يعمل باحثون من مختبر SLAC الوطني للمسرّعات الذي تديره جامعة ستانفورد، بالتعاون مع قسم الفيزياء التطبيقية في جامعة كورنيل، على فك شفرة السلوك الإلكتروني الخفي داخل عائلة جديدة من المواد تُعرف بموصلات" النيكلات" الفائقة.
يهدف هذا الجهد العلمي إلى تجاوز إحدى أكبر العقبات التي واجهت مهندسي الحواسيب منذ بداية استخدام السيليكون، وهي المقاومة الكهربائية.
فعندما تتحرك مليارات الإلكترونات داخل المعالجات الدقيقة، تتصادم مع الذرات، ما يؤدي إلى توليد حرارة عالية وهدر أكثر من ثلث الطاقة الكهربائية في الخوادم على شكل حرارة مهدرة.
وكان أحد الحلول النظرية لهذه المشكلة يكمن في استخدام الموصلات الفائقة، وهي مواد تتيح للتيار الكهربائي المرور دون أي مقاومة أو فقدان للطاقة، غير أن العائق الأساسي تمثل في حاجة هذه المواد إلى تبريد شديد يقترب من الصفر المطلق لكي تؤدي وظيفتها.
لماذا اتجه العلماء إلى النيكلات؟لسنوات عديدة، اعتمد العلماء على مواد قائمة على النحاس تُعرف بالكوبرات لتحقيق التوصيل الفائق في درجات حرارة أعلى نسبياً، لكن صعوبة تصنيعها وهشاشتها دفعتهم للبحث عن بدائل.
هكذا، توجه الاهتمام نحو النيكلات، وهي مواد تعتمد على النيكل والأكسجين، وتتميز بخصائص ذرية مشابهة للنحاس، لكنها أظهرت سلوكاً غامضاً في المختبرات بفقدانها قدرة التوصيل بطرق لم يستطع الفيزيائيون تفسيرها في البداية.
تصوير السلوك الإلكتروني الخفيلفهم ما يحدث داخل هذه المادة على المستوى الذري، استعان الفريق البحثي بتقنية تصوير متطورة تُدعى تشتت الأشعة السينية الرنيني غير المرن، والتي تعمل بمثابة مجهر دقيق يتيح مراقبة كيفية تفاعل الإلكترونات المنفردة مع بعضها ومع المجالات المغناطيسية المحيطة بها.
في الحالات الطبيعية، تتنافر الإلكترونات بقوة بسبب شحناتها السالبة، ولحدوث التوصيل الفائق، يجب أن تتغلب على هذا التنافر وتتحد في أزواج تنزلق عبر المادة دون احتكاك.
وقد لاحظ الباحثون أن الإلكترونات داخل النيكلات تلجأ إلى حيلة كمية، حيث تتوزع في نمط موجي يعيد ترتيب الشحنات داخل الشبكة البلورية للنيكل، ما يخلق جيوباً مغناطيسية دقيقة تعمل كغراء يجمع الإلكترونات في أزواج وتسمح لها بالمرور بسلاسة.
وأظهرت التجارب إمكانية التحكم في هذا السلوك هندسياً عبر تشويب المادة بذرات من عناصر نادرة، بما يساعد على تثبيت حالة التوصيل الفائق عند درجات حرارة أعلى مما كان يُعتقد سابقاً.
وقد يفتح هذا الفهم العميق للآلية الداخلية للنيكلات الباب أمام تصنيع معالجات أقل توليداً للحرارة وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، مما قد يقلل الحاجة إلى أنظمة التبريد المائي العملاقة ومكيفات الهواء التي تستهلك جزءاً مهماً من طاقة مراكز البيانات.
نحو جيل جديد من الإلكترونيات الباردةإلى جانب ذلك، قد تساعد هذه المواد مستقبلاً في تقليص بعض مكونات الحواسيب الكمية التي تتطلب حالياً معدات تبريد ضخمة، لتصبح أكثر قابلية للاستخدام خارج المختبرات المتخصصة، فضلاً عن إمكانية دمجها على المدى الطويل في خطوط التوصيل الإلكترونية لتسريع نقل البيانات داخل اللوحات الأم باستهلاك طاقة منخفض جداً، مما يمهد الطريق نحو جيل جديد من الإلكترونيات الباردة التي تتجاوز قيود الفيزياء التقليدية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك