إثر تصاعد الدعوات إلى «حوار سوداني سوداني» يضع حدًا لمعاناة السودانيين، إرتأينا طرح وجهة نظرنا في سلسلة من المقالات نجيب فيها على الأسئلة التالية: هل الحوار ممكن في ظروف السودان الراهنة؟ وإذا كان ممكنا فكيف يُبنى على أسس سليمة حتى يُخرج السودان من جب الأزمة ويجنبه التفتت؟ وهل الحوار سيخاطب تفاصيل الأزمة وقضية الحرب أم هو مجرد مناورة سياسية تتعلق بالبقاء في السلطة، مع الأخذ في الاعتبار فشل تجربة حوار «الوثبة» في عهد نظام الإنقاذ؟ وإذا كان الحوار معنيا بوقف الحرب، فهل يتضمن دفع الأطراف المتحاربة للجلوس إلى مائدة التفاوض؟ وهل تشمل الدعوة كل المجموعات بما في ذلك مجموعات تحالف «تأسيس»؟ أم هو معني فقط بالقضايا السياسية في مناطق سيطرة القوات المسلحة؟ وفي مقالنا السابق، حددنا، من وجهة نظرنا، العناصر والمقومات التي نعتقد اشتراط توفرها حتى ينجح الحوار المقترح، وهي: 1- توفر الإرادة السياسية الصادقة عند كل الأطراف، وتوافقهم على الهدف الرئيسي من الحوار.
وغياب أي من هذين العنصرين سيحول الحوار إلى «مسرحية سياسية» أو «مناورة تكتيكية.
» 2- بناء الثقة بين الأطراف قبل بدء الحوار.
فإذا كانت الإرادة السياسية الصادقة هي المحرك الدافع للحوار، والتوافق على الهدف هو البوصلة، فإن بناء الثقة قبل بدء الحوار هو الوقود والتربة الخصبة التي بدونها لن يعمل المحرك ولن تعمل البوصلة.
3- القبول والقناعة بأن مبدأ المساومة، وليس مبدأ الربح والخسارة، هو الحاكم لعمليات الحوار، وفي إطار ذلك تتم التنازلات المتبادلة ليكون الرابح في النهاية هو الوطن.
4- القبول والإقرار، قبل بدء الحوار، بأن مخرجاته ستكون ملزمة للجميع.
في مقالنا السابق ناقشنا عنصر الإرادة السياسية والهدف، ونستكمل اليوم مناقشة عنصر بناء الثقة، وفي مقالاتنا القادمة نناقش بقية المقومات.
توفر الإرادة السياسية الصادقة عند كل الأطراف، وتوافقهم على الهدف الرئيسي من الحوارالحوار الوطني ليس جلسة أكاديمية، بل هو مفاوضات وجودية لمعالجة الأسباب الجذرية للحرب ومنع تجددها، وحول مستقبل السودان.
لذلك، فإن دخول الأطراف إلى الحوار قبل بناء الثقة بينها، سيجعلها متشككة وتفسر كل كلمة وكل اقتراح من الآخر على أنه فخ أو مناورة، وبدلاً من مناقشة الحلول، ستنشغل بالدفاع عن النفس والهجوم المضاد، فيتحول الحوار إلى مزايدات.
أيضا، أي حوار جاد يطلب من الأطراف كشف أوراقها، وتقديم تنازلات، وتحديد الخطوط الحمراء.
وهذا لا يحدث إلا في بيئة آمنة، فقط ستوفرها الثقة المسبقة، وإلا سيبقي كل طرف أوراقه قريبة من صدره.
كذلك، فإن عدم إكتمال بناء الثقة بين الأطراف سيزيد من خطر الفشل المبكر للحوار عند أول أزمة عابرة، كتسريب إعلامي، أو حادث أمني بسيط، أما الثقة المسبقة فتعمل بمثابة «ممتص صدمات» يمنع انهيار الطاولة عند أول هزة.
والثقة المنشودة ليست مجرد نوايا عاطفية، وليس المطلوب من أطراف الحوار أن يحبوا أو يصدقوا وعود بعضهم البعض، بل أن ينفذوا إجراءات عملية ملموسة تقوم على أربع ركائز، هي: *إطمئنان كل طرف بأن الطرف الآخر لن يستخدم المعلومات أو التنازلات التي تقدم خلال الحوار كسلاح ضده في الإعلام أو في الشارع بعد انتهاء الجلسة.
*ثقة كل طرف بأن ما يقال في الغرفة المغلقة لن يُسرب بشكل انتقائي لتشويه صورته، فالإعلام المباشر للحوار يقتل الثقة.
*إقتناع كل طرف بأن الآخر جاء بحثا عن حلول وليس لكسب الوقت أو لتحسين صورته الخارجية فقط.
*أن يحترم كل طرف مخاوف الطرف الآخر وقلقه الوجودي، خاصة وضعه بالنسبة لقواعده الشعبية.
ومن زاوية أخرى، فإن بناء الثقة قبل بدء الحوار لا يتم بالشعارات وإبداء حسن النوايا، بل هو هندسة اجتماعية وسياسية تتم عبر خطوات ملموسة، منها: 1- التوافق على «إعلان مبادئ» مقبول من كل الأطراف يحكم عملية الحوار، ويعمل بمثابة خطوط حمراء ومسلمات لا نقاش فيها، مما يحصر الخلاف في منطقة آمنة.
ويمكن أن يتضمن الإعلان: التمسك بمبادئ ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018، والتمسك بوحدة السودان، وبالجيش الواحد واحتكاره للسلاح، مع تنفيذ إصلاح المنظومة العسكرية والأمنية وابتعادها عن السياسة والاقتصاد، وصولا إلى بنائه كل القوات النظامية على أساس مهني وقومي، والتمسك بالحكم المدني الديمقراطي، وبالنظام الفدرالي الذي يراعي التعدد والتنوع، وبإصلاح الخدمة المدنية والنظام العدلي، وبالحوار كآلية لحل أزماتنا…الخ.
2- عقد لقاءات سرية بين قيادات أطراف الحوار قبل انطلاقه، غالبا عبر وسيط، لا للتفاوض، بل لإجراء مشاورات غير رسمية لكسر الجليد، ولتبني لغة مشتركة وفهم مشترك لمعنى المصطلحات، مثل المحاسبة والعدالة الانتقالية، المشاركة في السلطة.
الخ.
3- أن يقوم كل طرف، أو الطرف الأقوى تحديدا، بتنفيذ إجراءات ملموسة قبل بدء الحوار، وهي أهم أدوات بناء الثقة المسبقة، مثل: إطلاق سراح المعتقلين، شطب القضايا المرفوعة ضد قيادات الطرف الآخر، وقف الحملات الإعلامية المسيئة، فتح الممرات الإنسانية التي كانت مغلقة، تجميد أي قوانين مثيرة للجدل إلى ما بعد الحوار.
الخ.
4- الاتفاق على «قواعد اشتباك» واضحة مسبقاً، مما يخلق شعوراً بالعدالة الإجرائية، وهو أساس الثقة، وذلك بالتوافق على لائحة ملزمة للجميع تحدد: كيف يُدار النقاش ومن يدير الجلسات؟ كيف يتم الاعتراض على الرأي وما هي سقوف الحرية في الرد؟ كيف تتخذ القرارات؟ …الخ.
5- تشكيل لجان فنية مشتركة من خبراء من جميع الأطراف، لوضع دراسات مشتركة عن واقع البلد واقتراح السيناريوهات والبدائل والمعالجات الممكنة.
فالعمل المشترك في حقائق محايدة يخلق وعياً جماعياً يسهم في تخطي الخلاف.
صحيح، كل الأطراف يجب أن تلعب دورا في بناء الثقة قبل بدء الحوار، ولكن العبء الأكبر يقع على عاتق الحكومة السودانية، بوصفها المناط بها اتخاذ إجراءات أحادية ملموسة تُطمئن الآخرين، وتُظهر جديتها في حوار حقيقي لا يهدف إلى البقاء في السلطة، بل إلى إنقاذ وطن يئن تحت وطأة الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك