لم تعد الأخبار القادمة من مدينة فولفسبورغ الألمانية تتعلق بإطلاق طرازات جديدة أو تحقيق مبيعات قياسية، بل بخطط لخفض الطاقة الإنتاجية، وتقليص عدد الطرازات، وإعادة هيكلة المصانع والإدارة، في مؤشر إلى أزمة تضغط على أكبر مجموعة سيارات في أوروبا.
وقدمت مجموعة" فولكسفاغن"، في 9 يوليو/ تموز 2026، خطة لإعادة هيكلة أعمالها حتى 2030، تتضمن 12 مبادرة تستهدف خفض التعقيد، ومواءمة الطاقة الإنتاجية مع توقعات السوق، وتطوير المنتجات بما يتناسب مع احتياجات كل منطقة.
لكن، خلف هذه العناوين الإدارية تكمن تحديات أعمق، أبرزها ارتفاع كلفة الإنتاج، وتراجع الربحية، وضعف الأداء في الصين، والتأخر في سباق السيارات الكهربائية والبرمجيات.
وتزامن الإعلان مع احتجاجات عمالية وتقارير تحدثت عن احتمال إغلاق أربعة مصانع في ألمانيا والاستغناء عن ما يصل إلى 100 ألف وظيفة خلال السنوات المقبلة.
ورغم أن الشركة لم تؤكد هذه الأرقام، فإن مجرد طرحها يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المجموعة.
ولا تقتصر الأزمة على" فولكسفاغن" وحدها، بل تعكس تحولًا يطال صناعة السيارات الألمانية بأكملها، التي شكلت لعقود أحد أعمدة الاقتصاد الألماني ورمزًا للتفوق الصناعي.
لا تعاني" فولكسفاغن" من أزمة مبيعات بقدر ما تواجه أزمة ربحية.
فالمجموعة ما زالت تبيع نحو تسعة ملايين سيارة سنويًا، وحققت إيرادات بلغت 321.
9 مليار يورو في 2025، لكنها سجلت تراجعًا حادًا في الأرباح التشغيلية بنسبة 53% لتصل إلى 8.
9 مليارات يورو، بينما انخفض هامش الربح التشغيلي إلى 2.
8% مقارنة بـ19.
1 مليار يورو في العام السابق.
وسجلت الشركة تحسنًا محدودًا خلال الربع الأول من 2026، مع أرباح تشغيلية بلغت 2.
5 مليار يورو وهامش ربح وصل إلى 3.
3%، إلى جانب خفض النفقات الإدارية بنحو مليار يورو.
لكن هذه النتائج لا تزال بعيدة عن تلبية احتياجات مجموعة تدير علامات كبرى مثل" فولكسفاغن" و" أودي" و" بورشه" و" سكودا" و" سيات"، وتستثمر مليارات اليوروهات في تطوير البطاريات والبرمجيات والمصانع الجديدة.
وتزداد الضغوط مع استمرار المصانع في تحمل تكاليف العمالة والطاقة وسلاسل التوريد، حتى في الفترات التي يتراجع فيها الطلب، ما ينعكس مباشرة على الأرباح.
اعتمدت الشركات الألمانية لسنوات على السوق الصينية باعتبارها أحد أكبر مصادر النمو والأرباح، لكن هذا الواقع تغير سريعًا مع صعود شركات صينية مثل" بي واي دي" و" جيلي"، التي باتت تقدم سيارات كهربائية بأسعار أقل وتقنيات رقمية أكثر تطورًا.
وخلال الربع الأول من 2026، تراجعت تسليمات" فولكسفاغن" عالميًا بنسبة % إلى نحو 2.
05 مليون سيارة، فيما انخفضت المبيعات في الصين بنسبة 15% وهبطت تسليمات السيارات الكهربائية في السوق الصينية بنسبة 64% قبل إطلاق جيل جديد من الطرازات المطورة محليًا.
ولم تعد المنافسة الصينية تقتصر على السوق المحلية، إذ توسعت الشركات الصينية إلى أوروبا، لتنافس المصنعين الألمان في أسواقهم التقليدية، مستفيدة من انخفاض الأسعار والتطور السريع في البرمجيات والبطاريات.
ورداً على ذلك، تبنت" فولكسفاغن" استراتيجية" في الصين.
من أجل الصين"، التي تقوم على تطوير السيارات والبرمجيات داخل السوق الصينية لتسريع وتيرة الابتكار ومجاراة المنافسين المحليين، في اعتراف ضمني بأن النموذج التقليدي لم يعد كافيًا.
لا تقتصر الأزمة على تراجع المبيعات، بل ترتبط أيضًا بالتحول الجذري الذي تشهده صناعة السيارات.
فبعدما كانت أفضلية الشركات الألمانية تقوم على المحركات والهندسة الميكانيكية، أصبحت المنافسة اليوم تدور حول البطاريات والبرمجيات وأنظمة القيادة الذكية.
وترى المفوضية الأوروبية أن شركات القارة تواجه تحديات في مجالات استراتيجية، تشمل البطاريات والبرمجيات وأنظمة المعلومات والترفيه، إلى جانب اعتمادها على سلاسل توريد خارجية للمواد الخام والمكونات الأساسية.
وظهر ذلك بوضوح داخل" فولكسفاغن"، بعدما واجه مشروعها لتطوير البرمجيات عبر شركة" كارياد" تأخيرات وتكاليف مرتفعة أثرت في إطلاق بعض الطرازات، ما دفع المجموعة إلى توسيع شراكاتها التقنية، ومن بينها التعاون مع شركة" ريفيان" الأميركية.
ولم يعد التحدي يقتصر على إنتاج سيارة كهربائية، بل يشمل تطوير منظومة رقمية متكاملة، تتيح تحديث السيارة وإدارة خدماتها وبرمجياتها طوال فترة استخدامها.
تواجه صناعة السيارات في ألمانيا أيضًا ارتفاعًا في تكاليف الطاقة والعمالة، إلى جانب المنافسة المتزايدة والرسوم التجارية، وهو ما قلص المزايا التي تمتعت بها المصانع الألمانية لعقود.
وأظهر مسح لاتحاد صناعة السيارات الألمانية أن 64% من الشركات المشاركة خفضت أعداد العاملين في مواقعها داخل ألمانيا خلال 2025، فيما قالت 87% من الشركات التي ألغت وظائف إن ضعف القدرة التنافسية لموقع الإنتاج الألماني كان من أبرز الأسباب.
كما سجل قطاع السيارات الألماني تراجعًا شهريًا في الطلبات بنسبة 3.
8% خلال مايو/ أيار 2026، رغم ارتفاع الطلبات الصناعية في ألمانيا بصورة عامة.
وتواجه" فولكسفاغن" أيضًا ضغوطًا في السوق الأميركية، إذ انخفضت تسليماتها في أميركا الشمالية بنسبة 13% خلال الربع الأول من 2026، في ظل تأثير الرسوم الجمركية التي فرضتها واشنطن منذ أبريل/ نيسان 2025.
تُعد" فولكسفاغن" واحدة من أكثر شركات السيارات تعقيدًا، إذ تضم عددًا كبيرًا من العلامات التجارية والطرازات والمنصات والهياكل الإدارية، وهو ما منحها حضورًا عالميًا واسعًا، لكنه رفع أيضًا كلفة التشغيل.
ولهذا، وضعت الإدارة تبسيط المنتجات وتقليص عدد الطرازات وتوحيد التقنيات في صلب خطة إعادة الهيكلة، بهدف توجيه الاستثمارات إلى المشاريع الأكثر ربحية.
لكن تنفيذ هذه الخطة لا يبدو سهلًا، إذ تخضع الشركة لنظام حوكمة يمنح ممثلي العمال وحكومة ولاية ساكسونيا السفلى والعائلات المالكة نفوذًا كبيرًا في القرارات.
ويجعل ذلك أي خطوة لإغلاق مصنع أو خفض الوظائف قضية اقتصادية وسياسية في آن واحد.
رغم الضغوط، لا تعني أزمة" فولكسفاغن" أن ألمانيا فقدت مكانتها في صناعة السيارات.
فقد أنتجت المصانع الألمانية نحو 1.
67 مليون سيارة كهربائية وهجينة قابلة للشحن خلال 2025.
ويعادل ذلك نحو 40% من إجمالي إنتاج السيارات في البلاد، لتصبح ثاني أكبر مركز عالمي لإنتاج هذا النوع من المركبات بعد الصين.
لكن التحدي لم يعد يتمثل في القدرة على تصنيع السيارات الكهربائية، بل في إنتاجها بكلفة تنافسية، وتحقيق أرباح منها، ومجاراة المنافسين في البرمجيات والتقنيات الرقمية.
ولهذا، ينظر كثيرون إلى ما يحدث داخل" فولكسفاغن" باعتباره اختبارًا لمستقبل الصناعة الألمانية بأكملها، لا لمستقبل شركة واحدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك