تبدّدت كل التوقعات التي كانت تشير إلى أن كأس العالم 2026 سيولد انتعاشاً في وظائف قطاعي الترفيه والضيافة، بعدما اصطدمت البطولة بتراجع السفر الدولي إلى الولايات المتحدة في ظل تشديد إدارة الرئيس دونالد ترامب إجراءات الدخول والحدود، إلى جانب ارتفاع أسعار تذاكر الطيران والإقامة.
وكشف أحدث تقرير للوظائف أن التوظيف في قطاعي الترفيه والضيافة انخفض بنحو 21 ألف وظيفة خلال مايو/أيار ويونيو/حزيران الماضيين، لتتبخر الآمال في أن يعوض تدفق المشجعين الضغوط التي تواجه قطاع السياحة الأميركي.
وبالتالي؛ فإنّ طفرة التوظيف التي كان يُنتظر أن يجلبها كأس العالم إلى الولايات المتحدة لم تتحقق في نهاية المطاف، في وقت أثرت فيه سياسات ترامب المتعلقة بالهجرة والدخول إلى البلاد في حركة الزوار الدوليين.
وأظهرت بيانات الوظائف أن الزيادة المسجلة في قطاع الترفيه والضيافة خلال مايو/أيار مُحيت بالكامل في يونيو/حزيران، الذي شهد تراجع التوظيف في القطاع بنحو 61 ألف وظيفة، نتيجة ضعف التوظيف الموسمي مقارنة بالمعتاد، وأشار مكتب إحصاءات العمل الأميركي إلى أنّ عدد الوظائف في القطاع لم يسجل تغيراً صافياً يذكر منذ بداية العام.
وكان الاتحاد الدولي كرة القدم" فيفا" قد توقع قبل انطلاق كأس العالم في 11 يونيو/حزيران أن تسهم المباريات والأنشطة المرتبطة بها في توفير ما يعادل 185 ألف وظيفة بدوام كامل، يتركز معظمها في قطاعات الترفيه والضيافة والخدمات السياحية، كما توقعت بنوك في وول ستريت استفادة سوق العمل الأميركية من تدفق المشجعين، وإن كانت تقديراتها أقل من توقعات" فيفا".
وكانت تقديرات سابقة لبنك أوف أميركا قد أشارت، قبل صدور بيانات وظائف يونيو/حزيران، إلى أن البطولة قد تضيف ما بين 30 و40 ألف وظيفة خلال مايو/أيار ويونيو/حزيران، غير أن النتائج الفعلية جاءت بعيدة عن هذه التوقعات.
مليون مشجع دون طفرة في الوظائفوكانت تقديرات" فيفا" وعدد من البنوك والجهات العاملة في قطاع السياحة قد رجحت أن توفر البطولة، الممتدة خمسة أسابيع، بعض الدعم لقطاع السياحة الأميركي، مع توقع وصول أكثر من مليون مشجع إلى 11 مدينة مستضيفة، تمتد من منطقة نيويورك في الشرق إلى لوس أنجليس في الغرب، خاصة وأن الولايات المتحدة تستضيف معظم مباريات كأس العالم، التي تنظمها بالاشتراك مع كندا والمكسيك، ما عزز التوقعات بأن تحقق الفنادق والمطاعم وشركات النقل والترفيه مكاسب كبيرة، وأن تضطر إلى توظيف عمال جدد لمواجهة الزيادة المنتظرة في الطلب.
غير أن هذه التوقعات اصطدمت بتراجع حركة السفر الدولية إلى الولايات المتحدة، في ظل تشديد إجراءات الدخول وارتفاع أسعار الرحلات الجوية وزيادة تكاليف الوقود بسبب الحرب في المنطقة، إلى جانب ارتفاع أسعار تذاكر المباريات والإقامة في المدن المستضيفة.
ونقلت وكالة بلومبيرغ عن إيلي نير، الخبير الاقتصادي الأميركي في بنك" تي دي سيكيوريتيز"، قوله إنّ" التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار تذاكر الطيران والعقبات الأخرى ربما حدت من السفر الدولي لحضور كأس العالم، وهو ما قلص حاجة الفنادق والمطاعم والمؤسسات الترفيهية إلى توظيف أعداد إضافية من العمال".
وارتفعت الإيرادات لكل غرفة متاحة في المدن المستضيفة بنحو 17%، لكن معدل الإشغال تراجع بنحو ثلاث نقاط مئوية مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ما يشير إلى أن الزيادة جاءت أساساً نتيجة رفع أسعار الغرف وليس بسبب استقبال أعداد أكبر من الزوار.
حجوزات دون التوقعات وأسعار مرتفعةوظهرت مؤشرات ضعف الطلب قبل بداية كأس العالم، بعدما حذرت مؤسسات الفنادق من أن الحجوزات في عدد من المدن المستضيفة تسير بوتيرة أبطأ من التوقعات.
وكشف مسح أُجري في إبريل/نيسان وشمل فنادق في المدن المستضيفة أن الحجوزات جاءت دون التوقعات لدى نحو 80% من المشاركين في مدن من بينها بوسطن وفيلادلفيا وسان فرانسيسكو وسياتل، كما كانت أقل من مستويات موسم صيف عادي.
وعزا مشغلو الفنادق هذا الضعف إلى إعادة" فيفا" طرح غرف كانت محجوزة سابقاً ضمن حصص البطولة، وتأخر إصدار التأشيرات، والتوترات الجيوسياسية التي أثرت في سفر المشجعين الدوليين.
كما رجحت بيانات قطاع الفنادق أن يكون بعض المسافرين بغرض العمل أو السياحة قد تجنّبوا المدن المستضيفة بسبب ارتفاع الأسعار والمخاوف من الازدحام المتوقع أثناء المباريات.
ساعات إضافية بدلاً من موظفين جددنقلت وكالة بلومبيرغ عن الخبيرة الاقتصادية في بنك أوف أميركا، شروتي ميشرا، قولها إنّ التفسير الأكثر ترجيحاً لضعف التوظيف في قطاعَي الترفيه والضيافة هو أن المؤسسات فضلت منح موظفيها الحاليين ساعات عمل إضافية عند ارتفاع الطلب، بدلاً من توظيف عمال جدد وتدريبهم لفترة قصيرة.
ومع ذلك، لم تظهر البيانات الوطنية زيادة في متوسط ساعات العمل الأسبوعية في قطاع الترفيه والضيافة خلال يونيو/حزيران، كما ظل نمو الأجور فيه أبطأ من معظم القطاعات الأخرى، ما يعكس محدودية الانتعاش حتى على مستوى العاملين الحاليين.
وظهر هذا التوجه في بعض المطاعم الموجودة داخل المدن المستضيفة، ونقلت" بلومبيرغ" عن هوراسيو ويشلر، مالك مطعم لالاس أرجنتين غريل في لوس أنجليس، قوله إن الحجوزات تنفد بسرعة في أيام مباريات الأرجنتين، وإن مشجعين قدموا من دول مثل باراغواي وأستراليا أدرجوا المطعم ضمن برنامج زيارتهم إلى كاليفورنيا.
في المقابل، ندمت بعض المؤسسات الواقعة بعيداً عن الملاعب ومناطق المشجعين على زيادة عدد موظفيها قبل البطولة، بعدما لم يصل النشاط السياحي إليها كما كان متوقعاً.
وقال مالك كافيتيريا" هامرز ديولينغ بيانو" في مدينة كانساس سيتي، بريت دويل لـ" بلومبيرغ" إنه" وظف خمسة أشخاص جدد خلال مايو/أيار استعداداً لكأس العالم، لكنه توقف لاحقاً عن إدراجهم في جداول العمل بسبب ضعف الإقبال"، وأوضح أن النشاط السياحي المرتبط بالبطولة تركز في منطقة الترفيه المعروفة باسم باور أند لايت، ولم يمتد إلى المؤسسات المحلية الموجودة خارجها، مؤكداً أن زيادة عدد الموظفين لم تكن مجدية بالنسبة إلى موقعه.
وتكشف تجربة كانساس سيتي أن استفادة المؤسسات من كأس العالم ترتبط بدرجة كبيرة بموقعها وقربها من الملاعب ومناطق تجمع الجماهير، إذ تمكنت المطاعم والمقاهي الواقعة في قلب النشاط من زيادة المبيعات، بينما لم تحصل المؤسسات الموجودة في المناطق الأبعد على التدفق نفسه من المشجعين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك