بعد أكثر من ستة أعوام على اندلاع الأزمة المالية التي هزت لبنان، وأدخلت القطاع المصرفي في أكبر أزمة يشهدها منذ تأسيسه، بدأت مؤشرات توحي بعودة تدريجية لبعض الخدمات المصرفية إلى السوق.
فقد استعادت مصارف عدة جزءاً من نشاطها، ووسعت خدماتها الرقمية، وحافظت على علاقاتها مع المصارف المراسلة، في وقت يسعى الاقتصاد اللبناني إلى استعادة الحد الأدنى من دور القطاع المالي.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل عادت المصارف اللبنانية فعلاً إلى نشاطها السابق في منح القروض والتسهيلات الائتمانية، أم إن التعافي لا يزال محصوراً بخدمات محدودة؟يقول الخبير الاقتصادي محمد فحيلي في مقابلة صوتية مع" اندبندنت عربية"، إنه يجب أن يعرف المواطن اللبناني أن القطاع المصرفي لم يتوقف عن العمل بالكامل، بل تعرّض لصدمة كبيرة نتيجة الأزمة المصرفية التي بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وقد ظهرت مؤشرات هذه الأزمة بوضوح، ثم تفاقمت تدريجاً إلى أن بلغت ذروتها مع قرار حكومة الرئيس حسان دياب التوقف عن سداد خدمة الدين.
وفي المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن العمليات المصرفية العابرة للحدود استمرت، إذ تمكنت بعض المصارف من مواصلة تأمينها، لا سيما لتمويل عمليات الاستيراد والتصدير اللبنانية.
وتابع: " صحيح أن شركات تحويل الأموال شهدت نشاطاً ملحوظاً خلال الأعوام الماضية، لكنها تبقى محدودة بسقوف مالية لا تسمح لها بتأمين جميع العمليات المصرفية العابرة للحدود، بخلاف ما تؤديه المصارف التجارية.
وهذا الأمر بالغ الأهمية، لأن المقولة التي تقول إنه لا اقتصاد من دون مصارف ولا اقتصاد من دون خدمات مصرفية، لا تزال صحيحة".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ويضيف فحيلي" إلا أن أزمة الثقة التي أصابت المصارف التجارية اللبنانية لم تكن ناتجة عن أدائها وحده، بل تأثرت إلى حد كبير بأداء الطبقة السياسية، الذي تجسد بقرار الحكومة التوقف عن سداد خدمة الدين، على رغم معرفتها المسبقة بالتداعيات الخطرة لمثل هذا القرار، كان له أثر سلبي كبير في عمل القطاع المصرفي اللبناني.
كذلك، فإن أداء السلطة السياسية كان أحد الأسباب التي أوصلت لبنان إلى اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، حتى حاكم مصرف لبنان بالإنابة، الدكتور وسيم منصوري، أقر بأن المصارف اللبنانية حافظت على علاقات جيدة مع المصارف المراسلة، وتمكنت من تأمين العمليات المصرفية العابرة للحدود، على رغم كل الضغوط التي مورست عليها من جهات وأفراد داخل لبنان".
ولم تقتصر هذه الضغوط على ذلك، إذ يقول فحيلي، إذ واصلت المصارف اللبنانية الحفاظ على علاقاتها مع المصارف المراسلة، علماً أن معظم هذه المصارف أوروبية، وقد أسهمت هذه العلاقات في استمرار تأمين حاجات المواطنين اللبنانيين من العمليات المصرفية العابرة للحدود، سواء على المستوى الشخصي، كتحويل الأموال لتغطية نفقات تعليم الأبناء، أو على المستوى التجاري، لتمويل عمليات الاستيراد والتصدير خلال سنوات الأزمة.
لكن في الفترة الأخيرة شهد المشهد النقدي نوعاً من الاستقرار لناحية سعر صرف الدولار، ولناحية النشاط المصرفي، وعودة نوع من الانتظام إلى الاقتصاد اللبناني، كما أن عدداً من المصارف بدأ يقدم خدمات مصرفية تعتمد على التكنولوجيا الرقمية، وفي السياق يعتبر الخبير الاقتصادي أن" المصارف التي تقدم هذه الخدمات تمتلك القدرة والإمكانات للعودة إلى خدمة الاقتصاد.
لكنني أرى أن هناك ضغوطاً تمارس عليها من قبل السلطة السياسية تحت عنوان أننا نريد حلولاً لكل المصارف، وليس لبعضها فقط.
ونلاحظ أن بعض المصارف أصبحت تقدم خدمات تعتمد على التكنولوجيا الرقمية، وتوفر وسائل دفع رقمية.
وهذا يدل على قدرة القطاع المصرفي على التأقلم مع المتغيرات الاقتصادية والأمنية، وقدرة جزء منه على تجاوز أزمته".
وتابع" كما أن الدولة، ومن خلال مشاريع القوانين التي قدمتها، أقرت بأن هناك مصارف قادرة على العودة إلى خدمة الاقتصاد، وأخرى تحتاج إلى الدعم، في ما هناك مصارف لا بد أن تتجه نحو التصفية.
وهذا ما نشهده اليوم في القطاع المصرفي".
وختم" القطاع المصرفي لا ينتظر الدولة حتى تقرر مستقبله، بل يواصل عمله.
ومع ذلك، تبقى القوانين ضرورية، لأنها توفر الغطاء القانوني لعودة الانتظام إلى القطاع المصرفي، لا سيما في ما يتعلق بتأمين القروض والتسهيلات المصرفية، إذ إن العملية الائتمانية لا تزال محصورة ومحدودة بسبب غياب القوانين الضرورية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك