يجرى الزمن سريعًا، ينتقل بين الدقائق واللحظات والساعات والأيام أسرع فأسرع، ومعه يتحول العالم أكثر فأكثر إلى عالمين: قلة هنا وهناك تحكم وتهيمن وتسيطر، أو حتى تخدم من يحكم، وكثرة بالملايين تخدم وتناضل يوميًا من أجل لقمة العيش.
فلم يعد العالم منقسمًا فقط إلى شمال وجنوب، وشرق وغرب، واستعمار ومستعمرة، وغنى وفقير، بل أصبح أشد قسوة ووحشية، حتى لو كان فى شكل من الأناقة وكثير من مساحيق التجميل! !!يتشابه أولئك العاملون بصمت، الواقفون على أطراف الحياة بأطراف أصابعهم حتى لا تزعج أى حركة منهم أولئك المسترخين فوق سطح الماء الأزرق، سواء كان بحرًا أو حمام سباحة، بحكم بيت لعوائل فى الأحياء الفقيرة.
يتحدث الفقراء لغات قد تبدو مختلفة: عربية، وإسبانية، وأوردو، أو سواحيلية، ولكنهم فى مجملهم يفهمون بعضهم البعض أكثر من الآخرين الذين يتحدثون لغتهم وينتمون إلى نفس أوطانهم.
يعيش أولئك الفقراء، وهم كثر، فى قلق يومى، يحسبون ما تبقى فى جيوبهم قبل أن ينتصف الشهر، وينغمسون فى لعبة تأجيل الأحلام عامًا بعد عام.
يجرى الفقير من بيته فى أول ضوء للشمس ليصل إلى عمله فى تلك المنطقة الصناعية أو تلك الفيلا الفخمة بالمجمع ذى أسواره العالية وحدائقه المزهرة ومسابحه ومراكزه للرياضة واللعب والترفيه، كلها بمساحة تلك البقعة الصغيرة التى يكتظ فيها البشر، ليس بعيدًا عنه إلا ببضعة كيلومترات، فيما الفروق تشبه المحيطات سعةً.
لم تعد الفوارق بين الشعب ونفسه أو بين بلد وآخر، بل أصبحت فى كل تفاصيل الحياة، فى خيارات المدرسة والمستشفى، أو جودة العلاج، وفى السكن، وحتى فى الهواء الذى يتنفسه هؤلاء أو أولئك الذين يهربون بعيدًا بحثًا عن النقاء والهدوء.
حتى فى عدد سنوات الحياة يختلف أفراد هذه الشريحة وتلك، وأكثر ما يؤلم فى حجم الفروقات ربما هو حجم الأمل الذى يسمح لك المجتمع بأن تحمله، وكأن العالم لم يعد يوزع الثروة فقط، بل يوزع الفرص والأحلام أيضًا.
كانت البيوت قديمًا لا تبعد عن بعضها البعض، ولا تفصل بينها سوى أسوار الخصوصية، وليست أسوار الخوف أو تلك التى تحمل دمغة شريحة أو فئة تختلف عن كل من هو خارج السور.
كانت الأسوار من حجر وحديد، وأصبحت بوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة، وحراسات، و«كيو آر كود»، وتطبيقات، وغيرها من الوسائل لمن يملك الثمن! !!كان الحساب البنكى، وحجم المنزل، ونوع السيارة يفرق بين الفرد وجاره القريب أو البعيد بعض الشىء، وكانت تجمعهم الأندية المشتركة.
لا أنسى أن فريقنا الصغير فى مدينتى الحبيبة المحرق كان به نادٍ يجمع بين الأثرياء والفقراء على ذات المستوى، والمدارس هى الأخرى كانت أدراجها لا تفرق بين من يملك ومن لا يملك سوى ما يعينه على العيش بكرامة.
وكان الأطفال والشباب يكبرون معًا فى الفصول الدراسية أو الفرق الرياضية أو الكشافة والمرشدات.
كل هذا تحول بفعل فاعل، طبعًا، ربما ودون إدراك البعض من الذين أصبحوا على هذه الضفة أو تلك من مجتمعهم، فليس كل المنتمين مدركين أنهم أصبح بينهم وبين جارهم فى الوطن محيط واسع.
وحد الفقر والعوز والوجع والظلم كثيرين لا تربطهم طائفة، ولا دين، ولا عرق، ولا لون بشرة، ولا لغة.
ووحدت القصور، والعربات الفاخرة، واليخوت، والملابس، والأحذية باهظة الأثمان، والساعات شرائح أخرى من مجتمعات متباعدة، يجمعها رأس المال والاستهلاك والمصالح المادية البحتة.
حتى الرياضة، التى لطالما اعتبرناها مساحة يلتقى فيها البشر على قدم المساواة، لم تبق بمنأى عن هذه التحولات.
فقد أصبحت كرة القدم صناعة عالمية تتشابك فيها حقوق البث، والإعلانات، والرعاية، والاستثمارات الضخمة، والمراهنات، حتى غدا المال عنصرًا مؤثرًا فى تشكيل المنافسة نفسها.
تكفى نظرة إلى الفوارق الهائلة بين ميزانيات الأندية، وأسعار اللاعبين، وحجم الاستثمارات، لندرك أن المنافسة لم تعد تبدأ من نقطة واحدة، وأن الإمكانات الاقتصادية أصبحت تلعب دورًا متزايدًا فى رسم ملامح اللعبة.
بل أصبحت هى الأخرى جزءًا من اللعبة الاستعمارية السياسية الكبرى، وليست بعيدة عنها، ألم تُحظر على كثير من الدول المشاركة فى مسابقات الرياضة والغناء والموسيقى والسينما لأنها فى حالة حرب أو معادية، كما وصفوها هم، فيما تبقى أكبر دولة تمارس حرب الإبادة منذ أكثر من سبعين عامًا تتقدم الصفوف فى كل هذه المسابقات؟ ؟ولعل ما نشهده اليوم ليس نهاية الاستعمار، بل تغيرًا فى أدواته.
فقد غادرت الجيوش كثيرًا من الأراضى، لكن رأس المال بقي، بل ازداد نفوذًا.
لم تعد السيطرة تُفرض دائمًا بالدبابات، وإنما بالقروض، والأسواق، والإعلام، والتكنولوجيا، والبيانات، والشركات العملاقة التى باتت تمتلك من النفوذ ما يفوق أحيانًا نفوذ دول بأكملها.
ولعل أخطر ما فى هذا كله أننا لم نعد نرى أنفسنا أبناء الأوطان نفسها بقدر ما أصبحنا أبناء الطبقات التى ننتمى إليها.
فالأثرياء، مهما اختلفت جنسياتهم، أصبحوا أكثر قربًا من بعضهم بعضًا، كما أصبح الفقراء، رغم تباعد أوطانهم، أكثر فهمًا لبعضهم بعضًا.
وبين هذين العالمين تتسع الهوة كل يوم، حتى بات السؤال الذى يفرض نفسه: هل ما زلنا نعيش فى عالم واحد، أم أننا أصبحنا نعيش على الكوكب نفسه، لكن فى عالمين لا يلتقيان؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك