فى عصر التوثيق صوتا وصورة، لا يمكن إخفاء الحقائق، ولا تبقى أبواب الاجتهاد فى التفسير مفتوحة، فكان فيما مضى، أى شخص يستطيع أن يستل خنجرا مسموما للتشكيك فى أى شىء، وكل شىء، وبمجرد إثارة أسئلة الشك، ينقسم حيالها الناس إلى ثلاثة فرق، الأول يصدق، والثانى يشكك، والثالث يقف حائرا مرتبكا، لا يستطيع أن يصدق أو يشكك، أما الآن فبضغطة زر، تظهر الفيديوهات، كبرهان عن حدث أو واقعة بعينها، فتغلق كل أبواب الاجتهاد أو التشكيك.
لذلك، فإن وقائع العصر الحالى، محصنة بالتوثيق، صوتا وصورة، تفشل معها كل أدوات التجميل لتحسين الوقائع والتفاصيل، وتتحطم كل أدوات التشويه للنيل من الوقائع الدامغة الثابتة.
ومباراة مصر والأرجنتين فى الدور الـ16 بنهائيات كأس العالم والتى أقيمت فى أمريكا، موثقة صوتا وصورة ومن كل الزوايا، وبكل لغات العالم، حيث اغتيلت العدالة بدم بارد وفى وضح النهار «الساعة الثانية عشرة ظهرا بتوقيت أمريكا» وأمام عشرات الكاميرات التلفزيونية والفوتوغرافية وحتى كاميرات التليفونات المحمولة، وربما الأقمار الصناعية أيضا، بجانب الملايين حول العالم الذين شاهدوها بأعينهم عبر الشاشات!مباراة مصر والأرجنتين، ليست كمثيلتها من مباريات كأس العالم، مجرد 90 دقيقة، تنتهى بصافرة حكم، ثم تستقر نتيجتها فى دفاتر الإحصاء بمقرات الاتحاد الدولى لكرة القدم «فيفا» وإنما هى مباراة تجاوزت حدود الملعب، وتحولت إلى وثيقة تاريخية مفتوحة، تستدعيها الأجيال كلما دار الحديث عن العدالة والنزاهة، وشرف المنافسة وحدود سلطة الحكم، ومخاطر أن تفقد المؤسسات الرياضية الدولية، ثقة الجماهير فى أنحاء العالم.
لن يتذكر العالم فقط أن الأرجنتين انتصرت على مصر بثلاثة أهداف مقابل هدفين، وصعودها لدور الثمانية، فى مونديال 2026 وإنما الذى التصق بالذاكرة، الطريقة التى خسرت بها مصر، وفى الشعور الواسع الذى تجاوز ملايين المصريين، إلى ملايين العالم، وفى القلب منهم محللون ونجوم سابقون ووسائل إعلام دولية، بأن العدالة هى التى أُقصيت، وأن حكم المباراة، كان ظالما إلى حد الفجور، وأن تقنية الفار التى يفترض أنها استحدثت فى الملاعب لتقليل أخطاء البشر، صارت هى نفسها عاملا أكبر فى ترسيخ الظلم وإطلاق الرصاص على العدالة.
منتخب مصر خاض مبارياته فى كأس العالم بكبرياء المقاتلين، وشرف وروح وحماس الفرسان، وكان المشهد استثنائيا أمام الأرجنتين، ففرسان مصر كانوا على بعد خطوات قليلة من إقصاء بطل العالم، وإحداث واحدة من أكبر مفاجآت المونديال، حينها بدأت مباراة أخرى، لا تُلعب بالكرة فى الملعب، ولكن تدار خلف الكواليس، وبين جنبات غرفة الفار المركزية، فى كيفية إنقاذ ليونيل ميسى، الابن المدلل للفيفا، والذى من أجله، تبذل الجهود للحيلولة دون إقصائه من البطولة، بكل الوسائل، وأن تُغتال من أجله العدالة.
العدالة التى لا تقاس بصحة قرار منفرد، وبمعزل عن بقية المباراة، العدالة تقاس بوحدة المعايير، والقانون العادل، ليس القانون الذى يطبق بدقة، مرة، ثم يصبح مرنا مرات أخرى، وليس من المنطق أن تتحول تقنية الفيديو إلى جهاز تنقيب كامل عندما يتعلق الأمر بهجمة فريق، ثم تبدو حدود تدخله أكثر من ضيق «خرم» إبرة عندما تتغير ألوان التيشرتات.
ويظل السؤال الثقيل الذى يواجه الفيفا مستقبلا، ليس متعلقا بكيفية الفحص والتمحيص للمخالفة التى كانت بجوار خط مرمى المنتخب المصرى قبل تسجيل زيكو الهدف الملغى بثوان، وإنما فيما خضعت إليه الوقائع المتشابهة والمؤثرة فى الطرف الآخر للمستوى نفسه من الفحص والتدقيق؟الفارق بين الأمرين واضح وهائل، لأن الفيفا يستطيع أن يجد المبررات ويشرح طريقة المخالفة عشرات المرات لإقناع الناس بصحة المخالفة، لكنه لن يستطيع استعادة ثقة الإجماع من جمهور الكرة فى العالم.
ومن المعلوم بالضرورة أن الفساد الأخطر فى المؤسسات الكبرى، يبدأ عندما تفقد المنظومة قدرتها على إقناع الناس بحيادها، وعندما يصبح تفسير القرارات أكثر تعقيدا من القرارات ذاتها، وعندما يرى الملايين تناقضا فى التطبيق، ثم يطلب منهم الاكتفاء بتأكيد المؤسسة أن كل شىء سليم، خاصة أن الثقة لا تفرض بسلطة البيان، وإنما تبنى بإعلاء شأن العدالة والشفافية، وكان من حق العالم أن يعرف بدقة ماذا راجعت غرفة تقنية الفار فى جذب حمدى فتحى داخل منطقة جزاء الأرجنتين، وعرقلة محمد صلاح داخل منطقة الـ18 والتى ارتدت بهدف للأرجنتين، فحين تكون الكاميرات شاهدة لا يكفى أن تطلب من الملايين ألا يصدقوا أعينهم.
ستكتب دفاتر كأس العالم أن مصر خسرت من الأرجنتين حامل اللقب، بثلاثة أهداف مقابل هدفين، وودعت البطولة من الدور الـ16، أما ذاكرة التاريخ فنقشت على جدرانها، قصة أخرى، بطلها منتخب مصر الذى تفوق على بطل العالم، وانتزع حقه فى الحلم، ثم خرج فى يوم كانت الكاميرات فيه شاهدة وحاضرة، تصرخ بأنها رصدت بدقة اغتيال العدالة، وأن مشاهدها ستبقى لسنوات طويلة مستقبلا، ويظل السؤال الصعب حاضرا، هل خسرت مصر أمام الأرجنتين؟ أم خسرت العدالة أمام العالم؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك