حملات الإبادة الإعلامية سببًا في التعاطف الواسع معه، ومن بين النخبة من يكتم موقفه المنحاز له، ومنهم من يجهر بذلك، وقد شاهدت في مقابلة تلفزيونية من يهاجمه باعتباره ينتمي إلى جماعة الإخوان الإرهابية، وقد تصدى له مجدي عبد الغني، وقال في مناقب أبو تريكة الكثير!وفي فترة التجاذبات السياسية لم ينجح إعلام النظام الحاكم في تسويق موقفه من أبو تريكة، أو تبرير قراره بوضعه على قوائم الإرهاب، أو في تقديم رواية متماسكة تدفع إلى العداء له، وهناك من هم ضد الإخوان، لكن الموقف مختلف من اللاعب السابق، وهي حالة تستحق الدراسة والتأمل.
حتى إن علاء مبارك، نجل الرئيس الراحل، ذهب بنفسه لتقديم العزاء في وفاة والده، في رسالة لا تخطئ العين دلالتها!ولست في حاجة إلى أن أذكر بأنه، وهو لاعب مصر الأول، لم أكن أعرفه، وآخر نجوم الكرة الذين اتصل بهم علمي هم الخطيب، وثابت البطل، وإكرامي، وحسن شحاتة (اللاعب لا المدرب)، ولعل المرة الأولى التي سمعت فيها باسمه كانت في واقعة كشفه عن تيشيرت يعلن فيه تضامنه مع غزة، وقد أزعج ذلك بعض إعلاميي زمن مبارك، فقد خفف من حدة هذا الانزعاج إعلانه الجهل بالسياسة وعدم الاكتراث بها، وفي عهد مبارك كان معلومًا وجود سقف للشهرة في كل المجالات، وليس في مجال الدعوة فقط، فالمستهدف هو النجومية، ولو كان فنانًا أو لاعبًا!أداء إبراهيم عيسى في المعركةلقد انبعث أشقاها، وهو في حالة ذعر مما سماه عملية تسويق أبو تريكة عبر كأس العالم، وقد دخل كل بيت، وبذلك دخل الإخوان كل البيوت، وكيف يحدث هذا والدولة تصنفه على أنه إرهابي؟ ! وكيف، وهو مصنف هكذا، أن يشكره المنتخب على موقفه، من أول حسام حسن إلى أصغر لاعب؟ ! وما موقف الدولة المصرية من ذلك؟ !وفي ذلك تحريض من جانب من كان يصنفه بعض الطيبين، فيما مضى، أنه معارض، وذلك بدلا من أن يطالب بوقف حالة العداء من جانب السلطة لأبو تريكة، فليس هناك مبرر واحد لوضعه على هذه القوائم، وإن وضعه فيها يشبه تمامًا وضعه هو في قائمة المعارضين في زمن مبارك!هناك منطلق شخصي يحكم أداء إبراهيم عيسى، هو أنه كاره لكل نجم، وقد نافس النجوم على أرضهم وهُزم، لدرجة أنه، وهو يهاجم الدعاة الدينيين، ارتدى عباءة، وذهب إلى قناة تلفزيونية يعطي دروسًا في الدين، وكأن الدروس الدينية يلزمها عباءة، وما يمثله هذا من تعارض بين ادعاء الاستنارة وكونه مقلدًا.
وقد فعل كل شيء، لدرجة أنه قلد هيكل، وناضل من أجل أن يكون من حرافيشه، ثم تعكشن، عندما وجد أن توفيق عكاشة صار يجذب، بأدائه، المشاهدين قبل إغلاق قناة «الفراعين»، لكنه هنا لن يكون بمقدوره أن يكون أبو تريكة، فلم يظهر عليه النبوغ الكروي، لاعبًا أو محللًا، إذن فليجعله موضوعه، وليس فقط بتحريض السلطة عليه، ولكن بالعودة إلى حصاره من جانب النخبة الكروية الرسمية!لم يتبق للمذكور من ناصريته، التي أعلن كفره بها وانحيازه لإسرائيل، إلا هذا التصور الذي كانت تسمح به الظروف من الهيمنة على الإعلام، باعتبار السلطة هي المالك الوحيد له، وقد أزعجه أن تفقد سيطرتها على الإرسال، فيتمكن أبو تريكة من دخول البيوت المصرية، بدون استئذان، وكأن الناس عليهم أن يتركوا «بي إن سبورتس»، ويشاهدوا قناة النيل للرياضة.
وهذا انزعاج ذكرني بحالة شقيق لزميل لنا، عندما زاره في مقر الجريدة، وكان قد تقاعد بعد العمل في جهاز أمني، وقد رأى أجهزة التيكرز، في أيام الطفولة الصحافية، وهي تنقل الأخبار، فأزعجه أن يتم الأمر بسهولة، وبدون حواجز ومتاريس أمنية، وسأل مصعوقًا: «والأمن القومي المصري؟ ! ».
سألته: «ماذا به؟ ».
فكان مذهولًا، ولم يعقب، وإنما اكتفى بتقليب يديه، وكان لا يزال يعيش الدهشة بسبب هذا الانفلات الأمني.
في النظرة الأمنية التي يتبناها صاحبنا، يمكن تفهم حالته، فماذا لو تم الربط بين أبو تريكة والإخوان لدى رجل الشارع العادي، والسلطة تصنفه على أنه إخواني مدان، واسمه على قوائم الإرهاب؟ ! إن التفكير في هذا سينسف مصداقية السلطة، وعدم التعامل مع أحكامها بجدية، أو ألا يفكر المشاهد أبعد من الحالة التي يراها، فلا يشغل نفسه بما هو أبعد من ذلك!وإذا حدث الربط، فهذه معضلة، ودور الكاتب المنحاز للمرحلة، والمعادي للإخوان، أن يبحث عن حل لها.
فشخصية أبو تريكة ووطنيته تدفعان قطاعًا عريضًا من المصريين إلى التعاطف معه، وليس في يد السلطة وسيلة لمنع القنوات التلفزيونية من الوصول إلى المصريين في بيوتهم، وحجب صوت أبو تريكة، ولن يكون في مقدور أهل الحكم أن يفعلوا ما كانت تفعله أنظمة في السابق، عندما تضيق ذرعًا بكاتب، فتشتري الصحيفة وتمنعه من الكتابة.
فلن يمكنهم شراء «بي إن سبورتس» لمنع أبو تريكة من الظهور!التفكير خارج الصندوق الأمنيوهذه المعضلة تحتاج إلى تفكيكها بتفكير سياسي، لا أمني، يملأ الدنيا صراخًا لأن أبو تريكة الإخواني دخل كل بيت.
يا للهول! ولكن بلعبة معاكسة، والموقف من أبو تريكة ليس لأنه إخواني، فهناك إخوان يعيشون في مصر خارج السجن!ولن أبذل أدنى جهد في الإنكار، وهو أمر لا يمكننا فعله، والبرنامج التلفزيوني الذي شارك فيه القيادي في الإخوان محمود غزلان بعد الثورة موجود على «يوتيوب» إلى الآن، حيث إنه، في حلقة من برنامج «مصر الجديدة»، ومقدمه خيري رمضان، ذكر أسماء من نجوم الكرة قال إنهم أعضاء في الجماعة، وكان منهم أبو تريكة، عندما تصدر رجال التنظيم المشهد، وغيبت الجماعة رجال السياسة فيها.
ولم يضار سوى أبو تريكة من هذه القائمة، بدوافع شخصية تتمثل في أنه رفض مصافحة المشير محمد حسين طنطاوي بعد مذبحة استاد بورسعيد، فلما وقع الانقلاب لم يكتب كلمة، وحدثت مجزرة رابعة، ولم يعلن إدانته، وظل بعيدًا عن السياسة تمامًا.
والموقف الصحيح هو استيعاب السلطة للحالة، والسماح بعودته إلى مصر.
عندئذ لن يكون عنوانًا للإخوان، والتعامل وفق قواعد الرئيس مبارك.
وقد همس في أذنه وزير جرى اختياره حديثًا بمخاوفه من التقارير الأمنية، لأنه كان في شبابه عضوًا في الإخوان، وأنه ترك الجماعة منذ زمن بعيد، فقال بعدم اكتراث: كلنا مررنا بالشغلانة هذه!فاعتبروا يا أولي الألباب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك