ينظر إلى" الأمير الأب" الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، على أنه باني قطر الحديثة، ومهندس نهضتها، ومؤسس الرؤية الاقتصادية للدولة، حيث قاد خلال فترة حكمه تحولًا اقتصاديًا واستراتيجيًا شاملًا نقل قطر إلى دولة حديثة ومزدهرة.
وشهد عهده، الذي امتد 18 عامًا، من عام 1995 إلى عام 2013، قفزة هائلة في إنتاج الغاز والاستثمارات والنمو الاقتصادي الشامل، كما تضاعف الناتج المحلي الإجمالي مرات عدة، ليصل إلى أكثر من 200 مليار دولار بحلول عام 2012.
خلال عهده أطلقت مشروعات كبرى، منها وضع حجر الأساس لمطار حمد الدولي، وميناء الدوحة، وبدء تنفيذ مشروعات البنية التحتية، وجذب الاستثمارات، والتخطيط لإقامة مدن عصرية، أبرزها لوسيل ومشيرب.
ومن المبادرات المهمة تركيزه على استغلال حقل الشمال، ما جعل قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2006.
وأسهمت استراتيجيته في استغلال غاز حقل الشمال وتحويله إلى غاز مسال في نقل قطر إلى لاعب محوري في سوق الطاقة العالمية.
كما أُسس المجلس الأعلى لاستثمار احتياطي الدولة، والمجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار، وجهاز قطر للاستثمار، وجهاز قطر لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وسوق الدوحة للأوراق المالية.
تنويع القاعدة الاقتصادية للدولةوحققت رؤية الأمير الراحل في تنويع القاعدة الاقتصادية للدولة إنجازات مهمة، ففي عام 1997 أُنشئت سوق الدوحة للأوراق المالية (بورصة قطر حالياً)، لتكون أول سوق منظمة للأوراق المالية، مع لائحة داخلية للإصدار والتداول.
كما أسهمت هذه الرؤية عام 2000 في إنشاء المجلس الأعلى لاستثمار احتياطي الدولة، ثم أنشأ الشيخ خلال عام 2001 المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار، ليتولى، بصفة عامة، جميع الأمور المتعلقة بشؤون الاقتصاد والطاقة والاستثمار، ووضع السياسات العامة في المجالات الاقتصادية والمالية والتجارية وشؤون الطاقة.
وفي عام 2005 أُسس جهاز قطر للاستثمار، الصندوق السيادي القطري، لإدارة عوائد النفط والغاز، وبلغت أصوله نحو 215 مليار دولار بحلول عام 2013، ما وفر تدفقات نقدية مستقرة لتمويل التنمية، مع نمو سنوي بلغ نحو 60 مليار دولار، معززًا بذلك الدخل القومي، واليوم تجاوزت أصول الصندوق السيادي 600 مليار دولار.
وفي الأول من فبراير/ شباط 2011 أُنشئ جهاز قطر لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتشجيع إقامة المشاريع، والنهوض بالمشاريع القائمة، وزيادة مساهمة المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي، وأصبح لاحقاً يتبع بنك قطر للتنمية.
مضاعفة الناتج المحلي 24 مرةومن دولة بسيطة بناتج محلي لم يزد على 8 مليارات دولار عند توليه الحكم، نجح أمير قطر الراحل في مضاعفة الناتج المحلي 24 مرة قبيل تسليمه الحكم عام 2013 لابنه الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي واصل قيادة المسيرة.
ووضع الأمير الراحل عام 2008 رؤية قطر الوطنية 2030، التي ركزت على بناء اقتصاد قائم على المعرفة والتنمية المستدامة، انطلاقاً من إيمانه بقدرة الدوحة على استثمار مواردها على النحو الأمثل.
وأسفرت جهوده لتطوير قطاع الغاز الطبيعي المسال، عن ارتفاع حجم الإنتاج من نحو 13 مليار متر مكعب عام 1995 إلى نحو 184 مليار متر مكعب، أي بزيادة تقارب 13 ضعفًا، بالتزامن مع بناء أسطول ضخم من ناقلات الغاز الطبيعي المسال المخصصة للتصدير إلى الأسواق العالمية.
ولإدراكه أهمية إعادة توظيف الفوائض المالية المتأتية من صادرات قطاع الطاقة، قرر عام 2005 تأسيس جهاز قطر للاستثمار، الذي عمل على تنويع أصوله ليصل حجم أصوله اليوم إلى نحو 600 مليار دولار، أي ما يعادل نحو ضعفين ونصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
كما وضع الشيخ حمد أسس بنك قطر للتنمية ليكون مؤسسة تنموية متخصصة في تمويل المشاريع الصناعية والإنتاجية، إلى جانب توفير مختلف أشكال التسهيلات اللازمة لإنجاح قطاع الأعمال، فضلاً عن تسهيل امتلاك المواطنين الأراضي والمساكن بشروط تمويلية ميسرة.
وخارج حدود بلاده، وجّه الأمير الراحل بتقديم مساعدات تنموية لم تقتصر على إعادة إعمار غزة عام 2012، وبناء آلاف الوحدات السكنية في القطاع، أو إعادة إعمار المناطق المتضررة في لبنان بعد حرب 2006، بل امتدت لتشمل السودان واليمن وموريتانيا وجزر القمر وغيرها.
وفي حديثه للتلفزيون العربي، قال الخبير الاقتصادي عبد الله الخاطر إن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تولى الحكم في ظروف اقتصادية صعبة، حيث كان ضعف التدفقات النقدية والسيولة من أبرز التحديات في تلك المرحلة.
وأضاف أن الرؤية التي تبناها الشيخ حمد منذ عام 1995 اتسمت بالجرأة، معتبرًا أن قرار تطوير حقل الشمال كان نقطة التحول الأساسية في الاقتصاد القطري، رغم أن الحقل كان مكتشفًا منذ عام 1971، مع غياب القدرة على الاستثمار فيه.
ورأى الخاطر أن استراتيجية استغلال الغاز الطبيعي المسال نقلت قطر إلى موقع متقدم في الاقتصاد العالمي، كما أسهم تأسيس الصندوق السيادي في بناء استثمارات قطرية واسعة حول العالم، وهي خطوات أرست حضورًا اقتصاديًا لقطر على المستوى الدولي.
وأضاف أن البنية المؤسسية التي أُنشئت خلال تلك الفترة، إلى جانب مشاريع البنية التحتية والاستثمارات، أسهمت في تعزيز قدرة قطر على مواجهة التحديات، معتبرًا أن ما تحقق خلال 18 عامًا يمثل تجربة تنموية استثنائية.
موازنة بين الداخل والخارجمن جانبه وصف الكاتب الاقتصادي أحمد عقل السياسة الاقتصادية التي انتهجها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بأنها كانت قائمة على الموازنة بين الاستثمار في الداخل والتوسع في الاستثمارات الخارجية.
وأوضح عقل في حديث للتلفزيون العربي، أن توجيه جزء من الفوائض المالية إلى الاستثمارات الخارجية أسهم في الحد من الضغوط التضخمية التي قد تنتج عن التوسع الكبير في الإنفاق المحلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على وتيرة التنمية الاقتصادية داخل قطر.
وأضاف أن الاقتصاد القطري لم يقتصر خلال تلك المرحلة على تصدير النفط والغاز، بل شهد توسعًا في الصناعات التحويلية، بما في ذلك البتروكيماويات والألمنيوم والأسمدة، ما عزز القيمة المضافة للقطاع الهيدروكربوني ووسع قاعدة الإنتاج.
ورأى عقل أن رؤية قطر الوطنية 2030 هي امتداد للرؤية التي وضعها الشيخ حمد، القائمة على التحول نحو اقتصاد المعرفة، وتنويع مصادر الدخل، والاستثمار في رأس المال البشري، وهي رؤية انعكست على التعليم والانفتاح الإعلامي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك