في وقت تتزايد فيه المخاوف من حجم الأضرار التي لحقت بالمؤسسات الثقافية والتراثية، جراء حرب الإبادة الإسرائيلية، وما تفرضه من تحديات تتعلق بحماية الذاكرة الوطنية، شهدت المكتبة الوطنية في بيروت، صباح الجمعة الماضي، إطلاق" الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والأرشيفات والإرث الثقافي" في لبنان، في مبادرة تجمع مؤسسات رسمية وأهلية للعمل على توثيق هذا الإرث وصونه، ووضع آليات للتعامل مع المخاطر التي تهدده اليوم وفي المستقبل.
وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة، الذي رعى إطلاق الشبكة، اعتبر أن حماية الإرث الثقافي لا تقل أهمية عن حماية الإنسان، مؤكداً أن الاعتداء على التراث والبيئة يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني وللإنسانية نفسها.
واستعرض الإجراءات التي اتخذتها الوزارة خلال الأشهر الماضية، ومنها مضاعفة عدد المواقع اللبنانية المشمولة بإجراءات الحماية لدى اليونسكو من 39 إلى 79 موقعاً، والعمل على إدراج قلاع جبل عامل ضمن قائمة التراث العالمي، إلى جانب تحركات دبلوماسية شملت التواصل مع العشرات من وزراء الثقافة والمنظمات الدولية لإبقاء ملف التراث اللبناني حاضراً على الأجندة الدولية، والدفع نحو توفير حماية أوسع للمواقع المهددة.
إعداد خطة تشمل أعمال التوثيق والإنقاذ والأرشفة والترميموبالرغم من هذه الجهود لم يُخفِ سلامة محدودية إمكانات الوزارة في ظل الأوضاع الاقتصادية والإدارية التي تمر بها البلاد، مشيراً إلى أن حماية التراث تتطلب تعاوناً واسعاً بين القطاعين الرسمي والأهلي.
ورحب بالمبادرة الجديدة، معتبراً أنها تشكل استكمالاً لعمل الوزارة، لا سيما في ما يتعلق بحماية المكتبات الخاصة والأرشيفات العائلية والمباني التراثية التي يصعب على المؤسسات الرسمية التدخل المباشر لصونها أو إعادة تأهيلها، الأمر الذي يجعل مساهمة المجتمع المدني ضرورة في هذه المرحلة.
ولم يقتصر النقاش على المواقع الأثرية الكبرى، بل اتسع ليشمل مفهوماً أشمل للتراث الثقافي، يضمّ الأسواق الشعبية، والبيوت القديمة، والفضاءات الاجتماعية، إلى جانب الموروث الشفهي والموسيقي والشعري.
أما مؤسس الشبكة هادي بكداش، فاستعاد في حديثه لـ" العربي الجديد" البدايات التي خرجت من بين الأنقاض، موضحاً أن المتطوعين الذين عملوا على جمع الكتب من المكتبات والبيوت المتضررة كانوا يدركون أنهم ينقذون ذاكرة عائلات ومؤسسات كاملة.
ومن هذه التجربة ولدت فكرة إنشاء إطار وطني يجمع الوزارات والبلديات والجامعات والمكتبات ودور النشر والمجتمع المدني، بهدف إعداد خطة دائمة لحماية التراث في أوقات السلم والأزمات، تشمل التوثيق والإنقاذ والأرشفة والترميم، وتعزز الجاهزية لمواجهة أي أخطار مستقبلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك