قناة الجزيرة مباشر - New US Condition Threatens Path to Iran Agreement قناة القاهرة الإخبارية - من أسواق الطاقة إلى التضخم والعملات.. التصعيد الأمريكي الإيراني يعيد رسم خريطة الاقتصاد الجزيرة نت - سوريا.. شهود يواجهون عاطف نجيب بجرائم تعذيب أطفال الجزيرة نت - مجتبى خامنئي يتعهد بالثأر لوالده الجزيرة نت - هل تحارب التوتر بالطريقة الخطأ؟.. كيف تجعل ضغوطك تعمل لصالحك قناة التليفزيون العربي - ترمب: 1000 صاروخ جاهز للإطلاق على إيران العربية نت - لأول مرة.. أبحاث في الفضاء تدرس طريقة لإطالة عمر الإنسان الجزيرة نت - آبل تقاضي "أوبن إيه آي" بتهمة الاستيلاء على أسرارها العربية نت - بسبب مشادة مع أمن النادي.. منير مكرم يستقيل من مجلس نقابة الممثلين العربية نت - "أوبن إيه آي" توقف متصفح الذكاء الاصطناعي "أطلس"
عامة

ما وراء الأقنعة.. لماذا لا يوجد "معتدلون" في إسرائيل؟

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة

في ظهيرة يوم 11 يوليو/تموز 1948، كانت اللد، المدينة الواقعة بين يافا والرملة، وعلى عقدة حيوية من طرق فلسطين وسككها، مثقلة بالخوف واللاجئين. فعلى مدار أسابيع قليلة، تدفق إليها آلاف الفلسطينيين من قرى م...

في ظهيرة يوم 11 يوليو/تموز 1948، كانت اللد، المدينة الواقعة بين يافا والرملة، وعلى عقدة حيوية من طرق فلسطين وسككها، مثقلة بالخوف واللاجئين.

فعلى مدار أسابيع قليلة، تدفق إليها آلاف الفلسطينيين من قرى مجاورة أُفرغت تحت ضغط الهجمات الصهيونية، فامتلأت البيوت بمن اقتُلعوا من بيوتهم، وضاقت الأزقة بعائلات حملت ما خف من المتاع وما ثقل من الفجيعة، فيما كانت المدينة تترقب مصيرها تحت سماء مشحونة بالقصف والإنذارات.

دخلت اللد تلك اللحظة وهي محاصرة بتراكمات الأسابيع السابقة.

سقطت يافا وقراها، وعُزلت منطقة اللد والرملة عن المحيط الفلسطيني، ما فتح الباب أمام" عملية داني"، الخطة الصهيونية التي استهدفت السيطرة على اللد والرملة واللطرون وتأمين طريق تل أبيب-القدس.

كانت اللد في حسابات القيادة الصهيونية عقدة مواصلات ومطارا ومحطة قطارات ومفتاحا جغرافيا للسيطرة على قلب فلسطين.

أما بالنسبة لأهلها واللاجئين إليها، فقد كانت آخر ما تبقى من مأوى قبل العراء.

" كانت اللد في حسابات القيادة الصهيونية عقدة مواصلات ومطارا ومحطة قطارات ومفتاحا جغرافيا للسيطرة على قلب فلسطين"مع بدء الهجوم، اندفعت قوة مدرعة يقودها الضابط موشيه ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي لاحقا، داخل شوارع اللد في غارة خاطفة.

تقدمت العربات وسط الرصاص والغبار، وانتقل الذعر من بيت إلى آخر، في ظل غياب حماية عسكرية منظمة للمدينة وانقطاع الإمداد إليها تحت الحصار الصهيوني.

في ذلك الفراغ القاتل، خرجت مقاومة أخيرة متفرقة ومحاصرة، بسلاح قليل وإرادة تدرك أنها تقاتل عند الحافة الأخيرة للمدينة.

list 1 of 2الوجه الآخر لميسي.

ماذا يبقى من الأسطورة حين تخبو الموهبة؟list 2 of 2الشركة التي تحول ألمانيا إلى مصنع أسلحة لأوروبافي 12 يوليو/تموز، كانت اللد قد سقطت عمليا.

تمركزت القوات الصهيونية حول قلب المدينة، وفُرِض حظر التجول، ودُعي الرجال إلى التجمع في الجامع الكبير وجامع دهمش والكنائس، بينما كان الجنود يفتشون البيوت ويرمون القنابل داخل بعضها بذريعة وجود قناصين.

لجأ مئات الفلسطينيين إلى مسجد دهمش، ظانين أن للمكان حرمته في ساعة الانهيار.

تحولت باحة المسجد ومحيطه إلى واحد من أكثر فصول النكبة إيلاما، تحدثت شهادات ناجين عن إطلاق نار داخل المسجد وحوله، وأشارت مصادر تاريخية إلى قتل العشرات فيه، ثم حرق جثامين ضحايا في مقبرة المدينة، إلى جانب مئات القتلى في شوارع اللد وأحيائها.

عند تلك اللحظة، صدر الأمر الذي حوَّل سقوط اللد والرملة إلى واحدة من أكبر عمليات التطهير العرقي في حرب فلسطين.

وبحسب المؤرخ الإسرائيلي بني موريس، سأل إيغال ألون، قائد قوات" البلماح" وأحد زعماء حزب" أحدوت هاعفودا" اليساري، ديفيد بن غوريون عما ينبغي فعله بسكان المدينتين، فأجاب زعيم الصهيونية العمالية ومؤسس دولة الاحتلال لاحقا بإشارة حازمة من يده: " اطردوهم".

بعدها، وقّع إسحاق رابين، الضابط الشاب في" الهاغاناه" ومدير العمليات في" عملية داني"، أمرا عسكريا جاء فيه: " يجب طرد سكان اللد بسرعة دون الالتفات إلى السن".

خرج عشرات الآلاف من الفلسطينيين من اللد والرملة وما حولهما تحت شمس يوليو/تموز الحارقة.

وساروا شرقا نحو رام الله والضفة، يحملون أطفالهم وأمتعتهم القليلة ومفاتيح بيوت لن يعودوا إليها.

على الطريق، انتزعت أموال ومجوهرات من الفارين عند نقاط التفتيش، وسقط أطفال وشيوخ ونساء من العطش والإرهاق والحرارة.

كانت طائرة عسكرية إسرائيلية تحلق فوق رؤوسهم على علو منخفض لتدفعهم إلى مواصلة الرحيل، فيما امتد الطابور البشري فوق طريق وعرة تحولت في الذاكرة الفلسطينية إلى مسيرة للموت.

" تصلح سيرة رابين، من اللد إلى أوسلو، مدخلا لفهم أعمق للسياسة الإسرائيلية"بعد 45 عاما (تحديدا عام 1993)، وقف رابين نفسه على عتبة البيت الأبيض كرئيس لوزراء إسرائيل، يمد يده لمصافحة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات أمام عدسات العالم.

قُدم المشهد بوصفه ولادة زمن جديد، وتحول الرجل اليساري الذي وقَّع أمر طرد سكان اللد إلى" رجل سلام" في المخيلة الغربية، ثم حصد جائزة نوبل إلى جانب عرفات وشيمون بيريز.

غُلِّفَت أوسلو بلغة السلام، وتركت القضايا الفلسطينية الكبرى خارج باب الحسم، اللاجئين والقدس والسيادة والحدود وحق العودة.

بدا المشهد انتقالا من الرصاصة إلى الوثيقة، وبقي الفلسطيني داخل المعادلة نفسها، أرض منقوصة وحق مؤجل، وسيادة معلقة على إرادة القوة التي اقتلعته.

تصلح سيرة رابين، من اللد إلى أوسلو، مدخلا لفهم أعمق للسياسة الإسرائيلية.

فاليسار الصهيوني، الذي قدم نفسه للعالم بلغة الاشتراكية والحداثة، قاد النكبة، وخطط لعمليات التهجير، وبنى أدوات السيطرة الأولى، وفرض الحكم العسكري على الفلسطينيين الذين بقوا داخل حدود دولة الاحتلال.

أما اليمين الصهيوني، الذي ورث المشروع لاحقا، فقد واصل المسار ذاته بلغة أكثر فجاجة، تستدعي الدين والقومية والتفوق والحق التاريخي.

ولم ترض أحزاب اليمين المتشددة عن تحركات رابين السياسية فاغتاله يهودي من بني جنسه في نهاية المطاف عام 1995.

من هنا، يصبح الحديث المتكرر عن يسار إسرائيلي معتدل ويمين متطرف مدخلا مُضللا لفهم جوهر المسألة الفلسطينية.

فالخلافات داخل السياسة الإسرائيلية حقيقية في ملفات الحكم والاقتصاد والدين وشكل الدولة، لكنها تضيق إلى حد بعيد حين يتعلَّق الأمر بالفلسطينيين.

حق العودة مرفوض، والسيادة الفلسطينية الكاملة مؤجلة أو منفية، والقدس تُدفع خارج أي تفاوض جدي، والاستيطان يتحرك كحقيقة قائمة فوق الأرض قبل أن يتحول إلى بند على الطاولة.

" الخلافات داخل السياسة الإسرائيلية حقيقية في ملفات الحكم والاقتصاد والدين وشكل الدولة، لكنها تضيق حين يتعلَّق الأمر بالفلسطينيين"اليوم، وعلى وقع أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أعقبها من حرب إبادة على غزة، يدخل الاحتلال الإسرائيلي لحظة انتخابية جديدة تُسوق بوصفها مواجهة بين يمين بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، ومعارضة أكثر عقلانية واعتدالا كما تُقدَّم للرأي العام العالمي.

ويتجاوز السؤال الفلسطيني أسماء المرشحين وشكل الائتلاف المقبل.

فمن اللد عام 1948 إلى غزة اليوم، ومن بن غوريون إلى نتنياهو، ومن رابين إلى قادة المعارضة الراهنة، يمتد خيط واحد في بنية المشروع الصهيوني، وإجماع واسع على إنكار الحقوق الفلسطينية تتبدل واجهاته من انتخابات إلى أخرى، وتبقى ركائزه أمتن من صناديق الاقتراع.

وبينما ينتظر البعض نتائج الانتخابات وكأنها قادرة على فتح صفحة مختلفة، تقول الذاكرة الفلسطينية شيئا أكثر قسوة ووضوحا، وهو أن الوجوه تتبدل، أما الجرح الذي بدأ في اللد فما زال مفتوحا في غزة والضفة والقدس ومخيمات اللجوء إلى يومنا هذا.

اليسار الصهيوني.

من بن غوريون إلى النكبةفي 7 يوليو/تموز 1937، أوصت لجنة بيل الملكية البريطانية، وهي لجنة تحقيق شكلتها لندن عقب الثورة الفلسطينية الكبرى، بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود.

وفتحت التوصية نقاشا حادا داخل الحركة الصهيونية، بين من رأى في الدولة المقترحة على جزء من فلسطين فرصة يجب اغتنامها، ومن فضَّل انتظار لحظة أوسع.

وبعد أقل من 3 أشهر، في 5 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، جلس ديفيد بن غوريون، رئيس اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية حينها وأبرز وجوه الصهيونية العمالية، يكتب إلى ابنه عاموس المقيم في أحد الكيبوتسات رسالة، بدا بن غوريون فيها أوضح من كثيرين في تحديد موقع التقسيم داخل الإستراتيجية الصهيونية.

إذ كتب إلى ابنه أن الدولة اليهودية على جزء من فلسطين تمثل بداية لا خاتمة، وأن كل زيادة في القوة تساعد في حيازة الأرض بأكملها.

بدت الرسالة في ظاهرها خطابا عائليا خاصا، بيد أنها أظهرت بوضوح رؤية الرجل الذي سيقود لاحقا تأسيس دولة الاحتلال.

فقبول التقسيم عند بن غوريون كان مرحلة في مسار أطول، لا تسوية نهائية مع الشعب الفلسطيني، والأرض التي تُكتسب تمنح قوة، والقوة تفتح الطريق إلى أرض أوسع، والدولة الناشئة تتحول من كيان محدود إلى أداة لاستكمال المشروع.

" قبول التقسيم عند بن غوريون كان مرحلة في مسار أطول، لا تسوية نهائية مع الشعب الفلسطيني"تمنحنا هذه الرسالة مدخلا هاما لتفكيك إحدى أكثر الصور رسوخا في الخطاب الغربي عن إسرائيل، وهي صورة اليسار الصهيوني بوصفه تيارا معتدلا وعقلانيا وبراغماتيا في مواجهة يمين ديني وقومي أكثر تطرفا.

فقد قُدمت الصهيونية العمالية، ممثلة في حزب عمال أرض إسرائيل" ماباي" وحزب العمل والهستدروت -اتحاد عمالي أسسته حركات اشتراكية عام 1920- والكيبوتسات، على أنها التيار الذي بنى الدولة الحديثة ومؤسساتها ونقاباتها ونموذجها الاشتراكي.

غير أن هذه الصورة تخفي حقيقة أن ذلك اليسار هو التيار الذي قاد المشروع الاستيطاني، وخطط للتهجير، وبنى أدوات السيطرة، وحوَّل النكبة من واقعة عسكرية إلى بنية سياسية وقانونية دائمة.

كان حزب ماباي (وخليفته حزب العمل)، الذي أسسه بن غوريون عام 1930 من اندماج تيارات عمالية صهيونية، القوة المهيمنة في المجتمع اليهودي بفلسطين قبل عام 1948، ثم في دولة الاحتلال حتى صعود الليكود عام 1977.

وتحت قيادته، تحوَّلت الصهيونية العمالية إلى منظومة متكاملة من المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

أما الهستدروت (اتحاد نقابات العمل) فأدار الاقتصاد والعمل، في حين ثبَّتت الكيبوتسات (المستوطنات التعاونية) الاستيطان في الأرض، وتولَّى الصندوق القومي اليهودي جمع الأراضي وحراستها باسم الشعب اليهودي، بينما حَمَت التنظيمات العسكرية هذا التوسع وحوَّلته إلى واقع بالقوة عند الحاجة.

كانت شعارات مثل" غزو الأرض" و" غزو العمل" في قلب هذه التجربة.

في ظاهرها، بدت شعارات بناء وإنتاج وعمل جماعي، لكن في تطبيقها العملي، عنت إحلالا منظما للمستوطن اليهودي محل الفلسطيني، واستبعادا للعامل العربي من سوق العمل، وبناء اقتصاد يهودي منفصل عن المجتمع الأصلي.

فالهستدروت، التي اُحتُفي بها نقابة عمالية تقدمية، مارست سياسة" العمل العبري" التي ضغطت لطرد العمال الفلسطينيين من مواقع العمل اليهودية، وحصرت التنظيم والحماية والامتيازات داخل المجتمع اليهودي.

وبهذا اتخذت الاشتراكية الصهيونية معناها الخاص، مساواة داخل الجماعة المستوطنة، وإقصاء للسكان الأصليين خارجها.

في هذا السياق، جاءت فكرة" الترانسفير" أو التهجير المنظم للفلسطينيين جزءا من البنية الفكرية والسياسية للمشروع الاستيطاني.

وقد وثَّق المؤرخ والأكاديمي الفلسطيني نور مصالحة، في كتابه" طرد الفلسطينيين: مفهوم الترانسفير في الفكر والتخطيط الصهيونيين"، حضور هذه الفكرة داخل مختلف التيارات الصهيونية، بما فيها التيار العمالي الذي قاد الدولة لاحقا، وأن أفكار التهجير لازمت المشروع الصهيوني منذ انبعاثه، وكانت في القلب من العقيدة الصهيونية ذاتها.

وفي أواخر الثلاثينيات، كان بن غوريون يربط بين الحرب والفرصة المناسبة لدفع العرب إلى الرحيل.

فمثَّل الفلسطيني في هذه الرؤية عقبة ديموغرافية وسياسية أمام إقامة دولة يهودية ذات أكثرية واضحة وسيطرة مستقرة.

" اتخذت الاشتراكية الصهيونية معناها الخاص، مساواة داخل الجماعة المستوطنة، وإقصاء للسكان الأصليين خارجها"ومنذ مطلع الأربعينيات، بدأت الوكالة اليهودية إعداد أدوات معرفة وسيطرة أعمق.

بين عامي 1940-1947، جرى العمل على مشروع" ملفات القرى"، وهو مشروع استخباري واسع جمع معلومات دقيقة عن القرى الفلسطينية، من خرائطها ومصادر مياهها وأراضيها الزراعية وثروتها الحيوانية إلى عائلاتها وزعاماتها وعلاقاتها السياسية ومواقف أبنائها من الثورة الفلسطينية بين عامي 1936-1939.

وفي التحديثات الأخيرة قبل حرب 1948، أُدرجت قوائم بأسماء مطلوبين ومؤثرين ومشاركين في العمل الوطني، واستُخدمت المعلومات لاحقا في عمليات البحث والاعتقال والطرد.

تكشف" ملفات القرى" درجة التخطيط التي سبقت النكبة.

إذ دخلت القوات الصهيونية القرى الفلسطينية وهي تعرف أسماء المخاتير ومساحات الأراضي ومواقع الآبار وبنية العائلات واتجاهات الطرق ومواطن الضعف.

ومع تقدم الحرب، تحوَّلت المعرفة الأرشيفية إلى أداة عسكرية، فلم يكن اجتياح القرى الفلسطينية فعلا مرتجلا في فوضى الحرب، إنما سبقته سنوات من الرصد والتصنيف والفرز، وهي سنوات أشرفت عليها مؤسسات اليسار الصهيوني وقياداته المدنية والعسكرية.

وفي مارس/آذار 1948، اكتملت خطة دالت، وهي عمليات عسكرية هجرت بها العصابات الصهيونية الفلسطينيين أثناء النكبة، وتضمنت تعليمات للسيطرة على القرى والمراكز العربية، وتدمير بعضها وطرد سكانها خارج المناطق التي تريد القيادة الصهيونية تثبيتها ضمن الدولة اليهودية الناشئة.

ومع تنفيذها، تحوَّلت عمليات الطرد إلى نهج واسع، وجرى اقتلاع مئات آلاف الفلسطينيين، ودُمِّرَت مئات القرى وفُرِّغَت أحياء مدنية كاملة من سكانها، وولدت قضية اللاجئين كواحدة من أكبر نتائج حرب فلسطين.

قاد هذا كله تيار يُعرَف في الغرب باسم اليسار.

كان بن غوريون رئيس الوكالة اليهودية ثم أول رئيس لحكومة الاحتلال، وكان ماباي القوة السياسية المركزية، وكانت الكوادر القادمة من الكيبوتسات والحركات العمالية تشكل جزءا وازنا من النخبة العسكرية والسياسية.

وقد كانت النكبة بكل مآسيها ابنة هذا المشروع الذي قادته الصهيونية العمالية، بكل ما حملته من لغة اشتراكية وحداثية، وبكل ما أنتجته في الواقع من اقتلاع وتهجير ومصادرة وإعادة تشكيل للمكان.

وبعد إعلان الدولة، انتقلت السيطرة من طور الحرب إلى طور القانون والإدارة.

فقد رفض بن غوريون عودة اللاجئين الفلسطينيين، ودُمِّرَت قرى كثيرة لمنع سكانها من العودة، ثم أُعيد ترتيب الفضاء الفلسطيني داخل الدولة الجديدة بأدوات تشريعية وبيروقراطية.

وكان قانون أملاك الغائبين، الذي صدر عام 1950، إحدى الركائز الكبرى لهذا التحول.

فقد عرَّف" الغائب" بطريقة واسعة شملت اللاجئين الذين طُردوا أو فروا خارج فلسطين، كما شملت فلسطينيين بقوا داخل حدود إسرائيل لكنهم غادروا قراهم أثناء الحرب إلى بلدات قريبة.

هكذا ظهرت فئة" الحاضرين الغائبين"، مواطنون يعيشون داخل الدولة ويحملون جنسيتها، لكنهم مُصنَّفون قانونيا كغائبين عن أملاكهم.

وبهذه الآلية، انتقلت أراضي اللاجئين والمهجرين داخليا إلى" حارس أملاك الغائبين"، ثم إلى سلطات وهيئات حكومية وشبه حكومية، قبل أن تُدمَج في منظومة" أراضي إسرائيل".

" بعد إعلان الدولة الإسرائيلية، انتقلت السيطرة من طور الحرب إلى طور القانون والإدارة"أما الفلسطينيون الذين بقوا داخل حدود دولة الاحتلال بعد 1948، فقد دخلوا مرحلة أخرى من الإخضاع.

فقد عاشوا بين عامي 1948 و1966 تحت حكم عسكري صارم، رغم حصولهم على" الجنسية الإسرائيلية" رسميا.

وتصف الباحثة شيرا روبنسون هذا الوضع بعبارة" مواطنون غرباء"، فقد كانوا مواطنين في دولة تقدم نفسها بوصفها ليبرالية، لكنهم في الواقع كانوا رعايا لنظام استعماري يُقيِّد حركتهم وعملهم وحقوقهم المدنية في الوقت نفسه.

كشفت مذبحة كفر قاسم عام 1956 الوجه العاري لهذا النظام.

ففي ظل حكومة بن غوريون، وقبل العدوان الثلاثي على مصر، فُرض حظر تجول على قرى" المثلث الحدودي" الذي يمتد من أم الفحم شمالا إلى كفر قاسم جنوبا، من دون إبلاغ العمال والفلاحين العائدين من حقولهم، ثم أُطلِق النار على من خرقوا الحظر وهم يجهلون صدوره، فاستُشهِد منهم 49 شخصا وأصيب العشرات بجروح بالغة، وحوكم بعض الضباط لاحقا، لكن المسؤولية السياسية العليا بقيت بمنأى عن المحاسبة.

" كانت بنية السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين قد اكتملت قبل وصول الليكود إلى السلطة"بهذا المعنى، كانت بنية السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين قد اكتملت قبل وصول الليكود إلى السلطة.

فقد ورث اليمين جيشا بناه بن غوريون، وقوانين مصادرة صاغتها حكومات اليسار، وحُكما عسكريا طبَّقته إدارات ماباي، ومستوطنات زراعية ثبتتها الكيبوتسات والحركات العمالية، واقتصادا يهوديا منفصلا ساهمت الهستدروت في ترسيخه.

وعندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، كانت حكومة حزب العمل هي التي بدأت الاستيطان في الأراضي المحتلة، في امتداد طبيعي لمنطق جرى اختباره على الفلسطينيين داخل حدود 1948.

اليمين وعقيدة" الجدار الحديدي"في عام 1923، أرسى زئيف فلاديمير جابوتنسكي، زعيم الصهيونية التصحيحية، المنافس الأيديولوجي للصهيونية الاشتراكية، الأساس النظري الأكثر صراحة لعقيدة اليمين الصهيوني في مقاله الشهير" الجدار الحديدي".

فقد جرَّد المقال المشروع الصهيوني من لغة التطمين التي استخدمها بعض قادته، ومن الوعود التي حاولت تقديم الاستيطان بوصفه طريقا إلى الازدهار.

وذهب جابوتنسكي مباشرة إلى جوهر الصراع، مؤكدا أن كل شعب أصلي يقاوم المستعمرين ما دام يملك أملا في منع استعمار وطنه، وأن الفلسطينيين لن يكونوا استثناء من هذه القاعدة.

كان جابوتنسكي يدرك أن العرب في فلسطين يعرفون طبيعة المشروع الصهيوني، وأنهم يدافعون عن وطنهم كما يفعل أي شعب يرى أرضه تتحول إلى مشروع قومي لشعب آخر.

ومن هنا صاغ خلاصته بأن الاستيطان الصهيوني لن يتقدم بموافقة السكان الأصليين، وإنما تحت حماية قوة صلبة مستقلة عن إرادتهم، خلف" جدار حديدي" يعجزون عن اختراقه.

" أكد جابوتنسكي أن الاستيطان الصهيوني لن يتقدم بموافقة السكان الأصليين، وإنما تحت حماية قوة مستقلة عن إرادتهم، وخلف جدار حديدي يعجزون عن اختراقه"تكشف هذه المحطة التأسيسية الفارق بين اليمين واليسار في اللغة والأسلوب أكثر مما تظهر اختلافا في الغاية.

فاليسار العمالي صاغ مشروعه عبر العمل والأرض والنقابة والكيبوتس والدولة الحديثة والتدرج المؤسساتي.

أما اليمين التصحيحي الذي أسسه جابوتنسكي، فذهب مباشرة إلى لب الصراع، معتبرا أن الفلسطينيين لن يقبلوا المشروع الصهيوني طوعا، وأن العرب لن يسلموا به، وأن المطلوب قوة تجعل المقاومة بلا أفق.

وقد حمل تياره اسم" التصحيحية" لأنه أراد دفع الصهيونية السائدة إلى مطلب أكثر اتساعا وصلابة، يقوم على السيادة اليهودية على كامل" أرض إسرائيل" التاريخية، بقوة السلاح والسياسة والتحالفات الدولية.

لم يكن جابوتنسكي مُنظِّرا معزولا على هامش الحركة الصهيونية، فقد أسس تيارا سيصبح لاحقا العمود الفقري لليمين الإسرائيلي.

وظهرت بعدئذ" بيتار" كحركة شبابية تعبئ الأجيال على أسس قومية يهودية صلبة، وترسَّخَت الصهيونية التصحيحية كتيار سياسي يرفض الاكتفاء بالتدرج العمالي، ثم جاء" الإرغون" بوصفه الذراع العسكرية التي ترجمت هذه الروح إلى عنف مباشر في فلسطين.

وفي مقابل صورة" اليهودي العامل" التي صنعتها الصهيونية العمالية، قدم اليمين التصحيحي صورة" اليهودي المقاتل" الذي ينتزع ويفرض ويحاصر السكان الأصليين باستخدام منطق القوة.

كان الخلاف بين اليسار واليمين داخل الحركة الصهيونية شديدا حول مسائل القيادة والأسلوب والطبقة الاجتماعية والعلاقة مع البريطانيين وموقع الدين والقومية.

غير أن فلسطين، بوصفها أرضا وشعبا أصليا، ظلت مركز الإجماع العميق بين التيارين.

أراد اليسار بناء أغلبية يهودية عبر المؤسسات والهجرة والعمل العبري وشراء الأرض ثم الحرب.

وأراد اليمين الاعتراف المبكر بأن المشروع سيصطدم بالشعب الفلسطيني، وأن السيطرة تحتاج إلى قوة عارية تقنع الفلسطينيين والعرب بأن هزيمة المشروع مستحيلة.

الأول غلَّف الصراع بلغة البناء، والثاني سمَّاه صراعا على السيادة منذ البداية.

" في مقابل صورة اليهودي العامل التي صنعتها الصهيونية العمالية، قدم اليمين التصحيحي صورة اليهودي المقاتل الذي ينتزع ويفرض ويحاصر السكان الأصليين بمنطق القوة"من هذه المدرسة خرج مناحيم بيغن، الوريث الفعلي لجابوتنسكي.

وقد جاء بيغن من عالم" بيتار"، وتشرب الصهيونية التصحيحية في أوروبا الشرقية، ثم وصل إلى فلسطين في أربعينيات القرن الماضي ليصبح قائدا لمنظمة" الإرغون".

ومن سيرته تتضح إحدى المفارقات الكبرى في تاريخ دولة الاحتلال، فالرجل الذي قاد منظمة مسلحة نفذت تفجيرات واغتيالات وشاركت في مجازر ضد الفلسطينيين، صار لاحقا رئيسا للوزراء، ونال جائزة نوبل.

جسدت" الإرغون" تصورا يرى أن القوة تصنع السياسة، وأن العملية العسكرية رسالة، وأن الرعب أداة لإعادة تشكيل الخريطة البشرية.

ونفذت المنظمة تفجير فندق الملك داود في القدس عام 1946، في عملية قُتِل فيها عشرات البريطانيين والعرب واليهود.

ثم شاركت مع عصابة" ليحي" في اقتحام قرية دير ياسين في 9 أبريل/نيسان 1948، قبل أسابيع من إعلان قيام دولة إسرائيل.

وكانت القرية قد أبرمت اتفاق عدم اعتداء مع" الهاغاناه"، وكان سكانها يعيشون بعيدا نسبيا عن خطوط القتال، ومع ذلك تحوَّلت في غضون ساعات إلى مسرح لمذبحة راح ضحيتها أكثر من مئة فلسطيني، بينهم نساء وأطفال وشيوخ.

تكمُن دلالة دير ياسين في أثرها السياسي والنفسي بقدر ما تكمُن في فظاعتها نفسها.

فقد أدرك بيغن قيمة الرعب كسلاح في حرب التهجير.

وفي مذكراته، تحدث عن انتشار الخوف بعد المذبحة، وعن فرار العرب من مناطق عدة تحت أثر ما سمعوه.

وتعامل بيغن مع ما جرى بوصفه فعلا عسكريا ونفسيا خدم المشروع.

فصارت المجزرة في قاموس اليمين الصهيوني جزءا من إدارة الحرب، لا خروجا عليها.

والأهم أن دير ياسين كشفت سيولة الحدود بين المؤسسة الرسمية والعصابات المتطرفة.

فالهاغاناه، التي ارتبطت بالتيار العُمَّالي وبالمؤسسة الصهيونية المركزية، قدمت أشكالا من الدعم أو التنسيق للعملية في سياق الحرب على القدس ومحيطها.

إذ التقى اليمين المسلح واليسار المؤسسي عند لحظة طرد ورعب واحدة، رغم اختلاف اللافتات والخطاب.

بعد قيام الدولة، أسس بيغن حركة" حيروت"، فدخلت" الإرغون" إلى البرلمان بلباس حزبي، وحملت ذاكرتها المسلحة إلى قلب السياسة الإسرائيلية كرأسمال تعبوي ورمزي.

وأثار صعود" حيروت" قلقا لدى مثقفين يهود بارزين، بينهم ألبرت أينشتاين وحنة أرندت، إذ حذَّرا مع آخرين في رسالة شهيرة إلى نيويورك تايمز عام 1948 من الحزب الجديد الخارج من رحم" الإرغون".

ومع ذلك، مضى المسار إلى نهايته.

فالحركة التي عُدَّت في بدايات الدولة خطرا فاشيا صارت، بعد عقود، تقود الحكم باسم الليكود.

في عام 1977، وصل بيغن إلى السلطة في تحوُّل عُرف داخل إسرائيل على أنه" انقلاب سياسي".

وانتهت الهيمنة الطويلة لماباي وحزب العمل، وصعد الليكود ممثلا لليمين التصحيحي، ولليهود الشرقيين المهمشين، وللمستوطنين، وللقوميين، ولقطاعات واسعة ناقمة على احتكار النخبة العُمَّالية الأشكنازية للدولة.

كان التحوُّل اجتماعيا وسياسيا، لكنه لم يبدأ سياسة السيطرة على الفلسطينيين من الصفر، إذ تسلَّم اليمين دولة جاهزة بجيشها وقوانين المصادرة خاصتها ومستوطناتها ومنظورها الأمني الذي يرى الفلسطيني خطرا دائما.

الجديد أن اليمين منح هذه البنية لغة أوضح من ذي قبل، تقوم على الحق التاريخي وأرض إسرائيل ورفض الانسحاب وتوسيع الاستيطان بوصفه واجبا قوميا.

" تسلم اليمين دولة جاهزة بجيشها وقوانين المصادرة خاصتها ومستوطناتها ومنظورها الأمني الذي يرى الفلسطيني خطرا دائما"وقَّع بيغن اتفاق السلام مع مصر، لكنه تمسك بالضفة الغربية المحتلة.

ففي قاموس اليمين، لا تظهر الضفة كأرض محتلة، بل باسم" يهودا والسامرة"، قلب الرواية التوراتية والقومية.

لذلك كان السلام عند اليمين قائما على إخراج أطراف عربية من دائرة الصراع، لا على الاعتراف الحقيقي بحق الفلسطينيين في أرضهم.

وقد تمَّ الانسحاب من سيناء لأنها خارج المركز التوراتي في المخيال الصهيوني، بينما بقيت الضفة والقدس داخل منطقة العقيدة والهوية والسيادة.

وهكذا فصل سلام بيغن مع مصر بين المسار العربي الرسمي والمسار الفلسطيني، وفتح المجال أمام تكريس السيطرة على الفلسطينيين تحت غطاء جديد.

ثم جاء إسحاق شامير، القادم من منظمة" ليحي" الأكثر تطرفا، ليجسد وجها آخر من وجوه اليمين.

كان شامير أقل خطابية من بيغن وأكثر تعبيرا عن عقلية الدولة الأمنية التي ترى في التفاوض وسيلة لكسب الوقت.

وفي عهده وبعده، صار الاستيطان سياسة دائمة، وتعلم اليمين أن السيطرة لا تحتاج إلى إعلان ضم رسمي، فيكفي بناء طرق التفافية، ومجالس استيطانية، وقواعد عسكرية، ونظام تصاريح، ومناطق مُصنفة، وحياة فلسطينية مُقطَّعة.

مع أرييل شارون، دخل اليمين مرحلة الجنرال المستوطن.

كان شارون ابن الجيش والغارات والمذابح والحروب، من قبية إلى لبنان، ومن رعاية الاستيطان إلى إعادة هندسة السيطرة على غزة.

وجسَّد شارون فكرة اليمين البراغماتي القاسي الذي يستخدم القوة لتغيير الواقع، ثم يعيد ترتيب الاحتلال حين تصبح بعض أشكاله مكلفة.

" جسَّد شارون فكرة اليمين البراغماتي القاسي الذي يستخدم القوة لتغيير الواقع، ثم يعيد ترتيب الاحتلال حين تصبح بعض أشكاله مكلفة"وفي عهد نتنياهو، بلغ اليمين الإسرائيلي شكله الأطول عمرا والأكثر قدرة على الجمع بين إرث جابوتنسكي، وصناعة الصورة في الإعلام الأمريكي، وتوظيف الخوف الأمني، واقتصاد السوق، والشعبوية القومية.

فقد عمل نتنياهو على تعطيل المشروع الوطني الفلسطيني وتفكيك أي أفق سياسي يمكن أن يقود إلى دولة أو سيادة.

وأدار الصراع بوصفه حالة دائمة قابلة للضبط، وغذَّى الانقسام الفلسطيني، وسوَّق للعالم إمكانية تطبيع العلاقات مع العرب من دون المرور بالحقوق الفلسطينية.

ومع ذلك، ظل نتنياهو في كثير من الأحيان سياسيا يعرف كلفة الكلمات، ويستخدم لغة الأمن والإرهاب والردع والخطر الإيراني والتفوق العسكري والشراكات الإقليمية، أما الجيل الأحدث من اليمين، مُمثَّلا في بن غفير وسموتريتش، فقد تخلَّص من كثير من هذه الأقنعة.

عندما قال سموتريتش عام 2023 إن بلدة حوارة يجب أن تُمحَى، كان يترجم تاريخ الجدار الحديدي إلى قاموس ديني استيطاني معاصر.

لقد صاغ جابوتنسكي المسألة على أنها حتمية استعمارية باردة، تقوم على أن السكان الأصليين يقاومون وأن المشروع يحتاج إلى قوة تكسر أملهم.

أما سموتريتش وبن غفير فيضيفان إلى هذه البرودة شحنة توراتية وشعبوية وعنصرية: الأرض لنا وحدنا والدولة مطالبة بأن تفعل ما كان المستوطنون يفعلونه خارج إطار القانون.

" انتقل اليمين من موقع الوريث السياسي للعنف الصهيوني إلى الممثل المباشر للعنف الاستيطاني داخل مؤسسات الحكم"هذا هو التحول الأبرز في اليمين الإسرائيلي، إذ انتقل من الوريث السياسي للعنف الصهيوني إلى الممثل المباشر للعنف الاستيطاني داخل مؤسسات الحكم.

في مرحلة بيغن، احتاجت" الإرغون" أن تتحول إلى حزب كي تدخل الدولة.

وفي مرحلة نتنياهو، احتاجت الكاهانية إلى تحالفات انتخابية كي تدخل الحكومة.

وبعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبحت الحدود بين الدولة والمستوطنين والجيش والتيارات الدينية أكثر سيولة.

المستوطن المسلح في الضفة، والوزير الذي يطلب له مزيدا من السلاح والصلاحيات، والجيش الذي يحميه، والحكومة التي تموله؛ كل هؤلاء يعملون جميعا داخل منطق واحد يقوم على تحويل الوجود الفلسطيني إلى حالة قابلة للكسر المستمر.

إسرائيل تبحث عمن يدير الحرببعد أيام قليلة من تصويت الكنيست على مشروع حلّ نفسه مطلع يونيو/حزيران الماضي، اختار نتنياهو أن يخاطب جمهوره من مستوطنة في الضفة الغربية المحتلة.

وهناك أمام جمهور يدرك معنى الأرض في القاموس الصهيوني، تحدَّث رئيس حكومة الاحتلال بلغة الخرائط والسيطرة، قائلا إن جيشه يسيطر على أكثر من 60% من قطاع غزة، وإن التوجيهات العسكرية تتجه إلى رفع هذه النسبة إلى 70%.

ولذا تبدو الانتخابات الإسرائيلية المقبلة امتدادا للحرب بأدوات سياسية.

فرئيس الوزراء المُحاصَر بتراجع شعبيته، وغضب عائلات القتلى، وتصدُّعات ائتلافه اليميني، أراد تحويل السيطرة العسكرية إلى رصيد انتخابي، وتحويل الخراب في غزة إلى دليل قوة، وتحويل استمرار الحرب إلى برنامج بقاء.

ومن هذه الزاوية، تتكشف الانتخابات الإسرائيلية بوصفها صراعا على إدارة الحرب لا على إنهائها.

فالمعركة داخل الكيان تدور حول الجهة الأقدر على ترميم صورة الجيش، واستعادة الردع، وإقناع الداخل والخارج بأن السيطرة على الفلسطينيين يمكن أن تستمر بأدوات أكثر كفاءة وأقل كلفة.

" تتكشف الانتخابات الإسرائيلية بوصفها صراعا على إدارة الحرب لا على إنهائها"منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، تعيش دولة الاحتلال الإسرائيلي أزمة ثقة مركبة.

فقد تضرَّرت صورة القيادة السياسية، واهتزت هيبة المؤسسة العسكرية، وتصدعت أسطورة الحدود المحصنة بالتكنولوجيا والاستخبارات والجدران.

ومع اتساع الحرب على غزة، وامتداد التوترات إلى لبنان وسوريا وإيران، صار النقاش الانتخابي الإسرائيلي أكثر التصاقا بإدارة الخطر، وأبعد عن جذره المتمثل في الاحتلال والحصار والاستيطان ونظام السيطرة الممتد على الفلسطينيين.

ولذلك يتركز الخطاب الإسرائيلي، لدى نتنياهو وخصومه، على الفشل والإدارة والمحاسبة والاستعداد.

ومن جهتها، تهاجم المعارضة رئيس الحكومة بسبب إخفاق 7 أكتوبر/تشرين الأول، وإطالة الحرب، وإضعاف صورة الدولة أمام حلفائها، لكنها تُبقي أصل المأساة الفلسطينية خارج مركز النقاش.

ويختلف كل معسكر في وصفة إدارة" المسألة الفلسطينية"، بينما تبقى الفرضية الأصلية ثابتة، فالفلسطيني خطر ينبغي كسره أو عزله أو إبقاؤه تحت السيطرة.

بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، ازداد هذا التصور رسوخا.

وأظهرت استطلاعات الرأي الإسرائيلية تزايد رفض الدولة الفلسطينية في صفوف الرأي العام اليهودي الإسرائيلي، وتصاعد الاعتقاد بأن الانسحاب من الضفة الغربية سيجعلها نسخة أخرى من غزة.

وخرجت هذه اللغة من حدود اليمين الديني والقومي، وتسلَّلت إلى قلب المجتمع، بل وإلى بقايا اليسار الصهيوني نفسه، وإلى جنرالات سابقين يُقدِّمون أنفسهم بديلا عقلانيا عن نتنياهو.

والعقلانية هنا تعني إدارة الاحتلال بانضباط أكبر وخفض كلفته الدولية وإعادة ترتيبه عسكريا وسياسيا، لا أكثر.

" تتحوَّل الانتخابات إلى اختبار للرواية الأكثر إقناعا داخل المجتمع الإسرائيلي بعد الصدمة"من هنا يمكن فهم صعود أسماء مثل نفتالي بينيت ويائير لابيد وغادي آيزنكوت في مواجهة نتنياهو، فرجل مثل بينيت يميني صريح، يحمل تاريخا سياسيا قريبا من خطاب الاستيطان والسيطرة، في حين يُقدِّم لابيد نفسه زعيما وسطيا قادرا على ترميم العلاقات مع الغرب وتخفيف الانقسام الداخلي، أما آيزنكوت فيأتي من المؤسسة العسكرية، ويحمل صورة الجنرال القادر على إصلاح ما أفسده السياسيون.

وتدور المنافسة بين كل هؤلاء حول استعادة" الدولة الفاعلة" بعد الصدمة.

من هنا تتحوَّل الانتخابات إلى اختبار للرواية الأكثر إقناعا داخل المجتمع الإسرائيلي بعد الصدمة.

يُقدِّم نتنياهو نفسه بوصفه الرجل الذي قاتل على جبهات متعددة، ووسَّع مناطق السيطرة الإسرائيلية، وأعاد صياغة الردع.

في حين يُقدمه خصومه بوصفه الرجل الذي قاد الدولة إلى أكبر إخفاق أمني في تاريخها، وأطال الحرب، وعمَّق العزلة، وأدار المؤسسات لمصلحة بقائه.

ومع ذلك، يظل الفلسطيني في معظم الخطابات الانتخابية هدفا عسكريا، وورقة تفاوض، وتهديدا أمنيا، وعبئا ديموغرافيا، وخصما ينبغي منعه من تحويل أي مساحة إلى قاعدة مقاومة.

ولا فرق كبير هُنا بين اليمين" المتطرف" واليسار" العاقل"، الذي صنع المشروع الاستيطاني بنفسه منذ أكثر من 80 عاما، قبل أن يتلقَّفه اليمين ويصيغه بلغة أكثر فجاجة ووضوحا.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك