عمان- تكشف قراءة دور التجارة العالمية ضمن ترابط المياه والطاقة والغذاء في الأردن عن معادلة مركبة؛ فهي توفر للمملكة أدوات مهمة لتعويض محدودية الموارد الطبيعية عبر تأمين الغذاء والطاقة والتكنولوجيا المرتبطة بإدارة المياه، لكنها في الوقت ذاته ترفع مستوى التعرض لتقلبات الأسواق العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد والأزمات الجيوسياسية والمناخية.
اضافة اعلانووفق تحليلات خبراء في قطاع المياه، لـ" الغد"، فإن التحدي الأساسي أمام الأردن لا يتمثل في الاعتماد على التجارة العالمية بحد ذاته، وإنما في كيفية إدارة هذا الاعتماد وتحويله إلى عنصر داعم للأمن المائي والغذائي والطاقي، عبر تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي الممكن، ورفع كفاءة استخدام الموارد، فضلا عن التوسع في الحلول المستدامة.
وأشار المختصون إلى اكتساب هذه المعادلة أهمية خاصة في الحالة الأردنية، في ظل محدودية الموارد المائية والاعتماد على استيراد جزء كبير من الاحتياجات الغذائية والطاقية، إذ تسهم التجارة في توفير ما يعرف بالمياه الافتراضية عبر استيراد منتجات كثيفة الاستهلاك للمياه بدلا من إنتاجها محليا، كما تتيح الوصول إلى تقنيات حديثة في مجالات التحلية والطاقة المتجددة والزراعة، إلا أن أي اضطراب في الأسواق العالمية أو حركة النقل قد ينعكس مباشرة على تكلفة الموارد وأمن الإمدادات.
وتنسجم هذه القراءة مع ما خلصت إليه دراسة نشرتها مجلة" نيتشر" العلمية، وحصلت" الغد" على نسخة منها، حول العلاقة بين التجارة العالمية وترابط المياه والطاقة والغذاء، والتي بينت أن التجارة الدولية تؤدي دورا مزدوجا، فهي تعزز التعاون بين الدول وتدعم الاستفادة المشتركة من الموارد، لكنها قد تؤدي في الوقت ذاته إلى تعميق الفجوات بين الدول بحسب قدرتها على إدارة الموارد والاستفادة من سلاسل الإمداد العالمية.
وحول دور السياسات الوطنية في تعظيم فوائد التجارة العالمية وتقليل مخاطر الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية، أكدت الأستاذة في كلية هندسة وإدارة الموارد الطبيعية في الجامعة الألمانية الأردنية د.
منى هندية، إمكانية تقييم دور التجارة العالمية في دعم ترابط المياه والطاقة والغذاء في الأردن، بصفته دورا مزدوجا، إذ شكل من جهة أداة أساسية لتوفير احتياجات المملكة من الغذاء والطاقة والتكنولوجيا التي لا تستطيع إنتاجها محليا بالكامل، لكنه من جهة أخرى مثل أحد مصادر الهشاشة نتيجة ارتباط الأمن الوطني بتقلبات الأسعار العالمية، وحركة الموانئ، والأزمات الجيوسياسية، والتغيرات المناخية، وسياسات الدول المصدرة.
وقالت هندية: إن ذلك يتطلب إدارة ذكية للقطاع التجاري وبناء منظومة تجارة أكثر أمانا، إلى جانب تعزيز كفاءة الإنتاج المحلي، وتقليل هدر المياه، والتوسع في مصادر الطاقة المستدامة، لافتة إلى أهمية أن ينظر إلى التجارة العالمية، كأداة إستراتيجية تندرج ضمن رؤية وطنية متكاملة للأمن المائي والغذائي والطاقي.
وأضافت أن الأردن يواجه تحديات متداخلة تتمثل في محدودية الموارد الطبيعية، والاعتماد الكبير على الاستيراد، والتأثر المتزايد بتغير المناخ، ما يجعل إدارة ترابط المياه والطاقة والغذاء أولوية تنموية.
وبينت أن المياه تبقى التحدي الأكبر في هذه المعادلة، في حين تمثل الطاقة المتجددة فرصة مهمة لتعزيز النمو الاقتصادي ومعالجة تحديات التنمية، بما يسهم في تعزيز قدرة الأردن على مواجهة الضغوط المستقبلية.
وأشارت إلى أن تقديرات منظمة الأغذية والزراعة، تظهر أن احتياجات الأردن من استيراد الحبوب لموسم 2025 – 2026، تصل إلى نحو 3.
1 مليون طن، وأن الواردات تغطي في المتوسط قرابة 70 % من الاستهلاك المحلي السنوي من الحبوب، موضحة أن المملكة تعتمد في الوقت ذاته على بناء مخزون إستراتيجي من القمح والشعير لتقليل مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد.
ولفتت إلى أن الأردن يستورد بشكل غير مباشر ما يعرف بالمياه الافتراضية، وهي المياه المستخدمة في إنتاج السلع الغذائية في الدول المصدرة، مثل القمح والشعير والذرة والزيوت، مبينة أن هذا الأمر يعد مهما في حالة الأردن نظرا لمحدودية موارده المائية، إذ إن إنتاج هذه المحاصيل محليا بكميات كبيرة سيستهلك كميات من المياه لا يمتلكها البلد.
وأوضحت أن التحدي يظهر عند حدوث ارتفاعات في الأسعار العالمية أو تعطل في الموانئ أو تأثر حركة الشحن نتيجة الأزمات الدولية، مشددة على أن الحل لا يتمثل في تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل، وإنما في الوصول إلى مفهوم الأمن الغذائي الذكي القائم على تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز المخزون الإستراتيجي، ودعم الإنتاج المحلي الممكن، إلى جانب تطوير الصناعات الغذائية.
ولفتت هندية إلى أن العلاقة بين المياه والطاقة تمثل محورا أساسيا في معادلة الترابط، إذ إن إنتاج المياه وضخها ومعالجتها ونقلها يستهلك جزءا مهما من الطاقة، مشيرة إلى أن قطاع المياه يستهلك نحو 9 % من إجمالي الكهرباء في المملكة وفق ملخص الإستراتيجية الوطنية للمياه 2023–2040.
وبينت أن أي ارتفاع في أسعار الطاقة ينعكس بشكل مباشر على تكلفة المياه، وأن نجاح المشاريع المائية الكبرى، ومنها مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر، لا يرتبط فقط بجوانب التنفيذ والتمويل، وإنما يعتمد على عوامل عدة تشمل تكلفة الطاقة المستخدمة في التحلية، وقدرة الدولة على إدارة التعرفة بما يحافظ على قدرة المواطنين، إضافة إلى خفض الفاقد المائي لضمان عدم فقدان كميات المياه الجديدة داخل شبكات غير كفؤة.
وأكدت أن الأردن حقق خطوات مهمة في إدارة ترابط المياه والطاقة والغذاء، من خلال التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وتطوير السياسة الوطنية للمياه حتى العام 2040 التي تركز على خفض الفاقد، ورفع كفاءة استخدام الطاقة، وإعادة استخدام المياه المعالجة، إلى جانب التقدم في مشروع الناقل الوطني الذي يمكن أن يشكل تحولا مهما في تعزيز الأمن المائي، والحفاظ على مخزون إستراتيجي من الحبوب لمواجهة الصدمات الخارجية.
وحول التحديات ذاتها، أكدت الخبيرة الأردنية في دبلوماسية المياه م.
ميسون الزعبي، أن التجارة العالمية تؤدي دورا محوريا في دعم ترابط المياه والطاقة والغذاء في الأردن، من خلال مساهمتها في سد فجوات الموارد الطبيعية المحدودة، لكنها في الوقت ذاته تزيد من مستوى الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية وما يرتبط بها من مخاطر تقلبات الأسواق الدولية والأزمات العالمية.
وقالت الزعبي: إن التجارة العالمية تمثل فرصة إستراتيجية لتعزيز الأمن المائي والغذائي والطاقي، إلا أنها ترفع في المقابل درجة الحساسية تجاه الأزمات الجيوسياسية والكوارث العالمية، ما يتطلب إدارة متوازنة لهذا الاعتماد بما يضمن الاستفادة من الأسواق الخارجية وتقليل المخاطر المرتبطة بها.
وأضافت أن التجارة تسهم في تعزيز التكامل بين قطاعات المياه والطاقة والغذاء، في ظل اعتماد الأردن على الاستيراد لتعويض محدودية موارده الطبيعية، مبينة أن قطاع المياه يستفيد من استيراد التقنيات الحديثة التي ترفع كفاءة الاستخدام، مثل أنظمة الري الموفرة، ومعدات التحلية، ومضخات الطاقة الشمسية، فيما يعتمد قطاع الطاقة على استيراد النفط والغاز ومكونات مشاريع الطاقة المتجددة، وهي عوامل ترتبط بشكل مباشر بتشغيل مشاريع المياه والزراعة.
وبينت أن قطاع الغذاء يعتمد كذلك على التجارة العالمية لتوفير جزء كبير من السلع الأساسية، مثل القمح والزيوت والسكر والأعلاف، الأمر الذي يعزز الأمن الغذائي في ظل محدودية الأراضي والموارد المائية، مشيرة إلى أن ترابط هذه القطاعات يجعل أي تغير في أحدها مؤثرا بشكل مباشر في القطاعات الأخرى، إذ تعتمد المياه على الطاقة، وتعتمد الزراعة على المياه والطاقة، بينما يحدد الغذاء حجم الطلب على الموارد المرتبطة به.
ولفتت الزعبي إلى أن الاعتماد على الأسواق الخارجية، رغم أهميته، يرتب مجموعة من التحديات، أبرزها احتمالات انقطاع الإمدادات نتيجة الأزمات السياسية أو الكوارث العالمية، وتقلب الأسعار الدولية التي تنعكس على تكلفة الغذاء والطاقة والمياه، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والشحن، ما يجعل الأمن المائي والغذائي والطاقي مرتبطا بقدرة الدولة على إدارة المخاطر الخارجية.
وأشارت الزعبي إلى إمكانية مساهمة الانفتاح التجاري في تحسين إدارة الموارد داخل الأردن من خلال نقل التكنولوجيا ورفع كفاءة الاستخدام، وتخفيف الضغط على الموارد المائية المحلية عبر مفهوم المياه الافتراضية، من خلال استيراد منتجات كثيفة الاستهلاك للمياه بدلا من إنتاجها محليا، موضحة أن ذلك يدعم تنويع مصادر الغذاء والطاقة، لكنه يتطلب في الوقت ذاته سياسات دقيقة لإدارة الاعتماد الخارجي.
ولفتت إلى اعتماد تقييم دور التجارة العالمية في دعم ترابط المياه والطاقة والغذاء، على مجموعة من المؤشرات، من بينها مستوى الاعتماد على استيراد الغذاء، ونسبة واردات الطاقة، وكفاءة استخدام المياه في الزراعة، وتنوع الدول الموردة، وحجم الاستثمار في الطاقة المتجددة، إلى جانب حجم المخزونات الإستراتيجية من الغذاء والطاقة، باعتبارها عوامل تعكس قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات وتعزيز المرونة.
وأكدت الزعبي أن تعزيز استدامة هذا الترابط يتطلب تبني سياسات متكاملة تشمل تنويع مصادر الاستيراد، والتوسع في الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استخدام المياه وإعادة استخدامها، فضلا عن دعم الزراعة قليلة الاستهلاك المائي، وبناء مخزونات إستراتيجية، إلى جانب تعزيز التكامل بين سياسات المياه والطاقة والغذاء ضمن رؤية شاملة.
ونوهت بأن التجارة العالمية تشكل عنصرا أساسيا في دعم ترابط المياه والطاقة والغذاء في الأردن، كونها تساعد في تجاوز محدودية الموارد الطبيعية، لكنها في المقابل تزيد من التعرض للصدمات الخارجية، ما يجعل تحقيق التوازن بين الاستفادة من الأسواق الدولية وإدارة المخاطر المرتبطة بها شرطا أساسيا لتعزيز الأمن المائي والغذائي والطاقي وتحقيق التنمية المستدامة.
إستراتيجية الاستهلاك والإنتاجوحول أهمية بناء نهج متكامل لإدارة الموارد وتعزيز قدرة الأردن على مواجهة تحديات الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية، أكد الأمين العام الأسبق لوزارة المياه والري م.
إياد الدحيات، أن المنطقة العربية كانت من أوائل المناطق التي صاغت إستراتيجية إقليمية للاستهلاك والإنتاج المستدام، إلا أن تنفيذ تلك الإستراتيجية" على المستوى الوطني ما يزال دون المستوى المطلوب".
وقال الدحيات: إن تقييم دور التجارة العالمية في دعم ترابط المياه والطاقة والغذاء في الأردن، يرتبط بقدرة السياسات الوطنية على الانتقال من إدارة القطاعات بشكل منفصل إلى تبني نهج متكامل يعزز كفاءة استخدام الموارد ويقلل من المخاطر المرتبطة بالاعتماد الخارجي.
وتابع أن المنطقة العربية كانت من أوائل المناطق التي وضعت إستراتيجية إقليمية للاستهلاك والإنتاج المستدام، إلا أن تنفيذها على المستوى الوطني لم يصل إلى المستوى المطلوب، مبينا أن معظم سياسات الاستهلاك والإنتاج المستدام ركزت على جانب العرض، عبر تحسين كفاءة توليد الكهرباء وشبكات المياه، وإنشاء محطات تحلية المياه، ورفع إنتاجية القطاع الزراعي، في حين بقيت سياسات جانب الطلب، التي تستهدف التأثير على أنماط الاستهلاك وترشيد الطلب باستخدام الأدوات الاقتصادية أو الدعم الموجه، محدودة الاستخدام.
وأضاف أن أهمية التجارة العالمية في دعم ترابط المياه والطاقة والغذاء تظهر عبر قدرتها على توفير التقنيات والموارد والخبرات التي تساعد الدول على مواجهة تحديات نقص الموارد، إلا أن تحقيق الاستفادة القصوى منها يتطلب وجود سياسات وطنية قادرة على إدارة هذا الاعتماد ضمن رؤية متكاملة.
ولفت إلى أن إستراتيجية الاستهلاك والإنتاج المستدام، رغم تحديدها قطاعات الطاقة والمياه والغذاء كأولويات، لم تنضج فيها بعد بشكل كاف فكرة الترابط بين هذه القطاعات، إذ ما تزال السياسات الخاصة بكل قطاع توضع في إطار منفصل مع محدودية التنسيق الأفقي بينها.
وبين أن التعامل مع تحديات الموارد يتطلب إعادة النظر في أساليب صياغة السياسات وصناعة القرار، عبر تبني نهج يقلل من التعارضات والمقايضات بين القطاعات، ويعزز التكامل بينها عبر تغييرات في الأنظمة الاقتصادية والمؤسساتية والتقنية والاجتماعية.
وأشار إلى أن ذلك يشمل تمويل استثمارات قطاعية متكاملة في البنى التحتية المرتبطة بالمياه والغذاء والطاقة، وتشجيع الابتكار في تحسين كفاءة استخدام الموارد، وتسخير الطاقة المتجددة للوفاء بالتزامات مواجهة تغير المناخ، إضافة إلى تفعيل الأدوات الاقتصادية التي تدعم الاستثمار، بما في ذلك سياسات تسعير وتثمين الموارد والخدمات البيئية وتعظيم الاستخدامات المفيدة للمياه والطاقة بين القطاعات المختلفة.
وأكد الدحيات أن مشروع الناقل الوطني للمياه في الأردن يمثل نموذجا مهما لتطبيق مفهوم ترابط المياه والطاقة والغذاء، باعتباره أحد أكبر المشاريع الإستراتيجية في تاريخ المملكة، إذ يهدف إلى تحلية نحو 300 مليون متر مكعب سنويا من مياه البحر الأحمر في العقبة ونقلها إلى مختلف المحافظات.
وأوضح أن المشروع يعكس الترابط بين قطاعي المياه والطاقة، نظرا للحاجة الكبيرة إلى ضخ المياه المحلاة من مستوى سطح البحر إلى مناطق ترتفع لأكثر من ألف متر، ما أدى إلى ربطه بإنشاء حقول طاقة شمسية بقدرة تقارب 300 ميغاواط لتغطية جزء من احتياجات المشروع من الطاقة، بما يدمج الطاقة المتجددة بشكل مباشر في تعزيز استدامة الأمن المائي.
وأضاف أن الناقل الوطني يمثل كذلك حلقة مهمة في العلاقة بين المياه والغذاء، إذ إن توفير إمدادات مائية مستدامة ستسهم في تلبية جزء مهم من احتياجات مياه الشرب وتخفيف الضغط على مصادر المياه الجوفية، كما سيتيح كميات إضافية من المياه العادمة المعالجة لاستخدامها في القطاعات الزراعية والصناعية، بما يدعم التوسع الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي.
وأكد الدحيات إمكانية البناء على هذا المشروع في صياغة السياسات المستقبلية وتعزيز التكامل بين قطاعات المياه والزراعة والطاقة والأمن الغذائي والبيئة، بما يقود لبناء منظومة أكثر تناغما لإدارة الموارد، مشيرا إلى أهمية تفعيل إطار مؤسسي للتنسيق بين الوزارات المعنية، بما ينسجم وتوجهات رؤية التحديث الاقتصادي ضمن محور الموارد المستدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك