وكالة الأناضول - غروندبرغ: تلقينا التزاما من الحكومة اليمنية والحوثيين بتنفيذ اتفاق الأسرى قناة الجزيرة مباشر - Networks | Does Coca-Cola cure stomach ailments? قناة الشرق للأخبار - انتقام بوتين المزلزل.. قصف جماعي يسحق مصانع المسيرات وموانئ أوكرانيا الجزيرة نت - وزير الطاقة السوري: أعتذر عن أزمة المحروقات وهذه أسبابها العربي الجديد - سورية: بدء انفراج أزمة المحروقات مع تكثيف التوزيع العربي الجديد - ميسي يتحدى قوانين كرة القدم: الأقل ركضاً والأكثر تأثيراً العربي الجديد - أكسيوس: مسؤولون قطريون يشاركون في محادثات مسقط بشأن هرمز قناة العالم الإيرانية - الحرب الروسية الأوكرانية تعصف بأسواق القمح العالمية! قناة التليفزيون العربي - قالت إن خيارها هو "المقاومة ضد الاحتلال".. فصائل عراقية ترفض تسليم السلاح وتواصل تدريب مقاتليها العربي الجديد - وفاة مفاجئة تهز جنوب أفريقيا.. رحيل آدامز بعد عودته من كأس العالم
عامة

خليل الجيزاوى: عذابات الانكسار فى قصص الفاوريكة

اليوم السابع
اليوم السابع منذ ساعتين

إذا كانت مهمة الأدب هي تغيير الأطر التقليدية للحياة من خلال اصطدام أبطالها بالعقبات التي تقابلهم في الواقع المعيش، فإن الكاتب المبدع هو الذي يُساهم في تصحيح أنماط السلوك بكتاباته المستنيرة في خلق وإعا...

إذا كانت مهمة الأدب هي تغيير الأطر التقليدية للحياة من خلال اصطدام أبطالها بالعقبات التي تقابلهم في الواقع المعيش، فإن الكاتب المبدع هو الذي يُساهم في تصحيح أنماط السلوك بكتاباته المستنيرة في خلق وإعادة بناء الإنسان أو توجيه خطواته نحو الأسمى والأفضل، وإذا كان الخيال تكثيفًا للواقع، والأدب تعبير عن إشكالية الوجود الإنساني في هذه الحياة من خلال تسليط الضوء على الهم الإنساني ورصد أزمات الإنسان القلق الحائر الذي يتنازع مع هذا العالم المُوحش المُستأسد، لقد نجح الكاتب محمد عبد الحافظ ناصف في قصص الفاوريكة أن يلتقط أشد اللوحات المفعمة بالإنسانية وتصوريها تصويرًا صادقًا مُعبرًا عن الألم والجزع، عالم الفاوريكة عالم الانكسارات الذي يغتال أحلام الكبار والصغار معًا، حتى باتت الفاوريكة ندّاهة تصرخ كل يوم بصفارتها ودخانها الأسود الذي يعشش في الصدور، تراه وتسمعه في سُعال العمال، نتيجة أمراض الربو المزمنة في صدور جميع العمال، ومع ذلك فإن الفاوريكة عندما تفتح باب التعيين لأولاد العاملين، يتسابق الجميع في دفع بناتهم وأولادهم، دون أن يُكملوا تعليمهم، حتى لو كانوا من المتفوقين؛ لأنها الفاوريكة/ النداهة التي باتت تتحكم في مصائر الجميع وتُشكّل أحلامهم الليلية.

نجد أن صراع العالم المعيش في قصص هذه المجموعة صراع بائس وتعيس، ففي قصة (فاتحة للروح) يلمس الكاتب صورة الأم المكافحة التي قضت حياتها تحمل طست الجبن والزبدة، بعد شرائه من الفلاحين، تقعد أمام باب الفاوريكة تبيعه للعمال بالتقسيط حتى أقعدها المرض، نجد صورة الأب الذي أصابه المرض والعجز، عندما أعلنوا أنهم سوف يبيعون الشركة، أُصيب بالهمّ والحزن والكرب الشديد؛ لأنه كان يظن أنه امتلك الشركة، بعد سنوات العمل التي زادت عن أربعين عامًا في مصنع خمسة، أيضًا نشاهد صورة الابن الذي كان عليه أن يواجه واقعه المرير، فينسى أحلامه أو يؤجلها، ينضم للفاوريكة حتى يرعى والده المريض، هو الفقر والمرض وانكسار الأحلام.

ص 19في قصة (فاتحة للقلب) لقطة ثانية، مُفعمة بالبراءة والتلقائية لعالم الطفولة الجميل والأثير بخياله البكر وعفويته الأولى وأساطيره المُوحشة الكابية التي تواجه اغتيال الأحبة، موت (أمل) هو اغتيال مُبكر للطفولة التي ابتلعت كل الآهات المكتومة وانكسار مُبكر جدًا للحلم الجميل.

(القصة ص 30)، لكن في قصة (فاتحة للسندباد) انكسار آخر لأحلام الطفولة، الولد الصغير يعمل مناديًا على سيارة المكروباص، يمتد به العمل حتى منتصف الليل، طوال الوقت يحلم أن تنتهي وردية العمل حتى ينام بعد يوم الشقاء الطويل، وفى قصة (شارع البحر) نشاهد الانكسار في قلب الطفل الذي يواجه اغتيال أحلامه وأشواقه، بعد رحيل (هويدا) لمدينتها الساحلية، وهجرة (أمل) مع والديها لبلاد النفط، وعليه أن يواجه عذابات الفقد والوحدة، (القصة ص 43)، في قصة (مطاردة) يؤكد الكاتب أن الحياة حلم مشعوف، وأنه قد حلم بها يومًا، وحين ابتسمت له (كان مسيحها ما زال مصلوبًا على ميداليتها)، هو انكسار للحلم المشنوق على جدار الفقر والعوز، والمسيح دائمًا رمز للخلاص، فهو المُخلّص من قسوة الحياة وعذابها، أيضًا في قصة (شعر البنت) انكسار للحلم مع انتحار العروسة، بات كأنّه يحمل خُبزًا فوق رأسه فتأكل منه العصافير، تناص مع قصة الحلم القرآنية التي وردت في سورة يوسف، وهو دلالة على قتل وصلب الأحلام، أما قصة (الفاوريكة) فهي تجسد انتحار عالم الطفولة بأكمله، فتحت الشركة التعيين أمام أولاد العاملين، فتنافس الجميع بتقديم الأوراق للعمل بها، هي الفاوريكة/ النداهة التي أخذت (هدى) ومن قبلها الكثيرات، رغم ذلك تقول الأم:" البنت سوف تدخل الشركة لا نريد منكم نجاحًا يا أستاذ.

ص 94".

نسمع الأستاذ وهو يكمل: " ثم ارتفع داخلي نفير الشركة عاليًا" كأن صوت النداهة يسخر من الأستاذ الذي وقف يُدافع عن تفوق البنت، يشرح ضرورة تكملة تعليمها، يؤكد: " إنها الأولى"! ؛ لكن هيهات هيهات، فصوت النداهة/ نفير الشركة، يعلو ساخرًا، وهكذا اتسعت الهوة بين الخيال والواقع، صورة أخرى للتناقض في هذه الحياة.

ينحاز الكاتب للمقهورين المهمشين أمام قسوة مطالب الحياة، يسجل انحيازه بتلقائية شديدة، نرى تعاطفه الحميم حين يرسم بدموعه وآهاته عذابات الأهل وانكسار الحلم في عيون الكبار والصغار، في قصة بندق:ـ" إنهم يدورون كالبهائم في الساقية منذ أربعين عامًا مقابل لا شيء"!

القصة ص 100".

هناك أيضًا صورة الطفل وهو يتثاءب من التعب بعد منتصف الليل، على باب المكروباص ينادى الركاب:ـ" الشعبية، أبو على" الشعـ.

! "، يتثاءب وهو يحلم بالخلاص كسندباد يطير إلى بلاد السند والهند مدن الأحلام مقابل (الشعبية/ أبو على: في المحلة الكبرى) مدن القهر والعذاب، هذا الولد الحالم يصطدم بالواقع مع فرملة السائق؛ ليجد نفسه يبتلع تراب الشارع، فقط لأنه بات يحلم بانتهاء وردية العمل حتى ينام، فقط ينام!صورة أخرى لازدواجية هذا العالم، لقطة إنسانية بديعة ومدهشة؛ لأنها تصور واقع الأطفال/ الرجال الذين خرجوا للعمل مبكرًا بدافع الاحتياج وكسر شوكة الفقر، لكنها لا تخلو من حلم وتطلع للمستقبل.

رصد الكاتب شخوص قصصه وأحداثها في صورة سردية غاية في البساطة والتلقائية والعفوية، دون صخب أو خطابه؛ ليعرى ويكشف زيف هذا الواقع الأليم الذي نعيش مشاهده المأساوية كل يوم، وذلك عن طريق تقنيات السرد المختلفة منها: الحلم، التأمل، التناص، مزج الخيالي بالواقعي، تداخل الأزمنة، استدعاء الماضي عن طريق التذكر (فلاش باك) ومزجه باللحظة الراهنة ثم استشراف الزمن الآتي عن طريق (فلاش فور ورد):ـ" البنت سوف تدخل الشركة، لا نريد منكم نجاحًا يا أستاذ! "هكذا نجح الكاتب في نحت وتصوير هذا الواقع المأساوي الذي يتمثل في اغتيال عالم الطفولة وحرمانهم من حقهم المشروع في الاستمتاع بمباهج الحياة حيث يولد الأطفال في الفاوريكة رجالًا كبارًا يُكلفون بأعمال فوق طاقاتهم، حين يدفعون عربة الغزل، كأن العذاب يلهث وراء الفقراء، لقد اعتمد الكاتب نقل المشاهد القصصية على عنصر الإيحاء بالفكرة معتمدًا على تقنيات الملمح البصري في نقل الحدث أو تصوير المشهد، دون التصريح به ممّا يكون له أعمق الأثر في النفس عندما نواجه القهر بمختلف صوره مثل: (المرض، فقد ذراع الأب، الطفولة/ الرجولة، الأمل المخطوف، الحلم المقتول).

نجح الكاتب في تعرية عالم الفاوريكة، عن طريق الاقتراب من أحلام البسطاء الذين قهرتهم ماكينات الفاوريكة، وأصابت صدورهم بالكثير من العلل، ومع ذلك يدفعون بأولادهم للعمل بالشركة، من أول يوم للإعلان بقبول دفعة جديدة من أبناء العاملين، وقد تناسوا أو طردوا من ذاكرتهم العلل التي أصيبوا بها، الأمراض الخطيرة والأليمة والبشعة نتيجة العمل سنوات طويلة مع شركة الفاوريكة، ذلك العالم الذي لا يعترف بحقوق الأطفال، نجد الكاتب يلّح علينا، يطالبنا أن نفعل شيئًا، من أجل حماية هؤلاء الأطفال المقهورين، تحت سياط الفقر والمرض، مطلوب منهم رعاية الكبار، وهم في حاجة لمن يرعاهم! فهل نفعل؟ ومتى؟ !انكسار أحلام الطفولة وعذابات العمال دال مشع في قصص عالم الفاوريكة، يرصده الكاتب بتلقائية سردية، ولغة مكثفة تقترب من لغة الشعر، ينجح الكاتب ويجيد تصوير المشهد القصصي، يبرز عذابات هؤلاء الأطفال بصورة أدمت القلوب على هؤلاء المقهورين الذين باتوا يحلمون بمواصلة تعليمهم، يحلمون بدخول الجامعة، دون أن تناديهم النداهة/ الفاوريكة، وتطحنهم بتروسها، وتلونهم بغبارها الأسود، ثم تلفظهم آخر العمر مرضى عاجزين، وفقراء أيضًا، في النهاية يطرح الكاتب سؤالًا مُهمًا: مَنْ يحمي هؤلاء الأطفال؟ ! ثم يتساءل: هل هناك بديل؟ !

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك