ليست قصص المعاناة من النزوح طويلة الأمد بسبب الحرب الإسرائيلية على لبنان استثناءً بل أصبحت واقعاً يومياً لكثيرين خسروا منازلهم ولا قدرة لديهم على بناء حياة جديدة.
لا يعيش نازحون كثيرون في المدرسة الكويتية بمدينة صيدا جنوب لبنان همّ النزوح المؤقت بسبب الحرب الإسرائيلية على لبنان، بل مشكلة الانتظار الطويل بعدما لم يعد لديهم مكان آخر يذهبون إليه.
تقول منسقة في قطاع الحماية القانونية باتحاد الجمعيات التنموية والإغاثية" أوردا"، ملكة الحلبي، لـ" العربي الجديد": " يضم مركز الإيواء في المدرسة الكويتية حالياً 116 عائلة، أي نحو 400 شخص، معظمهم من القرى الحدودية المحتلة أو من قرى دُمّرت منازلها بالكامل، وباتوا لا يستطيعون العودة إليها، وهم حُصروا في مدرسة واحدة بعد إغلاق أبواب المدارس الرسمية الأخرى في صيدا التي كانت فتحت أبوابها لاستقبال النازحين.
تضيف: " خلال الأيام الماضية جاءت عائلات جديدة من مراكز إيواء في الشوف وسبلين أُغلقت بقرار من وزارة التربية للاستعداد للعام الدراسي المقبل، ما زاد الضغط على المدرسة الكويتية ورفع عدد الأسر فيها، ومعظمها ينتمي إلى قرى لا تزال محتلة أو إلى مناطق أصبحت منازلها ركاماً، ويقول بعضهم إنهم سيعودون فور انسحاب الاحتلال من قراهم وبلداتهم، لكن السؤال الأصعب هو إلى أين يعود من لا يملكون بيوتاً؟ولا تقتصر معاناة بعض النازحين في لبنان على فقدان المنزل، بل تمتد إلى غياب أي قدرة مالية على إطلاق حياة جديدة، فالعديد منهم لا يملكون كلفة استئجار منازل، ويعيش بعضهم من دون مصادر دخل.
هناك أم تجمع علب تنك وتبيعها لتأمين الحدّ الأدنى من احتياجات أطفالها.
الفقر هنا واقع يومي.
وتروي نظام مهدي، التي نزحت مع زوجها المقعد والكبير في السن من قعقعية الجسر جنوب لبنان وتقيم في مركز إيواء المدرسة الكويتية منذ خمسة أشهر، كيف فرّقتها الحرب عن أولادها الخمسة الذين أصبح كل منهم في مكان مختلف، في حين أن زوجها مقعد ويعاني من أمراض مزمنة، ولا يستطيع العمل، وتقول لـ" العربي الجديد": " لم يعد منزلي صالحاً للسكن، ولا أملك المال لاستئجار بيت، والحياة التي كنت أعرفها انتهت مع الحرب، لكن إذا بتُّ بلا مكان أقيم فيه يمكن أن أسكن في خيمة قرب بيتي.
المهم أن أعود، والسؤال يبقى كيف أفعل ذلك، وكيف يمكن أن أعيش بلا كهرباء ومياه وأمان.
تعبنا وراح جنى عمرنا".
من جهتها، تعيش نور حمد، النازحة من بلدة عيترون جنوب لبنان، مع أولادها وأهلها وإخوتها، وعددهم 14، في غرفة واحدة بالمدرسة الكويتية، وقد حاولت العودة خلال إحدى فترات الهدنة في الحرب الأولى عام 2024، لكن القصف تجدد فنزحت إلى منطقة أبو الأسود جنوب لبنان، وعاشت في منزل مستأجر، ثم تكررت الحرب فنزحت مجدداً، وحين عادت خلال فترة هدنة إلى أبو الأسود وجدت أن منزلها سُوي بالأرض، ووجدت صندوق مال بناتها الذي كن يجمعن فيه مصروفهن كي يعوضن الأغراض التي فقدنها في الحرب الأولى محطماً ومقسّماً إلى قطع صغيرة كبقية أغراض البيت التي لن تستطيع شراء غيرها.
وتضيف نور: " اختفى كل ما كنت أملكه، حتى الأوراق الرسمية الخاصة بالعائلة باتت غير موجودة، ما زاد صعوبة تسجيل بناتي في المدارس، وهن يعشن آثار الحرب يوماً بعد يوم وسط نقص الغذاء المناسب وغياب المستلزمات الصحية واستمرار الخوف".
تضيف: " لسنا مقاتلين بل مدنيون، ويحق لأولادنا أن يعيشوا مثل كل أطفال العالم.
تعبنا من الخوف والانتظار، ونريد فقط أن نعيش بسلام".
أما زينب عواضة، النازحة من مدينة النبطية التحتا في جنوب لبنان، فتقيم مع زوجها وأولادها منذ أربعة أشهر في مركز إيواء المدرسة الكويتية بصيدا، وتؤكد أن عائلتها لا تملك مكاناً آخر تذهب إليه بعد تدمير منزلها.
ورغم أن زوجها يُضطر إلى الذهاب إلى النبطية من أجل العمل، فكل رحلة تحمل معها خطراً جديداً، وتقول لـ" العربي الجديد": " إذا خرجنا من المركز فإلى أين نذهب؟ هنا نجد سقفاً يحمينا على الأقل، وتؤمن لنا جمعيات الطعام، أما خارج المركز فلا نملك شيئاً".
وفي إحدى أكثر القصص ألماً، تروي مريم دياب معتوق كيف فقدت زوجها خلال الحرب ثم والدتها وشقيقها وأفراداً من عائلتها في مجزرة، وصارت مسؤولة وحدها عن طفليها، بينما دُمّر منزلها، ولم يعد يتوفر لديها أي مورد أو مكان تستقر فيه، وتقول بصوت حزين لـ" العربي الجديد": " تغيّر كل شيء.
دُمّر بيتي، وتوفي زوجي بنوبة قلبية بعدما نزحنا إلى صيدا، وأهلي ماتوا، وقد توفي والدي بمرض عضال، وخلال تقبل التعازي حضر شخصان لتعزية أهلي فقصف الطيران منزلنا الذي دُمّر بالكامل، وفقدت أمي وأخي وأولاد أخي، وبقيت مع أولادي فقط، ولا أعرف كيف سأبني لهم حياة جديدة".
ورغم اختلاف تفاصيل الحكايات فهي تلتقي عند حقيقة واحدة تتمثل في أن مئات العائلات لا تزال تعيش في مراكز إيواء لأنها لا تستطيع العودة لأن قراها لا تزال غير آمنة، أو لأن منازلها أصبحت أنقاضاً، أو لأنها ببساطة لا تملك القدرة على استئجار منزل جديد.
هذه ليست أزمة سكن فقط، بل أزمة إنسانية ممتدة يعيشها أناس ينتظرون لحظة عودتهم إلى بيوتهم، أو إلى ما تبقى منها، حاملين أملاً بسيطاً في أن تنتهي رحلة النزوح، ويستعيدوا حقهم الطبيعي في حياة آمنة وكريمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك