في عمر 10 سنوات، من الصعب على الإنسان فهم معني أن يخلع لاعبه المفضل قميص فريقه ويرتدي قميص النادي المنافس له…حسابات الاحتراف والروح الرياضية وغير ذلك كلها أمور جميلة، لكن من الصعب على صغير في هذا العمر فهم معناها.
ومن هنا نبتت في قلبي مشاعر غريبة للثنائي إبراهيم وحسام حسن، مشاعر لا أحاول فهمها.
لا أحبهم ولا أنكر نجوميتهم.
لا يمكنني أن أراهم سوى أبطال خارقين، لكنهم زرعوا في قلبي غصة تجاههم كبرت معي، إلى أن كبر الصغير وعرف الشيب طريقه إلى شعره ولحيته.
لعلي لم أعرف الكره لهم، لأن محيطي “عائلتي” يشجعون كرة القدم دون تعصب، وقديمًا كانت تجمعنا مناسباتها الكبيرة، مباريات القمة أو مباريات المنتخب.
لم أكره حسام وإبراهيم، لكني لم أكن أحبهم أيضًا، إلى أن جاءت بطولة كأس العالم، وصالح التوأم جرحًا بات مكتومًا داخلي منذ أن خلعا تيشيرت فريقي المفضل وانتقلا إلى صفوف المنافس التقليدي.
صالحت بكأس العالم ندوبًا تجاوزها الزمن، لكنه لم يمحها.
لم يكن كأس الأمم الأفريقية كافيًا لأتصالح مع التوأم.
لم نقدم جديدًا، فالعادي لمنتخبنا أن يحقق البطولة، لذلك فإن بلوغ نصف النهائي وتوديع البطولة من هذا الدور لم يقل شيئًا.
لا يزال الثنائي لم يعرفا نفسيهما لجماهير المصريين، ولم يمحوا جرحًا قديمًا في قلب الطفل الذي لا يزال لم يسامحهما على خلع قميص الأهلي، وعدم الاقتناع بقرار الإدارة حينها بالاعتزال.
انطلقت صافرة كأس العالم، محفل ينتظره محبو لعبة كرة القدم في العالم كله.
بدأ منتخبنا مشواره أمام بلجيكا، أخطر منتخبات المجموعة، في بداية لا تدع مجالًا للشك أنهم أعادوا الكرة إلى مجدها في قلب الطفل الذي يتحفظ عليهما للأسباب المذكورة في بداية المقال، “حقبة جيل حسن شحاتة”، أي الكرة الشجاعة التي تناطح الكبار ولا تخاف أيًا منهم.
ثم جاء الفوز الأول في مسيرتنا أمام نيوزيلندا، ليجد الطفل الكامن داخلي ندوبه القديمة تتلاشى.
يبدو أن التوأم هما الاختيار المناسب تمامًا للمنتخب.
هذا الجيل ضل طريقه كثيرًا، لكنه اليوم وجد ضالته على أيديهما.
ثم حسم التأهل أمام إيران، لأجد نفسي أهتف باسمهما.
يبدو أن جرحًا قديمًا قد تصالحنا عليه.
حسام حسن يطوف الملعب مرتديًا علم فلسطين بعد الفوز على أستراليا في دور الـ32.
ليسا فقط ثنائيًا مبهرًا كرويًا، إنهما يفهمان في السياسة ويعرفان قضيتنا الكبرى، أم القضايا في هذا الزمن.
ثم حسام حسن، في مؤتمر يسمعه العالم كله، ينتصر للإنسانية ويقول بلسان فصيح ما نريد العالم كله أن يسمعنا ونحن نقوله: هذا موقعنا اليوم، منصة رياضية يسمعها العالم كله، ونحن سنحسن استغلالها ليصل صوتنا.
العالم يريد أن يستغل المنصة ليسمعنا قضايا ليست على قمة أجندة أمتنا العربية، لكننا سوف نسمعهم ما لا يريدون سماعه.
انتهى الأمر، فاز حسام حسن بكأس العالم في قلب الطفل الذي خاصمه على مدار عمره.
نواجه بطل العالم، فيدنو الحلم من أقدامنا حتى الدقيقة 80.
نحرز هدفًا هو الأجمل في البطولة، ثم يُلغى، ثم نعود ونحرز غيره، ثم نظل صامدين كأبطال يشبهون أبطال قصتنا.
لن نسرق فوزًا ونختبئ، بل سنظل وجهًا لوجه حتى الدقيقة الأخيرة، نقول شيئًا واحدًا: نحن نقارع بطل العالم وجهًا لوجه، لا نخطف هدفًا وننكمش خوفًا.
نحن أمة جسورة، حتى ولو لم يحالفنا الحظ في النهاية.
هنا تأكدت أن ندوب الطفل الصغير التي تكونت تجاه التوأم قد تلاشت تمامًا.
هم أبطال يليقون ببطولتنا تمامًا.
بطولة جسورة لا تعرف براجماتية الخطف والاختباء.
قد لا يعجبك المنطق، لكنه يشبهنا تمامًا.
يروق لنا تمامًا منطق شجاع جسور يشبه ما نريد أن نعرفه عن أنفسنا وعن تاريخنا، حتى وإن انتهى بخيبة تشبه خيبتنا في واقع القصة تمامًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك