نفتح صندوق الجهاز الجديد، نخرج القطع واحدة تلو الأخرى، ونضع كتيّب التعليمات جانبًا من دون تفكير.
نجرب الزر الأول، ثم الثاني، ونركب القطعة في المكان الذي يبدو منطقيًا.
ولا نعود إلى الكتيّب إلا عندما يرفض الجهاز العمل، أو تبقى أمامنا قطعة لا نعرف أين توضع.
يتكرر الأمر مع الأثاث الذي يحتاج إلى تركيب، والبرامج الجديدة، والوصفات، والألعاب، وحتى النماذج الإلكترونية.
نبدأ مباشرة بالتجربة، ونرتجل، ونثق بأن الخطوات ستتضح أثناء العمل.
وعندما يحدث الخطأ، نبحث فجأة عن التعليمات التي كانت أمامنا منذ البداية.
لماذا نفضل التجربة أولًا، رغم أننا نعرف أن دقائق قليلة من القراءة قد توفر علينا وقتًا أطول؟عندما نشتري شيئًا جديدًا أو نفتح تطبيقًا للمرة الأولى، لا يكون هدفنا الحقيقي تعلم النظام كاملًا.
نريد الوصول إلى النتيجة: تشغيل الجهاز، تركيب الطاولة، إرسال الرسالة، بدء اللعبة أو إعداد الطعام.
تبدو قراءة التعليمات في تلك اللحظة كأنها تؤخر البداية.
هناك شيء أمامنا يدعونا إلى اللمس والتجربة، بينما يطلب منا الكتيّب التوقف وقراءة صفحات قد لا نحتاج إليها كلها.
لهذا نختار الطريق الذي يمنحنا إحساسًا فوريًا بالتقدم.
فالضغط على زر، حتى لو كان خاطئًا، يبدو أقرب إلى الإنجاز من قراءة فقرة تشرح وظيفة الزر.
ويسمي باحثون في التفاعل بين الإنسان والتقنية هذا السلوك" مفارقة المستخدم النشط": يبدأ الناس العمل مباشرة، رغم أن التوقف قليلًا للتعلم قد يوفر عليهم وقتًا لاحقًا.
فالرغبة في إنجاز المهمة الحالية تكون أقوى من الرغبة في إتقان النظام على المدى الطويل.
قبل الخطأ.
لا نعرف ما الذي نبحث عنهتكون التعليمات التي نقرأها قبل التجربة مليئة بإجابات عن أسئلة لم نطرحها بعد.
قد يخبرنا الكتيّب بكيفية إعادة ضبط الجهاز، أو يشرح الفرق بين وضعين متشابهين، أو يحذرنا من تركيب قطعة في الاتجاه المعاكس.
لكن هذه المعلومات تبقى مجردة ما دمنا لم نواجه المشكلة التي تجعلها مهمة.
نصبح نعرف السؤال بدقة: لماذا لا يعمل الجهاز؟ لماذا بقي هذا المسمار؟ كيف أعود إلى الصفحة السابقة؟ لماذا لم ترتفع العجينة؟ عندها لا نقرأ التعليمات بوصفها درسًا عامًا، وإنما بوصفها جوابًا عاجلًا عن مشكلة حقيقية.
فالخطأ يمنح الكلمات سياقًا، والجملة التي بدت غامضة قبل دقائق تصبح واضحة لأنها تصف ما حدث أمامنا تمامًا.
التجربة تمنحنا إحساسًا بالسيطرةقراءة التعليمات تعني، بصورة غير مباشرة، الاعتراف بأننا لا نعرف.
أما التجربة فتسمح لنا بأن نشعر أننا قادرون على اكتشاف الأمور وحدنا.
نحن نحمل خبرات سابقة كثيرة: عرفنا كيف تعمل أجهزة مشابهة، وكيف تركب القطع عادة، وأين توجد الإعدادات في التطبيقات.
لذلك نفترض أن الشيء الجديد سيشبه ما عرفناه من قبل.
وغالبًا ينجح هذا الافتراض.
نجد الزر الصحيح، أو نفهم الرموز، أو نكمل الخطوات من دون حاجة إلى أي مساعدة.
وكل تجربة ناجحة تعزز ثقتنا بأننا سننجح في المرة التالية أيضًا.
لكن المشكلة تظهر عندما يبدو الشيء مألوفًا وهو يعمل بطريقة مختلفة قليلًا.
عندها تتحول الخبرة السابقة من مساعدة إلى فخ: نضع القطعة في المكان المعتاد، أو نضغط الزر الذي كان يؤدي وظيفة أخرى في الجهاز القديم.
بعض التعليمات تدفعنا إلى تجاهلهاليس اللوم على المستخدم دائمًا.
فكثير من كتيبات التعليمات تكتب كما لو أن القارئ يملك وقتًا وفضولًا لمعرفة كل التفاصيل.
صفحات طويلة، وتحذيرات متكررة، ورسوم صغيرة، ومصطلحات غير واضحة، وترجمات تجعل المهمة البسيطة أكثر غموضًا.
وقبل أن نعثر على الخطوة المطلوبة، نكون قد فقدنا الرغبة في القراءة.
لهذا صارت المنتجات والتطبيقات الحديثة تحاول توزيع التعليمات على لحظة الاستخدام: سهم يظهر عند فتح الميزة، أو عبارة قصيرة قرب الزر، أو تنبيه لا يظهر إلا عندما نرتكب خطأ.
فالتعليم الجيد لا يطلب منا حفظ كل شيء مسبقًا، بل يمنحنا المعلومة عندما تصبح قابلة للاستخدام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك