لم تعد عودة السوريين من تركيا مجرد حالات فردية أو زيارات مؤقتة، بل تحولت إلى مسار يومي متسارع يفرض أسئلة جديدة على دمشق وأنقرة معا.
فبينما أعلنت وزارة الداخلية التركية أن نحو ألف سوري يعودون طوعا إلى بلادهم كل يوم، يبرز تحدٍ مزدوج: كيف ستستوعب سوريا هذا التدفق المتزايد؟ وكيف ستعيد تركيا رسم سياساتها تجاه من سيختارون البقاء على أراضيها بعد أكثر من خمسة عشر عاما من اللجوء؟ما أسباب عودة السوريين من تركيا؟خلال حلقة من برنامج" سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا اعتبر المحامي المختص في شؤون الأجانب جيهانغير شامل يلدرم أن رغبة السوريين بالعودة كانت موجودة منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام، إلا أن الظروف داخل سوريا لم تكن تسمح بذلك في الأشهر الأولى.
وأوضح أن تحسن الخدمات الأساسية، ولا سيما الكهرباء والمياه، إلى جانب تحسن الوضع الأمني نسبيا، شجع أعدادا متزايدة من السوريين على اتخاذ قرار العودة، معتبرا أن العامل الأبرز وراء ارتفاع وتيرة العودة هو التحسن التدريجي في الواقع المعيشي داخل البلاد.
سقوط النظام.
السبب الرئيسيمن جهته، أكد مدير فريق الحياة التطوعي، المهندس سارية البيطار، خلال الحلقة أن الدافع الرئيس لعودة السوريين يتمثل في زوال السبب الذي اضطرهم إلى اللجوء في المقام الأول، والمتمثل في انتهاء حكم نظام المخلوع.
وأشار إلى أن سقوط النظام ترافق مع عوامل أخرى دفعت السوريين إلى العودة، أبرزها ارتفاع تكاليف المعيشة في تركيا، واتساع الفجوة بين الدخل ومستوى الإنفاق، إضافة إلى توفر فرص اقتصادية جديدة داخل سوريا، خصوصا في قطاعات البناء وإعادة الإعمار والزراعة.
وأكد البيطار أن كثيرا من السوريين يفضلون بدء حياة جديدة في وطنهم، حتى وإن كانت الإمكانات محدودة، على الاستمرار في ظروف اقتصادية صعبة خارج البلاد.
خبرات المهاجرين.
فرصة لإعادة البناءولفت البيطار إلى أن موجة العودة لا تقتصر على السوريين القادمين من تركيا، بل تشمل أيضا عائدين من أوروبا ودول الخليج، مشيرا إلى أن هؤلاء يحملون خبرات مهنية وتقنية متنوعة اكتسبوها خلال سنوات اللجوء، ويمكن أن تشكل رافعة مهمة لمرحلة إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية في سوريا.
وأضاف أن عددا كبيرا من العائدين تمكنوا من ترتيب أوضاعهم المهنية قبل العودة، سواء عبر الحصول على فرص عمل أو المشاركة في مشاريع استثمارية أو إنشاء أعمال خاصة داخل البلاد.
العودة إلى سوريا.
تحديات التعليم والاندماجوفيما يتعلق بالأطفال الذين تلقوا تعليمهم باللغة التركية، دعا البيطار إلى استثمار العطلة الصيفية في إنشاء مراكز تأهيل تعليمية تساعد الطلاب العائدين على الاندماج في المناهج السورية قبل بدء العام الدراسي المقبل.
وأشار إلى أن معالجة الفجوة التعليمية تعد من أهم الملفات التي ينبغي التعامل معها سريعا لضمان عدم تأثر آلاف الطلاب العائدين.
ماذا عن السكن وفرص العمل في سوريا؟واعتبر البيطار أن توفير فرص العمل يمثل الركيزة الأساسية لاستقرار العائدين، إلى جانب معالجة أزمة السكن، مقترحا إنشاء مجمعات سكنية بأقساط ميسرة للعائلات التي دمرت منازلها خلال سنوات الحرب.
وفي المقابل، شدد على ضرورة مراعاة أوضاع أكثر من مليون نازح ما زالوا يعيشون في المخيمات داخل سوريا، مؤكدا أهمية تحقيق توازن بين احتياجات العائدين واحتياجات المهجرين داخليا.
وأوضح أن الحكومة تدرس إعادة إعمار المدن المدمرة عبر استثمارات محلية وأجنبية، في حين يجري العمل على إعادة تأهيل المناطق الريفية بالتعاون مع المنظمات الدولية والمحلية.
ورأى المحامي جيهانغير شامل يلدرم أن استمرار عودة السوريين سيترك آثارا مباشرة على سوق العمل التركي، خاصة في القطاعات الصناعية.
وأوضح أن ولايات مثل غازي عنتاب وبورصة تعتمد بشكل كبير على العمالة السورية، فضلا عن وجود مئات المصانع والمنشآت الصناعية المملوكة لمستثمرين سوريين.
وأضاف أن بعض أصحاب الأعمال بدؤوا بالفعل بنقل استثماراتهم وورشهم الصناعية إلى داخل سوريا، مستفيدين من الفرص الاقتصادية الجديدة التي توفرها مرحلة إعادة الإعمار.
مقاربة تركية جديدة لملف السوريينوتوقع يلدرم أن تتجه الحكومة التركية خلال المرحلة المقبلة إلى إعادة تقييم ملف السوريين المقيمين في البلاد، خاصة بعد التراجع التدريجي في أعداد الخاضعين للحماية المؤقتة.
وأشار إلى وجود مقترحات تمنح أوضاعا قانونية مختلفة لبعض الفئات، وعلى رأسها السوريون الذين ولدوا أو تلقوا كامل تعليمهم في تركيا، معتبرا أن اندماجهم في المجتمع التركي خلال السنوات الماضية قد يدفع السلطات إلى تبني حلول قانونية أكثر استقرارا لهم.
كما أشار إلى احتمال دراسة نماذج قانونية جديدة تتيح لهم الإقامة والتنقل بصورة أكثر استقراراً، بما يتناسب مع واقعهم الاجتماعي.
تراجع توظيف ملف اللاجئين سياسياويرى يلدرم أن تغير المشهد السوري انعكس أيضا على الخطاب السياسي التركي تجاه اللاجئين، معتبرا أن قضية السوريين فقدت جزءا كبيرا من استخدامها كورقة ضغط سياسية مع تزايد أعداد العائدين.
وأضاف أن الدولة التركية بدأت باتخاذ مواقف أكثر حزما تجاه خطاب الكراهية والعنصرية على وسائل التواصل الاجتماعي، في ظل تراجع المخاوف المرتبطة باستمرار تدفق اللاجئين.
البيروقراطية… أبرز عقبات العودةورغم المؤشرات الإيجابية، أكد الضيفان أن الإجراءات الإدارية ما تزال تمثل إحدى أكبر العقبات أمام الراغبين بالعودة.
وأوضح يلدرم أن تصديق الوثائق الرسمية، سواء التعليمية أو الشخصية، يتطلب المرور بعدة مؤسسات تركية وسورية، بدءاً من المدارس والولايات التركية ووزارة الخارجية التركية، مرورا بالقنصليات السورية، وصولا إلى الجهات المختصة داخل سوريا، وهو ما يفرض أعباء مالية وإدارية كبيرة على العائلات.
من جهته، وصف البيطار هذه الإجراءات بأنها مرهقة ومكلفة، داعيا إلى اتفاق مباشر بين وزارتي التربية والتعليم في سوريا وتركيا للاعتراف المتبادل بالوثائق الدراسية، بما يخفف الأعباء عن آلاف الأسر ويشجع مزيداً من السوريين على العودة.
واتفق الضيفان على أن نجاح العودة الطوعية لا يرتبط فقط باستمرار تحسن الأوضاع الأمنية، بل يتطلب أيضا توفير فرص العمل، وتطوير الخدمات، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وضمان قدرة المؤسسات السورية على استيعاب الأعداد المتزايدة من العائدين.
كما شددا على أن استمرار التنسيق بين دمشق وأنقرة، إلى جانب دعم المجتمع الدولي لبرامج إعادة الإعمار والخدمات الأساسية، سيكون عاملا حاسما في تحويل العودة الطوعية إلى عودة مستقرة ومستدامة خلال المرحلة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك