طوت الجزائر صفحة أزمتها مع دول الساحل، بعد تسوية خلافاتها مع مالي، في خطوة تمهد لعودة العلاقات مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى ما كانت عليه قبل عام 2021، بعد خمس سنوات من التوتر الدبلوماسي والمناكفات السياسية التي وصلت إلى سحب السفراء وحادثة ذات طابع عسكري.
ومن شأن هذا التطور أن ينعكس إيجاباً على التعاون الأمني، الذي يمثل انشغالاً مشتركاً للجزائر ودول الساحل، وأن يفتح الباب أمام إعادة تفعيل المشروعات الاقتصادية وتوسيع حركة التجارة، خاصة في ظل النجاح اللافت للتعاون بين الجزائر والنيجر خلال الفترة الأخيرة.
وبعد أشهر من طي الجزائر أزمتها مع النيجر، وإعادة سفيرها أحمد سعدي إلى نيامي في فبراير/ شباط الماضي، عقب قرار الحكومة النيجرية إعادة سفيرها إلى الجزائر أمينو مالام مانزو واستئنافه مهامه، ثم إرسال وفد حكومي رفيع بقيادة وزير المحروقات محمد عرقاب إلى بوركينا فاسو، نجحت الجزائر أخيراً في طي أزمتها الدبلوماسية مع مالي.
وترجم هذا التطور في ثلاث خطوات متبادلة وسريعة بين الجزائر ومالي، تمثلت في فتح الأجواء، وإعادة السفراء، والاستعداد لإضفاء ديناميكية جديدة على العلاقات بين البلدين.
فقد قررت الجزائر، الخميس، فتح أجوائها أمام الطيران من مالي وإليها، وردت باماكو سريعاً بقرار مماثل، إلى جانب إعادة سفيرها محمد أماغا دول إلى الجزائر، بعد 15 شهراً من استدعائه للتشاور في إبريل/ نيسان 2025، إثر إسقاط الجيش الجزائري طائرة مسيّرة مالية دخلت الأجواء الجزائرية.
وأعقب ذلك، بساعات، إعلان الجزائر إعادة سفيرها كمال رتيب إلى باماكو، بعد الفترة نفسها من استدعائه إلى بلاده.
لم تكن هذه التطورات الإيجابية وليدة لحظة سياسية، لكنها كانت بفعل اتصالات غير مباشرة، كان قد أعلنها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في الثالث من مايو/ أيار الماضي.
ويحيل ذلك إلى إمكانية أن تكون النيجر ورئيس السلطة الانتقالية في نيامي، الجنرال عبد الرحمن تشياني، الطرف الذي لعب دوراً في الوساطة بين الجزائر وباماكو، إذ كان قد زار الجزائر قبل تصريحات الرئيس تبون بشهر، في إبريل/ نيسان الماضي، بل إنّ تبون حرص على تقديم التطور السريع للإسناد الاقتصادي الجزائري لدولة النيجر نموذجاً يمكن تكراره مع مالي إذا رغبت هذه الأخيرة.
وما ساعد على ذلك احتفاظ الجزائر بـ" صبر استراتيجي" لافت في خضم الأزمة مع دول الساحل، وخلال كامل فترة الأزمة مع مالي، التي بدأت بالتفاقم بداية من عام 2023، خاصة إزاء الاستفزازات الدبلوماسية المالية، بعدما كرّرت باماكو اتهاماتها الرسمية المعلنة للجزائر بـ" دعم الإرهاب ومحاولة التدخل في الشؤون الداخلية في مالي"، إذ لم ترد الجزائر على ذلك، لكون التقديرات السياسية في الجزائر كانت تؤكد أن هذه المواقف مدفوعة بأطراف إقليمية وخارجية كانت تبحث عن التموضع في المنطقة لأسباب مختلفة، من جهة، ومن جهة ثانية لكون الجزائر، وفقاً لما أعلنه وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، متأكدة تماماً من أن مالي ودول الساحل ستعود إلى الجزائر حتماً، بسبب جملة من الإكراهات ذات الصلة بالترابط الجغرافي والاجتماعي والأمني.
ويعتقد الباحث في الشؤون الأمنية وقضايا منطقة الساحل مولود ولد الصديق أنه من المبكر القول إن العلاقات بين الجزائر ومالي، وكذا دول الساحل، عادت بالكامل إلى ما كانت عليه قبل سنة 2021.
وقال لـ" العربي الجديد" إن" إعادة السفراء وفتح المجال الجوي تمثلان مؤشرات مهمة على استعادة قنوات التواصل والثقة، لكنها لا تعني بالضرورة أن جميع الملفات الخلافية قد أُغلقت.
في العلاقات الدولية يُنظر إلى مثل هذه الإجراءات بوصفها مرحلة لإدارة الخلافات وتهيئة مناخ جديد للتعاون، أكثر من كونها إعلانَ نهاية الأزمة.
صحيح أننا أمام مسار إيجابي يسمح بالحديث عن بداية إعادة تموضع العلاقات الثنائية على أسس أكثر استقراراً، وهو ما قد ينعكس أيضاً على طبيعة العلاقات الجزائرية مع بقية دول تحالف الساحل، لكن الحكم النهائي يظل مرهوناً باستمرارية هذا التقارب وترجمته إلى سياسات عملية مفيدة تنعكس على وضع المنطقة".
ويتوقع ولد الصديق أن" تظهر المرحلة المقبلة من خلال جملة من المؤشرات الإيجابية بين الجزائر ومالي، أهمها اعتماد خطاب سياسي وإعلامي أكثر هدوءاً تجاه الجزائر، بما يرسخ مناخ الثقة، وتكثيف الزيارات الرسمية واجتماعات اللجان الثنائية، واستئناف أو إطلاق مشاريع تعاون اقتصادي، خاصة في مجالات التجارة الحدودية والطاقة والنقل والبنى التحتية، وتعزيز التنسيق الأمني بشأن القضايا الحدودية ومكافحة الجماعات المسلحة والجريمة المنظمة، وتنشيط التعاون داخل الأطر الإقليمية والأفريقية بما يخدم استقرار منطقة الساحل".
تحول الموقف أم تكتيك سياسي؟لا تنفصل مجمل هذه التطورات في العلاقة بين الجزائر ومالي عن التداعيات الأمنية الأخيرة وانكشاف" الفيلق الأفريقي" الذي يتبع روسيا في مالي، والعجز عن الدفاع عن العاصمة باماكو، خصوصاً بعد الهجوم الكبير الذي تعرّضت له العاصمة المالية ومطارها، ومقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا نهاية إبريل/ نيسان الماضي، ما وضع السلطة في باماكو بين مطرقة حركات الأزواد التي استعادت السيطرة على مدن الشمال، وسندان تنظيم القاعدة والمجموعات المسلحة، وهو ما فرض عليها مراجعة علاقاتها مع الجزائر.
ويؤكد الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية والمتخصص في الشؤون الأفريقية عمار سيغة، أنّ" التطورات العسكرية لعبت دوراً كبيراً في تحول الموقف المالي من الجزائر.
قوات المجلس العسكري أصبحت عاجزة تماماً، بدورها، عن تغيير مجريات المعركة، فيما تواجه الاستراتيجية العسكرية للمجلس الحاكم في باماكو، التي تعتمد كلياً على المظلة الروسية، مأزقاً حقيقياً.
وقد تشكّلت حقيقة وقناعة لدى المجلس العسكري المالي بأن استقرار الشمال مستحيل دون تنسيق أو ضوء أخضر من الجار الشمالي، الجزائر، التي تملك أوراق ضغط قوية وعلاقات ممتدة مع مختلف الأطراف في المنطقة، وتعد الممر الحيوي والاستراتيجي للإمدادات والطيران في منطقة الساحل".
ما زال الوقت مبكراً لمعرفة ما إذا كان التحول المالي خطوة تكتيكية ذكية من باماكو للتهدئة مع الجار الأكثر تأثيراً في ملفها الأمني، أم أنه يعكس حاجة مالي الملحة إلى إعادة التوازن في علاقاتها الإقليمية بعد أن استنزفتها الصراعات الداخلية والعزلة التي فُرضت على السلطة القائمة في مالي.
كما أن المجلس العسكري في مالي أدرك أن سياسة كسر العظم والقطيعة التامة مع الجزائر لم تحقق النتائج المرجوة، بل زادت من عزلة باماكو الإقليمية، خاصة مع استمرار الأزمات الاقتصادية والأمنية، وهذا ما دفع إلى إعادة تبني الخطاب الدبلوماسي الهادئ باستخدام عبارات مثل" إعادة الديناميكية لعلاقات التعاون والصداقة"، ما يمثل تنازلاً عن التصعيد السابق ومحاولة لفتح صفحة جديدة مبنية على المصالح المشتركة والواقعية السياسية.
وتفتح مجمل الخطوات الأخيرة الباب، على الأقل، لبدء مرحلة استعادة الثقة لتجاوز كامل مخلفات الأزمة، وتفتح المجال لتعاون اقتصادي وأمني وتنموي مستدام، والدخول في مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، خاصة بالنظر إلى رمي الجزائر، في الفترة الماضية، كامل ثقلها الاقتصادي النفعي والطاقي في الساحل، إذ كانت قد بدأت تنفيذ مشروعات في قطاعات الطاقة والنفط والتجارة مع النيجر، وإمدادات الطاقة إلى بوركينا فاسو، وبناء محطة كهرباء ومشروعات أخرى في تشاد، وشق الطرق وبناء منطقة تبادل تجاري حر مع موريتانيا، وهو ما قد ترغب باماكو في الاستفادة منه في الوقت نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك