أحدثت تقنية الفيديو المساعد" فار" (VAR)، والتسلل شبه الآلي، والكرات المزودة بأجهزة استشعار، تحولاً جذرياً في كرة القدم، بعدما أصبحت شريكاً أساسياً في اتخاذ القرارات التحكيمية.
وفي كأس العالم 2026، لم تعد هذه التقنيات مجرد أدوات مساعدة للحكام، بل تحولت إلى عنصر حاسم في مجريات المباريات، يصنع الدراما أحياناً، ويمنعها أحياناً أخرى.
قدّم فوز البرتغال على كرواتيا في دور الـ32 من البطولة ربما أوضح مثال على تأثير التكنولوجيا في دراما كأس العالم.
فقد فازت البرتغال 2-1 في تورنتو وتأهلت إلى دور الـ16، تاركةً لاعبي كرواتيا وجماهيرها في حالة من الإحباط الشديد، بعدما ظنوا أنهم سجلوا هدف التعادل في الدقائق الأخيرة، قبل أن يُلغى.
وكان السبب تقنية تُعرف باسم" الكرة المتصلة".
كما شهدت مواجهة الأرجنتين ومصر في دور الـ16 إلغاء هدف للمهاجم المصري مصطفى زيكو بعد مراجعة تقنية الفيديو، رغم احتفاله به مع زملائه.
وأعادت اللقطة الجدل حول الدور المتزايد للتكنولوجيا في تغيير مجريات المباريات، بعدما باتت قراراتها قادرة على تحويل لحظات الفرح إلى خيبة في ثوانٍ.
يعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على كرة متطورة مزودة بـ" مستشعرات متقدمة".
وأفاد" فيفا" بأن أجهزة الاستشعار المدمجة في الكرة تتميز بدقة عالية للغاية، إذ إنها" قادرة على رصد أي لمسة طفيفة، مما يتيح للحكام مستوى غير مسبوق من البيانات لاتخاذ قرارات سريعة ودقيقة".
وقد رصدت لمسة في مباراة كرواتيا والبرتغال لم تكن ظاهرة للعين المجردة، ولا حتى للإعادة التلفزيونية.
ويؤكد" فيفا" أنه أصاب في قراره عندما اعتبر أن إيغور ماتانوفيتش، لاعب كرواتيا، لمس الكرة برأسه لمسة خفيفة للغاية، ما يعني أن ماريو باشاليتش كان في وضعية تسلل أثناء بناء الهجمة التي أسفرت عن الهدف.
وفي هذا السياق، قال مانوس تينتزيريس، من كلية الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسوب في معهد جورجيا للتكنولوجيا، لوكالة أسوشييتد برس، إنه" بغض النظر عن سرعة الكرة أو دورانها، يمكن تتبعها بدقة عالية".
وأضاف: " موقع الكرة دقيق بنسبة 99.
99%.
تعرف مكان اللاعبين بدقة متناهية، حتى طرف الحذاء، وهو ما يحدد أحياناً ما إذا كان اللاعب متسللاً أم لا".
ليست هذه المرة الأولى التي تؤثر فيها التكنولوجيا في دراما كرة القدم.
فقد كان لمستشعرات الكرة تأثير حاسم أيضاً في بطولة أمم أوروبا 2024، حين رصدت لمسة يد من لاعب الدنمارك يواكيم أندرسن داخل منطقة الجزاء أمام ألمانيا المضيفة.
وبعد مراجعة تقنية الفيديو المساعد، احتُسبت ركلة جزاء سجلها كاي هافرتز، وفازت ألمانيا بنتيجة 2-0.
وإذا كانت التكنولوجيا تصنع دراما مونديال 2026، فربما كانت لتمنع دراما مونديالات سابقة.
ففي 22 يونيو/حزيران 1986، أحرز الأرجنتيني دييغو مارادونا هدفاً في شباك المنتخب الإنكليزي تحوّل إلى لحظة تاريخية، بعدما لمس الكرة بقبضته فوق رأس الحارس بيتر شيلتون من دون أن يلاحظ الحكام أي مخالفة، فاحتسبه الحكم الدولي التونسي علي بن ناصر.
وعُرفت الحادثة لاحقاً باسم" يد الإله".
أما اليوم، فيبدو تكرار مثل هذه اللقطة أكثر صعوبة بفضل التكنولوجيا الحديثة.
وأكد شيلتون لموقع" غول" الرياضي أن تقنية الفيديو المساعد كانت ستغيّر مجرى التاريخ بالنسبة إلى إنكلترا ومارادونا، موضحاً أنه لو كانت مطبقة عام 1986 لما احتُسب هدف" يد الإله"، ولما تُوج مارادونا بكأس العالم.
وأثار تدخل التقنية بهذا الشكل غضب المتضررين منها.
فقد ألقى مشجعو كرواتيا زجاجات على أرض الملعب، وأطلقوا صافرات الاستهجان احتجاجاً على قرار الحكم احتساب تسلل ماريو باشاليتش وإلغاء هدف كان سيجبر المباراة على التمديد.
ووجد كثير من المشجعين صعوبة في التوفيق بين ما رصدته التكنولوجيا وما رأوه بأعينهم وشعروا به عاطفياً.
فهناك فرق بين هدف صحيح وفقاً للبيانات، وخروج فريق من البطولة بسبب لمسة لم يرها أحد تقريباً داخل الملعب في الوقت الفعلي.
واعتبر منتقدون أن لمسة شعر ماتانوفيتش للكرة، من دون أن تغيّر مسارها، أصبحت كافية لتحديد مصير مباراة كاملة.
وتنقل مجلة" فوربس" عن مدرب كرواتيا، زلاتكو داليتش، قوله: " كل هذه القرارات تُفسد متعة كرة القدم".
أما مدرب البرتغال، روبرتو مارتينيز، فكان له رأي مختلف، إذ قال للمجلة: " الكرات الآن مزودة بشريحة إلكترونية.
إنه ليس رأياً شخصياً".
وعلى هذا المنوال، لم يعد الجدل في كرة القدم يدور حول صحة القرار التحكيمي بقدر ما بات يدور حول دور التكنولوجيا نفسها.
فبينما يرى مؤيدوها أنها تمنح اللعبة أعلى درجات العدالة والدقة، يعتقد منتقدوها أنها تسلبها جزءاً من عفويتها ودراميتها.
وبين هذين الرأيين، يبدو أن كأس العالم 2026 يؤكد أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبحت لاعباً مؤثراً في صناعة تاريخ اللعبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك