في ولاية نهر النيل بإقليم دارفور، تبدي قرية" رفقاء" النموذجية كامل زينتها للناس فتسر الناظرين بجدرانها الصفراء ومسجدها الفخم الذي تعلوه قبة خضراء ومئذنة تطاول السماء.
ولو نظرت إليها من بعيد لن يساورك شك في أن سكان القرية من الأغنياء أو من ميسوري الحال على الأقل، لكن الحقيقة مغايرة تماما، فكلهم أيتام آوتهم قطر بعد أن خطفت الحرب ذويهم وتقطعت بهم السبل.
بيد أن" رفقاء" ليست سوى واحدة من 75 قرية نموذجية شيدتها قطر في السنوات الأخيرة، تنفيذا للعهد الذي قطعه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على نفسه بمساعدة أهل دارفور على أن يعيشوا في كرامة وأمان.
الأمير الوالد -الذي ارتقى الأحد عن 74 عاما- قال في يوم مشهود إنه" آن الأوان لأن تنعم دارفور وأهلها بالاستقرار بعد طول عناء، وأن يتمكنوا من العودة إلى ديارهم وممارسة حياتهم الطبيعية في ظل توفر المقومات الأساسية للحياة الكريمة".
كان ذلك التصريح في الدوحة خلال الإعلان عن اتفاق سلام دارفور الذي جاء بعد مفاوضات دامت 30 شهرا توسطت فيها قطر، وسخّرت إمكاناتها السياسية والمادية لتذليل كل الصعاب التي تعترض تحقيق السلام.
وقد انخرطت قطر في أزمة دارفور عام 2008 بعد تواتر التقارير عن سفك الدماء وهتك الأعراض في هذا الإقليم العربي المسلم، والذي كان يوما مركزا لسلطنة قوية تتكفل بكسوة الكعبة كل عام.
ووفق أرقام أممية، فقد خلفت الحرب في دارفور 300 ألف قتيل في الفترة ما بين عامي 2003 و2013، وأدت إلى نزوح الملايين من ديارهم وقراهم.
ولأن الدماء سُفكت، والأرحام قُطعت، والحرمات انتُهكت، كان لا بد من جهود مضنية للتقريب بين طرفي القتال: الحكومة بجيشها وقبائلها، والحركات المتمردة المسلحة من بعض دول الجوار.
ولأزيد من سنتين، تنقل دبلوماسيو قطر بين العواصم العربية والأفريقية والغربية لممارسة كل وسائل الضغط السياسي على أطراف الصراع، وحملها على التوصل إلى سلام ينهي محنة الملايين التائهين بحثا عن الأمان.
أما الدوحة فتحولت إلى مقصد لكل مكونات المشهد العسكري والسياسي في السودان، فاقتنعت بها الأطراف وسيطا جديا يمكنه تحقيق السلام ورد المظالم وجبر الخواطر وإعادة الإعمار.
وآتت هذه الجهود أكلها في أبريل/نيسان 2013 عندما أعلن الشيخ حمد بن خليفة -وكان أمير البلاد حينها- أمام الأطراف والشركاء الإقليميين التوصل إلى اتفاق الدوحة لسلام دارفور.
بمقتضى اتفاق الدوحة، تم تشكيل سلطة إقليمية في دارفور وإجراء استفتاء يحدد الوضع الإداري للإقليم.
وكان لا بد للسلام من تنمية تحميه، فقدمت قطر 500 مليون دولار لبناء المساكن والمدارس والأسواق والمساجد، مما خلق الظروف المناسبة لاستتباب الأمن واستقرار السكان.
وفي إحدى مراحل الإعمار وقّع السودان اتفاقا مع صندوق قطر للتنمية لتشييد 10 قرى نموذجية بقيمة 70 مليون دولار في إقليم دارفور.
وفي محطة سابقة تم تشييد مجمعات للخدمات النموذجية في ولايات دارفور الخمس بقيمة 32 مليون دولار.
ثم تتالت في ربوع دارفور المشاريع التنموية والقرى النموذجية لرفع الغبن وتضميد الجراح وتحقيق متطلبات الأمن والاستقرار.
وفي محطة ثالثة مولت قطر 12 مشروعا قصير الأجل بتكلفة 88.
5 مليون دولار بهدف بناء الثقة في مستقبل يقوم على السلام والاستقرار، وتقليل الاعتماد على المساعدات الإنسانية، وإيجاد بدائل حقيقية للشباب والنساء من خلال توفير التعليم وسبل كسب العيش للحيلولة دون العودة إلى الصراع.
ويومها قال موسى محمد أحمد -مساعد الرئيس السوداني السابق- إن إنشاء قطر للقرى النموذجية يهدف إلى الإسهام المباشر في بناء السلام، وتحقيق الأمن والاستقرار بعد تراجع الاحتراب والعنف.
وإذا كان الأمير رحل اليوم عن عالمنا، فإنه ترك في السودان صدقة جارية وحكمة بالغة وكلمة باقية، وملايين من البشر يدعون له بالرحمة والغفران.
وهذه المشاعر جسدتها النخب السودانية في التعليق على رحيل الأمير الوالد، فقد تحدث وزير الخارجية السوداني السابق محيي الدين سالم عن دور الأمير الوالد في تحقيق الاستقرار بدارفور عبر جهوده في إنجاح اتفاق الدوحة، وأثره في حل مشاكل السودان.
وفي رثائية على وسائل الإعلام قال محيي الدين: " إنه لولا نفس قطر لما وصلنا إلى الاستقرار الذي نعمت به دارفور، واستمر لسنوات قبل الحرب اللعينة" التي اندلعت مجددا قبل أعوام.
ولم تكتف الدوحة بهذا القدر، " فالقطريون يسعون معنا في كل صغيرة وكبيرة لتضميد جراحنا وهدايتنا بالحكمة حتى نعود بالاستقرار لبلادنا".
أما مصطفى عثمان إسماعيل -وهو وزير سابق أيضا لخارجية السودان- فأشاد بمسيرة الأمير الوالد، معتبرا أن رحيله يمثل خسارة للمنطقة العربية، لما تركه من إرث سياسي وإنساني ومشاريع تنموية أسهمت في ترسيخ مكانة قطر إقليميا ودوليا.
شهد إسماعيل بما علم، فقال للجزيرة إن الأمير الوالد كان رجل دولة امتلك رؤية إستراتيجية في السياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية، ودافع عن القضايا التي آمن بها، كما لعب أدوارا في دعم جهود السلام والتعاون الاقتصادي والعمل الإنساني في عدد من الدول العربية.
وطبعا، بادر أهل دارفور إلى رثاء المعتصم الذي هبّ لنجدتهم من بعيد، فكتب حاكم الإقليم مني أركو مناوي: " إن الراحل أفنى عمره في خدمة أمته، وترك إرثا راسخا في ميادين العطاء والعمل الإنساني".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك