أغمض أمير دولة قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عينيه على دوحة أخرى غير تلك التي عرفها في طفولته؛ صغيرة، ملمومة، محارة تتأمل ذاتها وتنتظر من يصل صحراءها ببحرها.
وُلد الأمير الوالد في مطلع خمسينيات القرن الماضي، وكبر وأقرانه في ديرة بموارد أقل وأحلام أكبر؛ بأن تعلو دارًا كبيرة، وتغدو منارة ومدارًا.
وكان له أن يرى أحلامه تسبقه في سوق واقف، ورأس لفان، ودخان، والمدينة التعليمية وسواها.
ونقلت مشاريعه البلد إلى الثراء الذي لم يكن بالمال وحده، ونقل ديرته إلى منازل أخرى وأعلى، حتى أصبح اسم قطر يتردد على الألسنة أينما حل وذهب.
حمد بن خليفة.
الحلم الكبيركان مشروع الشيخ حمد الكبير أن تكون المنطقة في العالم، في مركزه لا على هامشه، وأن تكون الثروة نعمة لا لعنة، وأن تملك قرارها، ويكون لها صوتها بالعربية لا بلغة أخرى.
ولم تكن العلاقات الدولية سوى جزء من رؤية أوسع، سعت إلى ترسيخ حضور قطر على الساحة الدولية، وإلى أن تكون شريكًا فاعلًا في صناعة القرار.
كان الأمير الراحل محاطًا بالصور النمطية التي ترسخت عن الخليج وعن بلاده الصغيرة محدودة الموارد آنذاك، فاندفع الشاب، خريج أكاديمية" ساندهيرست" في مطلع سبعينيات القرن الماضي، ليغير، بل ليؤسس.
كانت تلك حربه، وفيها انتصر.
عندما تولى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم في 1995، كانت البلاد تمر بظروف صعبة، وخزينتها شبه مفلسة، فيما كانت قطر تنتظر من يخرج لؤلؤها من محارها.
حينها، كان عليه أن يقرر ويبادر؛ أن تُستغل الثروة، لا أن تُترك أو تُبدد.
ولم يكن يملك آنذاك سوى نفط قليل، وغاز ينتظر من يستثمره، ففعل.
فتحولت قطر في عهده إلى أكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي المسال في العالم.
ولم يكن ذلك سوى بداية مشروع أكبر، فقد كان على الثروة أن تتهذب، وأن تواكب العصر، لا أن تنغلق على ذاتها.
ومن هذا المشروع انطلقت المدينة التعليمية، إلى جانب مشاريع إعلامية وثقافية أحدثت تحولًا في محيطها، ووصل أثرها إلى ما وراء البحار وعبر القارات.
وكان يرى أن على الديرة أن تصبح دولة معاصرة، ذات إرادة مستقلة، ودارًا لكل مواطنيها، فجاء أول دستور دائم لدولة قطر خلال عهده في 2003.
وكانت رحلة البناء الطويلة قد بدأت، لتتحول قطر في سنوات قليلة إلى واحدة من أكثر دول الجنوب حداثة ومعاصرة.
وفي هذا التحول، واءم الشيخ حمد بين أن تكون قطر في العالم، من دون أن تذوب فيه أو تختفي هويتها، بل تزداد تماسكًا وانفتاحًا.
كما سعى إلى أن يكون المواطن القطري الأعلى دخلًا، والأكثر تعليمًا، والأقل انغلاقًا في آن واحد.
لم يكتف الشيخ حمد بذلك، بل كان يرى أن على قطر أن تكون على الطاولة لا ملفًا يُبحث عليها، وأن تكون شريكًا لا موضوعًا؛ وهو ما أنتج نموذجًا فريدًا أثار حيرة كثيرين وإعجاب آخرين حول العالم.
وبين هذه الثنائيات المتضادة، شق الشيخ حمد طريقه في بيئة وعرة وعنيدة، فطوّعها.
وكان يعرف ما يريد ويسعى إليه؛ أن تصبح قطر منارة، وأن تصبح المنطقة أكثر حداثة وسلامًا، وأن يكون لها كلمتها.
لكن اندفاعته كانت أسرع من حركة محيطه، وأحلامه أكبر من توقعات جواره القريب والبعيد.
ولحماية مشروعه من سوء الفهم أو العداء، انفتح أكثر، وسعى إلى خليج متصالح على ضفتيه، وأيّد السلام العادل في حل القضية الفلسطينية، وسعى إلى تغليب الحوار لتفكيك العداء، حتى لو كان مفتعلًا.
كما انفتح على أشواق شعوب المنطقة للحرية والمواطنة، وناصر قضاياها العادلة، فكان حاضرًا في جنوب لبنان بعد العدوان الإسرائيلي، وفي غزة المحاصرة التي بادلته الحب والوفاء.
وشهدت سنوات حكمه محطات كبرى، كان من أبرزها فوز قطر بحق استضافة نهائيات كأس العالم 2022، في محطة عُدت امتدادًا لمشروعه الذي سعى إلى وضع قطر في قلب العالم.
في 2013، أعلن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قراره بالتنازل عن الحكم لنجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، معلنًا بداية مرحلة جديدة في مسيرة البلاد.
ولم يكن انتقال السلطة بالنسبة إليه مجرد إجراء دستوري، بل تعبيرًا عن قناعة بأن الوقت قد حان لجيل جديد يقود المرحلة المقبلة.
وفي تلك الخطوة، كان أول قائد في المنطقة يتنازل عن الحكم طواعية لنجله، بعدما رأى أن مشروع الدولة أهم من البقاء في السلطة، وأن الطموح الحقيقي ليس كرسيًا، بل مشروع يبقى ويتحقق.
وبعد تنحيه، حمل الشيخ حمد لقب الأمير الوالد، وظل حاضرًا في المشهد الوطني، يحنو على دوحته ويرعى أزهارها.
وفي سنوات عمره الأخيرة، كان ينظر إلى محاراتها التي تفتحت على لآلئها مطمئنًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك